(1) اختُلف في معنى نسبة ذرِّيَّة يعقوب من بعده لإسرائيل؛ فقيل معناه عبدالله وصفوته، أو المحافظ على عهد الله، وقد ورد في سفر التَّكوين أنَّ يعقوب سُمِّي بهذا الاسم لأنَّه صارع الله تعالى! حيث جاء فيه: "وبقي يعقوب وحده، فصارعه رجل إلى طلوع الفجر، ورأى أنَّه لا يقدر عليه، فلمس حقَّ وركه، فانخلع حقُّ ورك يعقوب في مصارعته له، وقال: "اصرفني، لأنَّه قد طلع الفجر" فقال يعقوب: "لا أصرفك أو تباركني" فقال له: "ما اسمك؟" قال: "يعقوب" قال: "لا يكون اسمك يعقوب فيما بعد، بل إسرائيل، لأنَّك صارعتَ الله والنَّاس فغلبتَ" وسأله يعقوب قال: "عرِّفني اسمك" فقال: "لم سؤالك عن اسمي؟" باركه هناك، وسمَّى يعقوب المكان فنوئيل قائلًا: "إنِّي رأيت الله وجهًا إلى وجه، ونجت نفسي، وأشرقت له الشَّمس عند عبوره فنوئيل، وهو يعرج من وركه" - سفر التَّكوين: (32/24 - 31) - وهذا زور وكذب وبهتان يُنزَّه الله تعالى عنه تنزيهًا تامًّا، وعليه فالرَّاجح في سرِّ التَّسمية أنَّها بمعنى المحافظ على عهده مع الله تعالى أو تمام العبوديَّة لله عزَّ وجلَّ.
وقد تسمَّت به إسرائيل في واقعنا المعاصر إحياءً لهذا الاسم الذي يستمدُّ مكانته من مكانة نبيِّ الله يعقوب ؛ فمعنى دولة إسرائيل= دولة نبيِّ الله يعقوب، ولم يُسمُّوها باسم: دولة بني إسرائيل؛ وصولًا بمكانتها إلى أعلى رُتبة بشريَّة، وهي محاولة خبيثة من قادة الكيان الغاصب لإضفاء المكانة على دُويلتهم الغاصبة بما يُشعر وكأنَّهم امتداد لنسل هذا النَّبيِّ الصَّالح الذي أقام أكثر عمُره بأرض كنعان؛ وعليه فإنَّهم يهدُفون إلى أحقِّيَّتهم في الأرض التي عاش فيها جدُّهم الأكبر الذي ينتسبون إليه بهذه التَّسمية؛ وهي نسبة كاذبة لأنَّ النِّسبة بين اليهود اليوم والأسباط من ذرِّيَّة يعقوب متقطِّعة، ولا يملك المدَّعون دليلًا على صحَّة ذلك؛ فكثير منهم ليس من نسل يعقوب ، وإنَّما من أمم أخرى اختلطت ببني إسرائيل ودخلوا في دينهم كالخزر الأتراك الذين دخلوا في اليهوديَّة اتِّباعًا لملكهم بولان؛ فقد كان جميع بني إسرائيل نسلًا حقيقيًّا لنبيِّ الله يعقوب إلى أن تفرَّقوا في السَّبي الآشوريِّ شذر مذر حتَّى عُرفوا بالأسباط الضَّائعة، وبالسَّبي البابليِّ الذي طال حتى بلغ: (48) سنة، ومن بعد ذلك اختلط مَن بقي مِن بني إسرائيل من سبطي يهوذا وبنيامين الذي نجوا من الأسر البابليِّ - وهم قلَّة قليلة – بغيرهم ممَّن اعتنق اليهوديَّة، فأصبحت نِسبتهم إلى إسرائيل مجازفة كبيرة ومغالطة تاريخيَّة ودينيَّة عظيمة فاليهوديَّة جمعت في بطنها مَن كان مِن نسلِ إسرائيل ومَن لم يكن منهم، وقد قلَّ في زماننا أو انعدم مَن يمكن أن يكون منهم، فالنِّسبة الصَّحيحة لهم: (اليهود) وليس: (بني إسرائيل) والله أعلم.
وفيها أيضًا ما يُوحي بافتخارهم بالانتساب لنبيِّ الله يعقوب والأسباط من بعده ولو كان الانتساب فارغًا من محتواه ومضمونه، فهم لا يتَّبعون هديهم ولا يسيرون على طريقتهم، ويكتفون بالانتساب الصُّوريِّ المجرَّد من العمل والاتِّباع.
(2) قال القرطبيُّ رحمه الله: "وأسماؤهم: روبيل وهو أكبرهم، وشمعون، ولاوي، ويهوذَا، وزيالون، ويشجر، وأمُّهم ليا بنت ليان، وهي بنت خال يعقوب، وولد له من سريَّتين أربعة نفر: دان ونفتالي وجاد وآشر، ثمَّ تُوفيت ليا فتزوَّج يعقوب أختها راحيل، فولدت له يوسف وبنيامين، فكان بنو يعقوب اثني عشرَ رجلًا" الجامع لأحكام القرآن= تفسير القرطبيِّ، لأبي عبدالله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرخ الخزرجيِّ الأنصاريِّ القرطبيِّ (ت:671ه)، تح: أحمد البردونيِّ، وإبراهيم أطفيِّش، دار الكتب المصريَّة - القاهرة، ط: (2/1384ه=1964م)، (9/130).
(3) والأَولى - فيما أُرى والله أعلم - أنَّهم سمُّوا يهودًا نسبة ليهوذا الذي بقي سبطه بعد ضياع الأسباط في السَّبي الآشوريِّ؛ والسَّبب في هذا الانتساب= ضياع عشرة أسباط منهم بعد أن سباهم الملك سرجون الثَّاني حين اقتحم مملكة الشَّمال (إسرائيل) وخرَّبها واستاق مَن بقي منهم كأسرى إلى العراق، وهناك ضاعوا وتفرَّقوا شذر مذر ولم يُعثر عليهم بعد تاريخه، ولم يبق من أسباط بني إسرائيل الاثني عشر سوى من كان في مملكة الجنوب (يهوذا) حيث تأخَّر سبيهم حتى زمن بختنصَّر البابليِّ الذي اجتاح المدينة وأشبعهم قتلًا وسلبًا واستاق مَن بقي منهم إلى السَّبي البابليِّ الذي استمرَّ قرابة: (48) سنة، وكان هذا لسبطي يهوذا وبنيامين، وكانت الغلَبة والكثرة لسبط يهوذا، وفي فترة السَّبي تعايشوا مع أهل بابل، وميَّزوهم باليهود نسبة إلى يهوذا فغلب عليهم الاسم، وأصبح علمًا عليهم، وقد اعتمده الوحي من القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة المطهَّرة لا إنشاءً ولكن استعمالًا وجريًا على المألوف المعروف عنهم ممَّا شاع وذاع؛ فقد عُرفوا في شبه الجزيرة العربيَّة وقت نزول القرآن الكريم باسم اليهود.
وفي التَّحقيق يُفرَّق بين مصطلح: (بني إسرائيل) و: (اليهود):
فالأوَّل مصطلح نسبيٍّ، ولا يكون إلَّا في حقِّ مَن تحقَّق انتسابه لنبيِّ الله يعقوب عليه السَّلام من طريق أحد أبنائه الأسباط المعروفة، والآخر مصطلح دينيٍّ، ويُطلق على كلَّ مَن انتسب إلى عقيدة اليهود المقرَّرة عندهم في دينهم، ومصطلح اليهود الآن أوسع من بني إسرائيل، فليس جميع اليهود من بني إسرائيل، وليس جميع بني إسرائيل من اليهود؛ قال تعالى: {وَمِن قَوۡمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ} [الأعراف: 159] وقال سبحانه: {وَقَطَّعۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُمَمٗاۖ مِّنۡهُمُ ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنۡهُمۡ دُونَ ذَٰلِكَۖ} [الأعراف: 168] فلم يكن مصطلح اليهود معروفًا عند السَّابقين من بني إسرائيل لا في استعمال الوحي ولا في كتاباتهم ولا في كلامهم، لكنَّه شاع بعد السَّبي؛ حيث انتسب إلى اليهوديَّة كثير من الأجناس عبر العصور؛ فلم تسلم النِّسبة لبني إسرائيل بعد هذا التَّوسُّع النَّاتج عن اختلاف المشارب والأنساب، وأصبح مصطلح بني إسرائيل علمًا على مَن كان من نسل يعقوب ، سواءٌ كان يهوديًّا أو نصرانيًّا أو مسلمًا؛ لأنَّه انتساب جدود وأصول لا إيمان، وينحصر استعماله في الوحي والكتابات النَّسبيَّة، وكتب الأديان والمذاهب على الطَّائفة الأولى منهم، وأمَّا مصطلح اليهوديَّة فأصبح خاصًّا بمَن اعتنق اليهوديَّة ولو كان من غير بني إسرائيل وهم أكثر اليهود؛ لأنَّه انتساب عقيدة وإيمان؛ فكلُّ مَن سار على عقيدة اليهود فهو يهوديٌّ، وفي العصر الحديث تغلُب عليهم نسبة اليهوديَّة لأنَّ كثيرًا منهم لا ينتسب بصلة إلى بني إسرائيل؛ فهم من أمم ونطف مختلفة، وبمجرَّد إيمان اليهوديِّ بالإسلام يُصبح مسلمًا أيًّا كان نسبه، وبذلك يخرج من ربقة اليهوديَّة، ويدخل في الإسلام الذي ارتضاه الله تعالى.
وقد استعمل القرآن الكريم في الدَّلالة عنهم كلمة بني إسرائيل إذا كان السِّياق للخطاب أو الإخبار بأحوالهم أو زمانهم أو ما وقع لهم من مواقف وأحداث؛ قال تعالى: {يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ} [البقرة: 40] وقال سبحانه: {سَلۡ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ كَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّنۡ ءَايَةِۭ بَيِّنَةٖۗ} [البقرة: 211] وقال جلَّ ذكره: {وَلَقَدۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَبَعَثۡنَا مِنۡهُمُ ٱثۡنَيۡ عَشَرَ نَقِيبٗاۖ} [المائدة: 12] وقال عزَّ وجلَّ: {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ} [المائدة: 78] ويكون المعنى يا أبناء النَّبيِّ يعقوب يحسُن بكم أن تفعلوا كذا، أو لا يحسُن بكم أن تفعلوا كذا، وفيه معنى اللَّوم والعِتاب، وأيضًا التَّحفيز إلى الاستجابة والاعتدال والصَّلاح من خلال التَّذكير بنبيٍّ كريم صالح.
وأمَّا إذا كان السِّياق لبيان العقيدة أو المناظرة أو الاختصاص الدِّينيِّ أو نسبة شيء من العقيدة الباطلة إليهم فإنَّ كلمة اليهود هي الأكثر في هذا المعنى؛ ومن ذلك قوله تعالى: {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ} [النساء: 46] وقال جلَّ شانه: {وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحۡنُ أَبۡنَٰٓؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥۚ} [المائدة: 18] وقال سبحانه: {وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ} [المائدة: 64] وقال جلَّ وعزَّ: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٖۖ} [الأنعام: 146] وقال جلَّ وتعالى: {وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ} [التوبة: 30] ويكون المعنى من استعمال لفظة: (اليهود) نسبة الفعل إليهم تمييزًا لهم وتخصيصًا؛ للتَّفرقة بين أفعالهم وأفعال غيرهم، وفي العصر الحديث أصبح الاسم مميِّزًا لهم عن أهل الأرض جميعًا بما هم عليه من دين محرَّف، وعقيدة مشوَّهة، واغتصاب أرض فلسطين بقوَّة الغير، ومحاربة المسلمين.
(4) إنَّ انتقال أصل بني إسرائيل بين البلاد كنعان (فلسطين) في عهد نبيِّ الله إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السَّلام ومن بعدهم من أنبياء الله تعالى الذين أرسلهم في بني إسرائيل، ثمَّ مصر في عهد نبيِّ الله يوسف ثمَّ يعقوب عليهما السَّلام ثمَّ الأسباط من بعده تبعًا له، ثمَّ سيناء في زمن نبيِّ الله موسى عليه السَّلام وما وقع لهم من التِّيه لمدَّة 40 سنة، كلُّ هذا لا يجعل لهم الأحقِّيَّة في إرث هذه الأرض؛ لأنَّ بني إسرائيل قدموا عليها وفيها غير ممَّن استطونها قبلهم وأقام حضارة وبناءً وحياة كاملة المعالم، فكان دخول بني إسرائيل عليهم كضيف في حِمى صاحب المكان، فليس ليهود اليوم الحقٌّ في ادِّعاء أملاك، أو استحقاق الأرض، أو وراثة المنطقة؛ فقد كان وجودهم عابرًا ولم يكونوا أهلًا مُستقلِّين بالمكان، فالمغترب لا يتملَّك الأرض ولو طالت مدَّة بقائه فيها؛ فلا يحتجُّ اليهود بهذا على ما وقع منهم من اعتداء سافر على أرض فلسطين الطَّاهرة.
(5) ويرى الشَّيخ البهيُّ الخولي أنَّ ما حصل من إخوة يوسف وما نتج عن ذرِّيَّتهم من فساد وإفساد وعناد: "يُمثِّل فصيلة آدميَّة مستقلَّة في الطَّبائع والأفعال والسُّلوكيَّات، حيث ظهر فيهم التَّبايُن الهائل بين أكرم أصل وأخبث فرع، وأنَّ فِطرهم تأبَّت على قانونَي الوراثة والبيئة تأبِّيًا عجيبًا، لا يُمثِّل ألَّا آية عجيبة من آيات الله في الخلق... إنَّهم فصيلة آدميَّة قائمة برأسها لا تلتقي مع سائر البشر إلَّا في القامة المنتصبة على ساقين المنتهية بعُنق ووجه كوجوه بني آدم، له من الملامح والتَّقاطيع ما لوجوه سائر النَّاس... أمَّا النُّفوس والطِّباع والصِّفات والاستعدادات الإنسانيَّة ومقوِّمات الشَّخصيَّة، ومعايير العقل، وخاصِّيَّة الفكر، فشيء آخر يختلفون فيه مع ما للإنسان السَّويِّ كلَّ مُخالفة" - بنو إسرائيل في ميزان القرآن، للبهيِّ الخولي، دار القلم - دمشق، ط: (2003م) ص: (ج) - وينتهي من خلال رأيه إلى: "أنَّهم فصيلة آدميَّة جمعت في جِبلتها كافَّة ضروب الفساد والشَّرِّ، مع الحِقد الجارف على الإنسان وجعله هدفًا - حسِّيًا ومعنويًّا - لخطاياها، مع غِبطة غير محدودة يجدونها كلَّما أصابوا مأربًا من مآربهم" - المرجع السَّابق، ص: (12) -.
(6) إنَّ الحسدَ داءٌ فتَّاكٌ يقع بين الإخوة المجتمعين فيُفرِّق شَملهم، ويجنِي على الأجيالِ العاقِبة في هذه الأسرةِ بالتَّفرُّق الدَّائم؛ ولنا في قصَّة إخوة يُوسُف عليه السَّلام العِبرةُ والعِظة؛ فقد وقعت جرِيمةٌ نكراءُ لا تقبلها النُّفوس السَّليمة ولا الفطرة المستقيمة حيث أقدم إخوة يوسف النَّبيِّ = أبناء يعقوبَ النَّبيِّ عليه السَّلام = أحفادُ إسحاق وإبراهيمَ أنبياءِ الله عليهما السَّلام على الشُّروع في قتل أخِيهم حين ألقُوه في بئرٍ مظلمة مُوحشة في صحراءَ مقفرةٍ تمرُّ بها الثَّعالب والذِّئاب، ولا يأمن المرءُ فيها على نفسه في وَضَح النَّهار، لكنَّهم ألقوا أخاهم الصَّبيَّ الصَّغيرَ الَّذي لا حولَ له ولا قوَّة في هذا الجُبِّ الميفِ دون أن تأخذهم به شفقةٌ، أو تتسلَّل إلى قلوبهم رحمةٌ، ليبقى وحيدًا يُعاني كثيرًا من المصاعب في جوف الجُبِّ، وهكذا شأن كلِّ حاسد لا تعرِف الرَّحمةُ سبيلًا إلى قلبه؛ فهدفُه أن يقضِيَ على كلِّ جميلٍ، ويقتلَ كلَّ مظهرٍ مِن مظاهرِ البرَاءةِ والمحبَّة، فهو يغتاظ لنِعم الله على عباده، ويتضجَّر لما فاته من نِعمٍ حصلت للنَّاس، والسَّبب في هذا الفعل الشَّنيع الَّذي أقدم عليه إخوة يوسف عليه السَّلام = الحسد، ويتجلَّى هذا المعنى في قول الله: {إِذۡ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ} [يوسف: 8]
وبعد بيانِ السَّبب شرعوا في ذكر بعض صور التَّلخلُّص من يوسف إمَّا بالقتل المباشر، وإمَّا بالقتل البطِيء حتَّى استقرَّت كلمتهم على الرَّأي الثَّاني الَّذي يتمثَّل في إلقاء يوسفَ عليه السَّلام في غَياباتِ الجُبِّ وظلمات البئر المفردة في الصَّحراءِ؛ قال تعالى: {ٱقۡتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطۡرَحُوهُ أَرۡضٗا يَخۡلُ لَكُمۡ وَجۡهُ أَبِيكُمۡ وَتَكُونُواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ قَوۡمٗا صَٰلِحِينَ * قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ لَا تَقۡتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلۡقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّ يَلۡتَقِطۡهُ بَعۡضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ} [يوسف: 9، 10] وبالفعل قامُوا بالتَّنفيذ، ومرَّت قافلةٌ مُتَّجهةٌ ناحية مِصرَ أخذته عليه السَّلام في طريقها، فظنُّوا بذلك أنَّهم ارتاحوا من وُجودِه، وصَفَا لهم وجهُ أبيهم الَّذي كان يُفضِّله عليهم ويُحبُّه أكثرَ من حبِّه لهم؛ لأنَّه رأى فيه أماراتِ النُّبوَّة مُنذ صِباه من خِلال سُلوكه وأحواله وما وقع له مِن رؤيا أوَّلها على أن يكون نبيًّا مُرسَلًا، ولذلك سَعَوا لتحقيق هدفِهم عن طريقِ المخادعَةِ لأبيهم الَّذي كان يعرف تربُّصهم بيُوسفَ عليه السَّلام فقال: {قَالَ يَٰبُنَيَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡيَاكَ عَلَىٰٓ إِخۡوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيۡدًاۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٞ مُّبِينٞ} [يوسف: 5]
"وحاولوا خِداع نبيِّ الله يعقوبَ حين طلبوا منه أن يسمحَ لهم باصطحاب يوسف معهم في رحلة الرَّعي حتَّى يلعبَ معهم ويفرحَ، هكذا بكلِّ مكرٍ وخديعةٍ يسوِّقون لفكرتهم الَّتي تخدِم هدفهم ولو بالكذب على من لا يجوز الكذبُ في حقِّه فهو أبٌ نبيٌّ صالحٌ كبيرٌ عليه السَّلام ، وحين ظفِروا به وأتمُّوا جريمتهم النَّابعةَ من الحقد الدَّفين والحسد المبِين ذهبوا إلى أبيهم ليكذبوا مرَّة أخرى ليُعالجوا عودتهم بدون يوسُفَ متَّهمين الذِّئب البريءَ من دم يُوسفَ عليه السَّلام ، فتجنَّوا على البشر وعلى الحيوان؛ لأنَّ الحاسد يتَّخذ كلَّ الطُّرق الَّتي تمكِّنه من تحقيق هدفه، ومع أنَّهم رأوا بأعينهم تحسُّر ولوعة أبيهم مِن فِراق ولده بهذه الصُّورة القاسية الَّتي لا يتحمَّلها قلبٌ أُبويٌّ، لكنَّهم لم يرِقُّوا لحال الشَّيخ الكبير، فبكى على فِراق ولده حتَّى ابيضَّت عيناه مِن الحُزن وذهبَ نورُها وأصابَها العمَى، وفي النِّهاية لم يظفَروا بما كانوا يطمحون فيه من عِناية ورِعَاية أبيهم، فلم ينتفعوا به ولم يترُكوا غيرَهم لينتفِع به؛ حيث ساءت الأحوالُ، وهجرهم أبوهم وغضِب عليهم، وهذه نِهاية كلِّ حاسدٍ يسعى في إيذاء النَّاس، فلن يظفَر بمرادِه، بل تسوءُ الأمورُ حتَّى يتمنَّى أنَّه لم يتجاسر على ارتكاب المعصية؛ ليقتلَه النَّدمُ وتذبحَه الحسرةُ" الإفراط في الشَّهوات، وأثره على الفرد والمجتمع، وعلاجه في ضوء القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة - دراسة موضوعيَّة، الدُّكتور محمد حسين عبداللَّطيف، مكتبة دار اللُّؤلؤة للطِّباعة والنَّشر - مصر، ط: (2/2023م)، (2/142 - 144).
(7) إنَّ إخفاء ما يوصِّل إلى الحسد عن المعروف به من أعظم علاجاته؛ فلا تَزال العُيونُ تحسُد ما ظهر لها مِن نِعمٍ وخيراتٍ على أصحابها، فإذا أخفَى المرءُ النِّعم بسترها مع شكرِها باللِّسان والجوارح، حفظَ الله تعالى عليه النِّعمة وسلم من الحسد، وقد أشار القرآنُ الكريمُ إلى هذا العلاج في وصيَّة نبيِّ الله يعقوبَ لابنه يوسُف عليهما السَّلام حين رأى رؤياه المعروفةَ وأوَّلها أبوه بأنَّه ستكون له النُّبوَّة والملك، وقد تحقَّق هذا كما ظهر في نهايةِ السُّورة الكريمة، فلمَّا قصَّ الرُّؤيا المناميةَ على أبيه نهاه أن يقصَّها على إخوته لما عُرِف عنهم من كَيدٍ ليُوسف عليه السَّلام ؛ فكان في الوصيَّة ما يحول دون وقوع الحسد؛ قال تعالى: {إِذۡ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ إِنِّي رَأَيۡتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوۡكَبٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ رَأَيۡتُهُمۡ لِي سَٰجِدِينَ * قَالَ يَٰبُنَيَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡيَاكَ عَلَىٰٓ إِخۡوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيۡدًاۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٞ مُّبِينٞ} [يوسف: 4، 5] لقد حذَّره والدُه من روايةِ الرُّؤيا لإخوته معلِّلًا ذلك بحصول الكيد الَّذي ينتُج عن الحسد وعدم الرِّضا بتحقُّق النِّعم له؛ فإنَّ الحاسدَ يستكثِر النِّعمَ على المحسود ولو كانت مَدحًا أو ثناءً أو الذِّكر الحسن بين النَّاس، فليس أقلّ من الرُّؤيا المناميَّة، فإذا كان الحسدُ يقع في الرُّؤيا المناميَّة فهو فيما سِواها أكثرُ وقوعًا، ولـمَّا أخفاهُ يوسف ممتثلًا أمر والده نجا مِن حسدِ إخوته من هذا الجانب، ولكنَّه وقع فيه من جانب آخر.
يُعتبَر ما نتج عن تعلُّق نبيِّ الله يعقوبَ بابنه نبيِّ الله يوسفَ عليهما السَّلام من حُسن مُعاملةٍ واحتواءٍ وعنايةٍ من أعظم الأسباب الَّتي وصَلت بنبيِّ الله يوسفَ عليه السَّلام إلى ما وصل إليه مع إخوته من كيدٍ وتربُّصٍ ومحاولاتِ التَّخلُّص منه عن طريق قتلِه وإيذائِه ورميِه في غياباتِ الجُبِّ؛ والمطالِع للمشهد القرآنيِّ الَّذي يُصوِّر علاقة إخوة يُوسُفَ به يرى أنَّ ظُهورَ آثارِ تفضيل أبيهم له كانت الدَّافعَ الَّذي اعتمدوا عليه لمحاولة التَّخلُّص منه بأيِّ صورة مُمكنَة؛ لأنَّ النَّفس لا تُحبُّ أن تُسلَب عِناية الوليِّ فيما لها فيه حقٌّ، فإذا شعرتَ بأنَّ شخصًا يستحوِذ على حقِّها في الرِّعاية والعِناية وقع الكيد، ودبَّ الحسد في النَّفس؛ قال تعالى: {لَّقَدۡ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخۡوَتِهِۦٓ ءَايَٰتٞ لِّلسَّآئِلِينَ * إِذۡ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ * ٱقۡتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطۡرَحُوهُ أَرۡضٗا يَخۡلُ لَكُمۡ وَجۡهُ أَبِيكُمۡ وَتَكُونُواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ قَوۡمٗا صَٰلِحِينَ * قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ لَا تَقۡتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلۡقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّ يَلۡتَقِطۡهُ بَعۡضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ} [يوسف: 7: 10] "فالمتأمِّل في الآيات الكريمة يرى أنَّ أثر ظهور النِّعمة على يوسفَ عليه السَّلام كان المحرِّك للنَّفس نحو الحسد الَّذي أسفر عن رميه في الجُبِّ؛ فلو أراد المرء أن يتجنَّب أسباب العطب والحسد فليستُر النِّعم ولا يسعى لإظهارها لأيِّ أحد، سواءٌ كانوا يحبُّونه أو يكرهونه؛ فإنَّ إظهارَها ينتُج عنه حسدٌ وبلاءٌ، إلَّا أن يأنس المرءُ من الآخَرين كفايةً وشِبعًا ممَّا وقع له من نعمة؛ فيكون هذا من باب قوله تعالى: {وأمَّا بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثۡ} [الضحى: 11] فإذا لم يأمَن الحسدَ النَّاتجَ عن فقْد النِّعمة لم يكن له إظهارُها" الإفراط في الشَّهوات، وأثره على الفرد والمجتمع، وعلاجه في ضوء القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة - دراسة موضوعيَّة، لراقم هذه الصَّفحات، (2/212).
(8) وهذا الذي فعله إخوة يوسف بأخيهم وأبيهم يدلُّ على طبيعتهم الشَّديدة القاسية تلتي تحملهم على الإقدام على فعل شنيع فظيع يُقطِّع الأرحام، ويُغضب النَّبيِّ الوالد عليه السَّلام ، بل ويُلحق به الضَّرر والأذى والعمى، وقد انتقلت إلى من جاء بعدهم، فجلُّ اليهود لا يعرفون الرَّحمة ولا يهتدون إلى العفو.
(9) عُرف أبناء يعقوب وذرِّيَّته من بعده بالأسباط كما في استعمال القرآن الكريم، وفي جميع مواضعه يعطفهم على أبيهم النَّبيِّ الصَّالح يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السَّلام ؛ قال تعالى: {قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ...} [البقرة: 136] وقال سبحانه: {أَمۡ تَقُولُونَ إِنَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ...} [البقرة: 140] وقال جلَّ وعزَّ: {قُلۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ} [آل عمران: 84] وقال عزَّ وعلا: {وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ} [النساء: 163] والسِّبط معنى القبائل التي تفرَّعت من سلالة يعقوب ؛ فهي بمثابة بيوت العائلات ومسمَّيات كبراء النَّسب الذين تُنسب إليهم النَّاس، فهم أصل بني إسرائيل؛ قال الأزهريُّ رحمه الله : "والصَّحيح أنَّ الأسباط في ولد إسحاق بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل عليه السَّلام ، فولد كلِّ ولد من أولاد يعقوب سِبط، وولد كلِّ ولد من أولاد إسماعيل قبيلة، وإنَّما سمُّوا هؤلاء بالأسباط، وهؤلاء بالقبائل ليُفصَل بين ولد إسماعيل وولد إسحاق " تهذيب اللُّغة؛ لأبي منصور محمد بن أحمد بن الأزهريِّ الهرويِّ، تح: محمد عوض مرعب، دار إحياء التُّراث العربيِّ، بيروت، ط: (1/2001م)، (12/240).
وهذه النِّسبة (الأسباط) لا تختصُّ بأبناء يعقوب بل تتعدَّاهم إلى أولادهم الذين انتسبت إليهم القبائل من بعدهم؛ فالتَّحقيق أنَّ هذه الكلمة لم تُطلق على إخوة يوسف عليه السَّلام وهم في أرض كنعان ومصر مع طول المدَّة فيهما، بل أُطلقت على من كان في سيناء بعد الخروج من مصر في فترة التِّيه المضروبة على ذرِّيَّاتهم؛ وعلى هذا يكون المعنيُّ بالأسباط السُّلالة المنحدرة من ذرِّيَّة أبناء يعقوب ؛ فالسِّبط= ابن الابن وإن نزل؛ ومنه قول النَّوويِّ في الأربعين رحمه الله : "عن أبي محمد الحسن بن عليِّ بن أبي طالب سِبطِ رسول الله ﷺ وريحانته" وهو حفيده من جهة ابنته الزَّهراء فالسِّبط الحفيد وإن نزل.
وفائدة تحديد المقصود بالأسباط تحسم خلاف العلماء في نبوَّة إخوة يوسف عليه السَّلام ؛ والرَّاجح عدم نبوَّتهم؛ وعليه يكون المقصود من عطفهم على الأنبياء عليه السَّلام مَن أُرسل في ذرِّيَّتهم من أنبياء بني إسرائيل عليه السَّلام ممَّن ينتسبون إلى قبائل وبطون بني إسرائيل، وأوَّل أنبياء الأسباط موسى بن عمران عليه السَّلام ، وآخرهم عيسى ابن مريم عليه السَّلام ، وبينهما عدد كبير من الأنبياء عليهم السَّلام ؛ فقد أرسل الله تعالى أكثر الأنبياء عليهم السَّلام إلى بني إسرائيل لحاجتهم الدَّائمة إلى النُّبوَّة لكثرة انحرافاتهم وما وقع منهم من فساد على مرِّ العصور؛ قال تعالى: {وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَعَلَ فِيكُمۡ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكٗا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمۡ يُؤۡتِ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ} [المائدة: 20] وقال تعالى: {وَلَقَدۡ جَآءَكُمۡ يُوسُفُ مِن قَبۡلُ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا زِلۡتُمۡ فِي شَكّٖ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلۡتُمۡ لَن يَبۡعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِهِۦ رَسُولٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ مُّرۡتَابٌ} [غافر: 34] وفي الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبيٌّ خلفه نبيٌّ» متَّفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: (أحاديث الأنبياء ) باب: (ما ذُكر عن بني إسرائيل) برقم: (3455) ومسلم في صحيحه، كتاب: (الإمارة) باب: (الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء) برقم: (1842).
وبناءً على ما سبق فإنَّ إخوة يوسف عليه السَّلام ليسوا المعنيِّين بكلمة الأسباط الواردة في النُّصوص، وإنَّما المعنيُّ نسلهم وذرِّيَّتهم الذين تكوَّنت منهم القبائل والبطون، وما ورد في السِّياق من عطف الأسباط على الأنبياء عليهم السَّلام فهو على حذف مُضاف تقديره: (وأنبياء الأسباط) فيكون المعنى وجوب الإيمان بما أُنزل على الأنبياء المذكورين في الآية عليهم السَّلام ، وما نزل على أنبياء أسباط بني إسرائيل إجمالًا عليهم السَّلام ، وتفصيلًا في حقِّ من ذُكروا على طريقة ذكر الخاصِّ بعد العامِّ تنويهًا لشأنه ومكانته أو تحمُّله للأذى من قومه؛ قال ابن كثير الدِّمشقيُّ رحمه الله : "واعلم أنَّه لم يقم دليل على نبوَّة إخوة يوسف عليه السَّلام ، وظاهر هذا السِّياق يدلُّ على خلاف ذلك، ومن النَّاس من يزعم أنَّهم أُوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر، ويحتاج مُدَّعي ذلك إلى دليل، ولم يذكروا سوى قوله تعالى: {قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ} [البقرة: 136] وهذا فيه احتمال؛ لأنَّ بطون بني إسرائيل يُقال لهم: الأسباط، كما يُقال للعرب: قبائل، وللعجم: شعوب؛ يَذكر تعالى أنَّه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل عليه السَّلام ، فذكرهم إجمالًا لأنَّهم كثيرون، ولكنَّ كلَّ سبط من نسل رجل من إخوة يوسف عليه السَّلام ، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنَّهم أُوحي إليهم، والله أعلم" تفسير القرآن العظيم، لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشيِّ البصريِّ ثمَّ الدِّمشقيِّ، تح: سامي بن محمد السَّلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، القاهرة، ط: (2/1420ه=1999م)، (4/372).
ومن أدلَّة عدم نبوَّة إخوة يوسف اجتباء الله تعالى واصطفاء يعقوب من جملتهم؛ والاجتباء= اختيار للنُّبوَّة؛ قال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ يَجۡتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعۡقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيۡكَ مِن قَبۡلُ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} [يوسف: 6] فظاهر في الآية الكريمة أنَّ الله تعالى قد خصَّ يوسف عليه السَّلام بما لم يخصَّ به إخوته، وجاء ذلك ببيان إتمام النِّعمة كما أتمَّها الله تعالى لأجدَّيه إبراهيم عليه السَّلام = وهو جدُّ أبيه، وإسحاق عليه السَّلام = وهو جدُّه المباشر، ومعلوم أنَّ النِّعمة التي تمَّت لهم هي النُّبوَّة؛ فظهر اختصاصه بها دونهم.
ومنها كذلك اعتراف إخوة يوسف له بالفضل والمكانة والتَّفضيل الإلهيِّ؛ كما في قوله تعالى: {قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدۡ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَإِن كُنَّا لَخَٰطِـِٔينَ} [يوسف: 91] قال ابن كثير رحمه الله : "يقولون مُعترفين له بالفضل والأثرة عليهم في الخَلق والخُلق، والسَّعة والملك، والتَّصرُّف والنُّبوَّة أيضًا - على قول من لم يجعلهم أنبياء - وأقرُّوا له بأنَّهم أساءوا إليه وأخطئوا في حقِّه" - تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، (4/408) - وهذا الذي وقع منهم جاء بعد تفضيل أبيهم له عليهما السَّلام ؛ فكان يعقوب عليه السَّلام يُفضِّله عليهم ويُحبُّه أكثرَ من حبِّه لهم لأنَّه رأى فيه أماراتِ النُّبوَّة مُنذ صِباه من خِلال سُلوكه وأحواله وما وقع له مِن رؤيا أوَّلها على أن يكون نبيًّا مُرسَلًا، ولذلك سَعَوا لتحقيق هدفِهم عن طريقِ المخادعَةِ لأبيهم الَّذي كان يعرف تربُّصهم بيُوسفَ عليه السَّلام فقال: {قَالَ يَٰبُنَيَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡيَاكَ عَلَىٰٓ إِخۡوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيۡدًاۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٞ مُّبِينٞ} [يوسف: 5]
ومنها كذلك ما وقع منهم مع يوسف عليه السَّلام من إلقائه في البئر وحرمانه من أبيه، وحرمان أبيه منه عليهما السَّلام ، وهذا الماضي لا يصلح لبناء النُّبوَّة والاصطفاء للرِّسالة، فسلامة الماضي لم تتحقَّق لهم، فلم ينتفعوا بآثار النُّبوَّة التي تحقَّقت لآبائهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب عليهم السَّلام ، فقد تربوا في بيت النُّبوَّة لكنَّهم لم يرثوها في صفاتهم وطبائعهم، بل على العكس من ذلك سعوا لإيذاء أبيهم وأخيهم في سابقة لم تحصل في التَّاريخ قبلهم إلَّا بين ابني آدم عليه السَّلام حين سعى قابيل لقتل هابيل، وكان يوسف عليه السَّلام أولى بالنُّبوَّة منهم لسيره على منهج آبائه الأنبياء عليهم السَّلام .
(10) وقد ذكر الشيخ فكري ياسين كلامًا دقيقًا في التَّفرقة بين رمسيس الثَّاني وفرعون موسى، وهو ابن رمسيس؛ فقال: "ما كُتِبَ قديمًا وحديثًا يؤخَذ منه أنَّ موسى أدركَ عهدي مَلِكين من ملوك الأسرة التَّاسعة عشرة، يُقال للأوَّل منهما: (فرعون الاضطهاد) لأنَّه اضطهد بني إسرائيل، ويقال للثَّاني: (فرعون الخروج) لأنّهم خرجوا من مصر في عهده، وفرعون الاضطهاد هو رَمسيس الثَّاني المعروف باسم: (رمسيس الأكبر) وقد وُلِدَ موسى في زمنه وتَربَّي في قصره، وكانت آثارُه عظيمة أُعجِب بها مَن جَاؤوا بعده حتى سُمِّي عشرة منهم باسمه، وكان قد بلغه ما هو مشهور يؤمئذٍ أنَّ بني إسرائيل سيخرُج منهم غُلام يكون هلاك ملك مصر على يديه، فأمر بذبح أبنائهم كما نصَّ عليه القرآن الكريم. ومات بعد أن حكم 67 سنة، ودُفن بمقبرة: (بيبان الملوك) ثمَّ نُقل إلى الأقصر، ثُم إلى مُتحف بولاق، وأمَّا فرعون الخروج فهو: (مِنفتاح الأوَّل) الابن الثَّالث عشر لرمسيس الأكبر، وقد أشركه أبوه معه في الحكم قبل وفاته، وعاصر موسى عليه السَّلام وهو يتربَّى في بيت أبيه، وكان مُولَعًا بتشيِيد المباني كأبيه، وكان يمحو أسماء الملوك من الآثار لينقُش اسمه مكانها، وظلَّ على اضطهاد بني إسرائيل حتى أرسل الله إليه موسى وهارون لدعوة التَّوحيد والخروج ببني إسرائيل من مصر، وكانت النَّتيجة غرقه في البحر، وإنقاذ الله لجُثَّته ليصدِّق بنو إسرائيل أنَّه قد مات، ووجدت جُثَّته مع جُثثٍ أخرى في قَبر: (أمنحتب الثاني) بالأقصر، ثمَّ وضعت أخيرًا في المتحف" مقال نُشر بمجلة الأزهر، (10/303).