الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

ما حكم الرِّبح المضمون في المضاربة؟

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.

سؤال:

وبعد: فقد وجَّه إليَّ بعض الفضلاء سؤالًا مضمونه: ما حكم الرِّبح المضمون بتحديد مال معلوم في المضاربة وعدم احتساب الرِّبح والخسارة؟.

وللجواب أقول:

اعلم - علَّمني الله وإيَّاك - أنَّ تحديد مبلغ مقطوع به في المضاربة غير جائز، وأنَّ الرِّبح بنسبة على المشاع؛ كأن يتَّفق الطَّرفان على نسبة معيَّنة بالتَّراضي ولتكن 10% تختلف بحسب الخارج من التَّجارة في دورتها الماليَّة؛ لئلَّا يقع ضرر أو غرر أو جهالة بسبب زيادة الأرباح أو نقصها؛ ففي كلا الحالتين يقع ضرر على أحد الطَّرفين؛ كنقص أرباح صاحب المال، وزيادة أرباح المضارب، أو العكس؛ وهذا يحمل ظلمًا لأحدهما؛ فدفع الشَّرع هذا الظُّلم من خلال التَّوجيه إلى تحديد النِّسب المئويَّة دون تعيين قدرها؛ فإنَّ هذا أحفظ للحقوق الطَّرفين؛ الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: "أجمع أهل العلم على أنَّ للعامل أن يشترط على ربِّ المال ثلث الرِّبح، أو نصفه، أو ما يجمعان عليه، بعد أن يكون ذلك معلومًا، جزءًا من أجزاء. وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال القراض الذي يشترط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة. وممَّن حفظنا ذلك عنه: مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرَّأي" [1]

وأمَّا تحديد مبلغ من المال على صورة ضمان الأرباح وأنَّه لا خسارة فقد منعه الشَّرع الشَّريف؛ فالأرباح لا تُضمن؛ لأنَّ التِّجارة قائمة على الكسب والخسارة، واعتماد أحد المخرجين - كسب أو خسارة - إجحاف لأحد الطَّرفين؛ لذا كان التَّوجيه أن يُحدَّد الرِّبح في صورة نسب من غير اشتراط العدد أو المقدار؛ قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: "متى جعل نَصيب أحد الشُّركاء دراهِمَ معلُومةً، أو جعل مع نصيبه دراهم؛ مثلُ أن يشترط لنفسه جزءًا وعشْرة دراهِمَ، بطَلَت الشَّركة" [2]

وأُرى أنَّ من أوجه منع الرِّبح المضمون أنَّ فيه معنى التَّألُّه بتدخُّل الإنسان فيما يكون من اختصاص الرَّبِّ بالتَّعيين والتَّحديد والتَّقدير الذي يسير في مسار الكسب دون اعتبار الخسارة؛ وليس هذا يتحقَّق في المشاع أو النِّسب؛ لأنَّها يُعتمَد فيها تقسيم ما خرج من أرباح على النِّسب المعلومة مع اختلاف مقدار المال زيادة ونقصًا.

وأمَّا الاتِّفاق في مجلس العقد بين الطَّرفين على نسبة معلومة على المشاع كالنِّصف أو الرُّبع أو بالنِّسبة المئويَّة نحو 10% أو 20% ثمَّ تقسيمها على الأشهر كحصص شهريَّة، وفي نهاية الدَّورة الماليَّة يتمُّ احتساب المعطى، ثمَّ احتساب الأرباح الواقعيَّة الميدانيَّة، ثمَّ خصم المعطى من الأرباح لإيجاد الفارق لتتميمه إن كان ناقصًا، أو خصمه إن كان زائدًا؛ فلا حرج فيه لأنَّ المعتمد في العقد نسبة تختلف باختلاف الرِّبح والخسارة، وتتفاوت زيادة ونقصًا، الأمر فقط في تقسيم الرِّبح على الأشهر بدل تأخيره لنهاية الدَّورة، مع خضوع المعاملة في نهاية الدَّورة الماليَّة للحساب والمقارنة بين المسلَّم لصاحب المال من المضارب وما يستحقُّه من نسبة بمقتضى العقد والاتِّفاق.

وأمَّا عدم تحديد الرِّبح على المشاع بنسب، واعتماد الأرباح الشَّهريَّة الثَّابتة مع ترك الاحتساب في نهاية الدَّورة الماليَّة بحجَّة عدم القدرة على الحسم والفصل بين أرباح النَّاس ففيه تجاوز ومخالفة وشبهة متحقِّقة؛ لأنَّ وقوع الظُّلم على طرف من الأطراف المشاركة في المضاربة متحقَّق أو وارد، فلا يُقبل هذا الصَّنيع من المضارب، وإنَّما يُلزَم بتحديد نسبة على المشاع، ولا بأس من التَّسليم الشَّهريِّ بشرط الاحتساب والمقارنة في نهاية الدَّورة الماليَّة؛ للتَّأكُّد من سلامة التَّقسيم، واتِّخاذ ما يلزم حيال ذلك.

هذا والله أعلم وأحكم وهو أعزُّ وأكرم

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله