العلاج البعديُّ للإفراط في الشَّهوات
ثالثًا: إحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر.
فقد فضَّل الله تعالى الأمَّة الإسلاميَّة بالخيريَّة على الأمم الأخرى بسبب إقامتها لشعيرة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر؛ قال تعالى: {كُنتُمۡ خَيۡرَ أمَّة أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} [آل عمران: 110] فلا يزال المجتمع بخير ما صدع فيه الدُّعاة والصَّالحون بالتَّذكير بالمعروف، ومحاربة المنكر في كلِّ صوره وأشكاله؛ فإنَّ ذلك صِمام أمان، وسرُّ بقاء، وعامل قوَّة، وحائط سدٍّ أمام انتشار الفواحش في المجتمعات؛ فالأجيال الصَّاعدة تتغذَّى تربويًّا وأخلاقيًّا على ما يسود في المجتمع الضَّيِّق (الأسرة) والواسع (الدَّولة) من سلوكيَّات، وأفعال، وأقوال؛ فالإنسان ابن بيئته يؤثِّر فيها ويتأثَّر بها، من هُنا وجب إنكار المنكر على أهله؛ للإعذار إلى الله تعالى فلا يشيع الحرام في المجتمع؛ قال تعالى: {وَإِذۡ قَالَتۡ أمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 164] ولتصحيح مسار الأجيال الحاضرة والمستقبليَّة؛ فإنَّ التَّهاون في إنكار المنكر يُؤدِّي إلى ما هو أنكر، ويستمرُّ المنكر في التَّضخُّم والتَّمدُّد والظُّهور حتَّى يُغطِّي المجتمع كلَّه، حينها يتشابه المسلم مع غيره، فلا يستطيع النَّاظر أن يُفرِّق بين المجتمعات المسلمة وغير المسلمة لشدَّة الاتِّفاق على الحرام، حيث يُصبح المجتمع المسلم نسخة مكرَّرة من المجتمع الغربيِّ الآثم.
إنكار المنكر يسوق إلى الإصلاح
إنَّ من ثمرات إنكار المنكر في المجتمع إيقاظ الضَّمير الرَّاقد في قلب الأفراد، وإثبات حرمة الحرام، ممَّا يسوقهم إلى تعديل المسار بالتَّرك والتَّوبة والإقلاع، فكثير ممَّن يقع في الحرام يقع فيه بجهل منه، أو غفلة انتابته فأنساه الشَّيطان ذكر ربِّه، فتكثر الجرائم والمحرَّمات في المجتمع للجهل أو الغفلة، فيهلك المجتمع إذا لم يحصل الإنكار الَّذي يُمثِّل طَوق النَّجاة وحبل الإنقاذ الوحيد في هذه الأجواء المليئة بالمحرَّمات النَّاتجة عن جهل النَّاس وغفلتهم؛ فإنكار المنكر يقطع الطَّريق على سببي تفشِّيه، فيضرب الجهل بالعلم والحجَّة، ويضرب الغفلة بالتَّنبيه واليقظة، فينتج عن هذا إضعاف مؤشِّرات المنكر والحرام في المجتمعات، فلا سبيل لإعدامها، لكنَّ الإنكار يُضعفها ولا يمنعها، فبقاؤه في الأمَّة سبب عزَّة، وسرُّ شرف، ومكمن قوَّة، وبه يتوقَّف نزيف الحرام في المجتمعات.
إنكار المنكر قيام بواجب المسئوليَّة
لا يزال الإفراط في الشَّهوات ممَّا يؤرِّق الصَّالحين والعلماء في هذه الأمَّة الميمونة، فيحملهم على الإنكار والتَّبيين والتَّوجيه والإرشاد؛ للقيام بواجب المسئوليَّة الَّتي حملوها؛ قال تعالى: {وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ} [آل عمران: 187] ومن أبرز ما يُميِّز المجتمع المسلم حصول التَّواصل فيما بينهم بالإنكار لصور الحرام؛ فبذلك يترقَّى المجتمع ويسعد؛ وقال تعالى: {وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ} [التَّوبة: 71] فليس الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر مسئوليَّة العلماء، ومهمَّة الصَّالحين وفقط، بل يشترك فيها عموم النَّاس؛ وفي الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «بلِّغوا عنِّي ولو آية، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومَن كذب عليَّ مُتعمِّدًا فليتبوَّأ مقعده من النَّار» [1] وقال النَّبيُّ ﷺ أيضًا: «من رأى منكم منكرًا فليُغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» [2] فبيَّن الحديث الشَّريف أنَّ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر واجب على كلِّ مسلم على قدر ما آتاه الله تعالى من علم ومعرفة ودراية، وأنَّ المسلمين متَّفقون في وجوب ذلك، ومُتفاوتون في درجة العطاء على نحو ما لديهم، فكما يتفاوتون في الإيمان، يتفاوتون في التَّكاليف، وأكثر المسلمين بذلًا للدَّعوة والأمر والنَّهي علماؤهم، وهم المعنيُّون بقوله تعالى: {وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} [آل عمران: 104]
الأمر والإنكار سبيل التَّمكين
والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر من لوازم تحقيق التَّمكين في الأرض للدُّول والحكومات؛ فالواجب على النُّظم السِّياسيَّة الحاكمة في بلاد المسلمين أن تُعنى عنايةً فائقةً بإحياء هذه الشَّعيرة الإسلاميَّة المؤثِّرة في قوَّة المجتمعات أفرادًا، وحكومات، وساسة؛ فبها تقوى الأمَّة وتشتدُّ، وبدونها تهلك وترقُد، وبها يحصل التَّمكين المنشود؛ قال تعالى: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} [النور: 55] فكانت العبادة سرُّ التَّمكين والاستخلاف، ولا تتحقَّق هذه العبادة على الوجه الَّذي يُرضي الله تعالى إلَّا بالأمر بها، والنَّهي عن ضدِّها= الأمر بالمعروف (العبادة) والنَّهي عن المنكر (الشَّرك) فبهذان يتحقَّق التَّمكين، وبعد حصول التَّمكين تكون العناية بهذه الشَّعيرة من لوازم شكر النِّعمة الَّتي تؤدِّي إلى ثبوتها وترقِّيها؛ قال تعالى: {ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ} [الحج: 41] وهذه الأهمِّيَّة لشعيرة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر؛ لأنَّ بالأولى تحسُن العلاقة بالله، وبالثَّانية تعود الأمَّة إلى الله تعالى، فتستحقُّ النَّصر والتَّمكين؛ قال تعالى: ﵟيَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ} [محمد: 7] فرعاية الدُّول لهذه الشَّعيرة من أسباب قوَّتها وبقائها، وذلك من خلال دعم الدَّعوة والدُّعاة في المؤسَّسات الدِّينيَّة في بلاد الإسلام، بتوفير ما تحتاجه البيئة الدَّعويَّة من إطلاق يد المسئولين، وألسنة الدُّعاة الصَّادقين لتقديم واجب الدَّعوة إلى الحقِّ والطَّاعة، والتَّصدِّي للباطل والمعصية، وفتح الأبواب والنَّوافذ والمنابر الثَّابتة والمتحرِّكة، والعامَّة والخاصَّة، ليقف عليها الأيمَّة والوعَّاظ والدُّعاة ليُوجِّهوا خطابًا دعويًّا صادقًا يهدف إلى معالجة مظاهر وصور وآثار الإفراط في الشَّهوات الَّذي ظهر في الآونة الأخيرة بصورة فجَّة حتَّى طال كثيًرا من الأفراد والمؤسَّسات والمجتمعات، فإمداد المؤسَّسات الدِّينيَّة بما يُفرِّغ الدُّعاة والقادة للقيام بما يجب فعله في هذه المرحلة واجب الحكَّام والقادة؛ حتَّى لا يتفشَّى الحرام في دولهم، فتهلك كما أُبيدت دول وحضارات وممالك حين نخرت في عظامها المعصية فأسقطت كيانها، وأوجبت عقوبتها؛ قال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ} [هود: 102] وبيَّن الله تعالى أنَّ الاستمرار في المعصية حجود وإنكار لنِعم الله تعالى يستوجب سلب النِّعمة الحاصلة فقال سبحانه: {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ} [النحل: 112] فليحرص كلُّ من ولَّاه الله تعالى هذه المسئوليَّة الكبيرة أن يدعم الدَّعوة إلى الفضيلة ومحاربة الرَّذيلة؛ حفاظًا على دولته ومكانته.
طبيعة الصِّراع تقتضي العناية بالشَّعيرة
إنَّ الحياة الإنسانيَّة تقوم على صراع بين الحقِّ والباطل، وكلُّ فريق يُروِّج لبضاعته في أسواق الحياة؛ والغلبة لمن اتَّسعت له الأسواق، وبذل الجهد في الوصول إلى الجماهير، وحرص على إعداد بضاعته وترتيبها، وأحسن تقديم ما لديه للنَّاس بأسلوب يُناسبهم، ليظفر بحصد الثَّمرات من خلال إقناع الجماهير بما لديه من بضاعة، وهذا التَّنافس على أشُدِّه بين الفريقين؛ فكلٌّ منهما يسعى لهذا لاستقطاب الجماهير إلى فريقه، فإذا نشط أهل الحقِّ في بيان الحقِّ وإنكار الباطل حصلت السَّلامة والنَّجاة للمجتمع، وإذا تخلَّى أهل الحقِّ عن بيانه، وتوجيه النَّاس إليه، وإنكار الباطل وما تعلَّق به، اتَّسعت دائرة الباطل، وتنوَّعت صور الحرام، وكانت الجولة لأهل الباطل؛ لاستسلام أصحاب الحقِّ وانعدام صوت المواجهة؛ فالمواجهة تُضعِف قوَّة أثر الهجمات، لكنَّ انفراد أهل الباطل بالسَّاحة المجتمعيَّة يُؤدِّي إلى انهزام أهل الحقِّ، حيث يشيع الحرام، ويُروَّج للكذب والانحراف، وما انتشر باطل إلَّا على أنقاض حقٍّ، وما ارتفعت راية الباطل إلَّا لما نُكِّست راية الحقِّ، فطبيعة المعركة بين الفضيلة والرَّذيلة، والحقِّ والباطل، والكفر والإيمان لا تتحمَّل التَّقصير والإهمال والكسل، فإذا غاب المصلح عن المشهد بالأمر والنَّهي، وانفرد الآخر بتقرير الحرام وتمريره في المجتمع، كثر الحرام وتوغَّل في عظامه فأهلكه.
لولا الأمر والإنكار لضاع الحقُّ
إنَّ طبيعة المعركة الكونيَّة الشَّرعيَّة بين الحقِّ والباطل تُحتِّم على أهل الحقِّ أن يأخذوا بكلِّ وسيلة مُمكنة لنشر الحقِّ ورفع رايته، فالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر يكون بالدَّعوة العلميَّة من خلال اللِّسان عن طريق منصَّات الدَّعوة المختلفة: المنابر، والقنوات الفضائيَّة، ووسائل التَّواصل الحديثة، وفي المواقع المتنوِّعة كالمسجد، والبيت، والشَّارع، والمؤسَّسات الوظيفيَّة، وكذلك من خلال البَنان بكتابة المؤلَّفات، والمقالات، والنَّشرات، ونحو ذلك ممَّا يصل به العلماء إلى كافَّة شرائح المجتمع، وبكلِّ لسان ومنطق؛ {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيۡكُمۡ حُجَّةٌ إلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ} [البقرة: 150] وعليه يُوصَى المشتغلون بالدَّعوة إلى الله تعالى بالتَّسلُّح بسلاح العلم بمادَّة الحقِّ والباطل؛ ليتمكَّنوا من الرَّدِّ عن الحقِّ، ودحض الشُّبهات والشَّهوات، مع ضرورة تعلُّم المهارات الَّتي تقوِّي الحجَّة كالخطابة، واللُّغة، والتَّعمُّق في فهم الواقع، والإحاطة بعلوم الإقناع والمناظرة؛ فإنَّ أهل الباطل يُقاتلون ببسالة وتضحية على كلِّ صعيد من أجل نشر الغواية والضَّلالة والانحراف، فإذا لم يكن أهل الحقِّ على قدر الحدث والمسئوليَّة ضاع الحق في زمنهم، لكن الله تعالى يُسخِّر للحقِّ من يرفع رايته؛ قال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمنِّينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 54] وقال سبحانه: {إلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} [التَّوبة: 39] وقال جلَّ وعز: {هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تُدۡعَوۡنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبۡخَلُۖ وَمَن يَبۡخَلۡ فَإِنَّمَا يَبۡخَلُ عَن نَّفۡسِهِۦۚ وَٱللَّهُ ٱلۡغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُۚ وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم} [محمد: 38]
الأمر والإنكار دليل حياة المجتمعات
إنَّ انتصار الباطل على الحقِّ لا يكون أبدًا إلَّا حين يتخلَّى المجتمع عن نصرة الحقِّ بالأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر؛ لإعلاء راية الحقِّ، ونشر لواء الفضيلة، وهذه الجريمة الكبيرة تحصل حين يموت العلماء وتندثر آثارهم، فيخرج جيل لا يعرف معروفًا ولا يُنكر منكرًا، فيعمُّ الجهل، وتُضرَب الغفلة، وتتبدَّل الحقائق، وتنتكس الفطرة؛ وفي الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يَقبض العلم بقبض العلماء، حتَّى إذا لم يُبقِ عالـمًا، اتَّخذ النَّاس رءوسًا جُهَّالا، فسُئِلوا فأفتَوا بغير علم، فضلُّوا وأضلُّوا» [3]
أسباب انحدار المجتمعات
إنَّ سكوت العلماء عن الدِّفاع والمواجهة - طوعًا أو كَرهًا - يصل بالمجتمعات المسلمة إلى حالة من الانحراف والتَّراجع الإيمانيِّ والسُّلوكيِّ، وينحدر بسببها المجتمع إلى أسفل قاع التَّأخُّر والرَّجعيَّة في جميع شئون الحياة؛ ولذا شدَّد الله تعالى على من يُهملون في دعوتهم ويُقصِّرون في أداء واجبهم؛ فقال سبحانه وتعالى: {وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ} [آل عمران: 187] وفي الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من سُئل عن علم فكتمه، ألجمه اللَّه بلجام من نار» [4] وإذا كان سكوت العالم عن الأمر والإنكار ممَّا أُرغم عليه، فلم يسمح له القادة بالكلام والدَّعوة عن طريق فرض سياسات المنع الَّتي تتَّبعها بعض الحكومات عبر الأزمان والعصور؛ فالعالم المحاصر بين قبضتي الحكَّام وسدنة الظُّلم آخذٌ بالعزم في الإنكار مع الصَّبر والاعتصام بما تكفَّل بالعصمة فقال: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} [المائدة: 67] أو معذور في عدم البيان كرخصة تسعه، وتبقى الدَّعوة العامَّة في رقاب عموم النَّاس؛ لئلَّا يضيع الحقُّ وتندرس آثاره؛ فالدَّعوة إلى الفضيلة لا تحتاج إلى علم بقدر ما تحتاج إلى شعور بالمسئوليَّة تجاه الأمَّة والمجتمع، فإذا وُجد صاحب الهمِّ حاملُ المسئوليَّة انطلق لسانه بالدَّعوة إلى الله تعالى بما يتحقَّق به الأمر بالطَّاعة، والنَّهي عن المعصية، فكم رأينا في واقعنا من أُناس صالحين يُنكرون الحرام، ويوجِّهون إلى الطَّاعات، دون أن يكونوا من أصحاب العلم والرِّاوية، إنَّما حملهم حبُّ الدِّين، والغيرة على الحرمات، والنُّصح لله ورسوله فهذا حقٌّ على كلِّ مسلم؛ قال النَّبيُّ ﷺ: «الدِّين النَّصيحة» قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمَّة المسلمين وعامَّتهم» [5] فبذلك يستقيم النَّاس، وتُعالَج مظاهر وآثار الأفراط في الشَّهوات؛ فالنَّصيحة للآخرين بالأمر بالمعروف بمعروف، والنَّهي عن المنكر بغير منكر تُقوِّي روابط المحبَّة والمودَّة والإخاء بين النَّاصح والمنصوح، وتصنع جسورًا من التَّعاون بين أفراد المجتمع، فينتج عن ذلك استقامة الأفراد وصلاح المجتمعات.
التَّرك إقرار ورضاء
يُعدُّ جبن المجتمع عن قولة الحقِّ وتغيير المنكر جُرمًا عظيمًا في حقِّ كلِّ جيل، فسكوته الدَّالُّ على ضعفه دليل يستدلُّ به المغرضون على إقرار المجتمع ورضاه بما يجري في جنباته، وما أفلحت أمَّة ضاعت فيها شعيرة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر؛ فقد امتدح الله تعالى هذه الأمَّة الميمونة المباركة بقوله: {كُنتُمۡ خَيۡرَ أمَّة أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} [آل عمران: 110] وتخاذل المجتمع عن الإنكار سبب كافٍ لتعرُّضه لسخط وعقوبة جماعيَّة؛ قال تعالى: {وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} [الأنفال: 25] وعن زينب رضي الله عنها قالت يا رسول الله ﷺ: "أنهلك وفينا الصَّالحون؟" قال ﷺ: «نعم إذا كثُر الخَبث» [6] فبقاء هذه الشَّعيرة العظيمة صِمام أمان للأمَّة، فبها يفيق الغافل، ويتعلم الجاهل، وتشهد الأمَّة لدينها شهادة صادقة يتبعها عامل صالح يهدف إلى إصلاح ما فسد، وتدوير ما كسد، وإعادة الشَّريد، وتقريب البعيد، وإرشاد الحائر، وتوجيه السائر، حتَّى لا تقع العقوبة.
الخلاصة
وممَّا سبق يظهر بجلاء أهمِّيَّة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر في معالجة مظاهر الإفراط في الشَّهوات، وأنَّ هذه مهمَّة عُموم المسلمين، والتَّقصير فيها يفتح على الأمَّة كلِّها باب شرٍّ مُستطير؛ فإحياء هذه الشَّعيرة من شعائر الإسلام، وفيه صلاح الأفراد بالتَّذكير والتَّعليم، وتكاتُف النَّاس على إقامتها دليل صلاح واستقامة، ولا تزال طائفة صالحة تعمل على إعلاء رايتها، والقيام بها، لردِّ النَّاس إلى الله تعالى عن طريق دعوتهم إلى الحقِّ، وحجزهم عن الباطل، حتَّى يُقيموا الحجَّة، وتسلم ساحتهم من الكتمان والتَّقصير؛ قال تعالى: {وَإِذۡ قَالَتۡ أمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ١٦٤ فلمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦٓ أَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذۡنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابِۭ بَـِٔيسِۭ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ} [الأعراف: 164، 165]
(1) صحيح: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: (أحاديث الأنبياء) باب: (ما ذُكر عن بني إسرائيل) برقم: (3461) والترمذي في جامعه، أبواب: (العلم) باب: (ما جاء في الحديث عن بني إسرائيل) برقم: (2669).
(2) صحيح: أخرجه مسلم في صحيح، كتاب: (الإيمان) باب: (كون النَّهي عن المنكر من الإيمان) برقم: (49) وأبو داود في سننه، كتاب: (الصَّلاة) باب: (الخطبة) برقم: (1140) وكتاب: (الملاحم) باب: (الأمر والنهي) برقم: (4340) والنسائي في سننه، كتاب: (الإيمان وشرائعه) باب: (تفاضل أهل الإيمان) برقم: (5008) وابن ماجه في سننه، أبواب: (الفتن) باب: (الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر) برقم: (4013).
(3) متفق عليه: رواه البخاري في صحيحه، كتاب: (العلم) باب: (كيف يقبض م) برقـم: (100) وكتاب: (الاعتصام بالكتاب والسنة) باب: (ما يُذكر من ذم الرأي وتكلُّف القياس) برقم: (7307) ومسلم في صحيحه، كتـاب: (العلم) باب: (رفـع العلـم وقبـضـه وظهـور الجهل) برقم: (2673).
(4) صحيح: أخرجه أبو داود في سننه، كتاب: (العلم) باب: (كراهية منع العلم) برقم: (3658) والترمذي في جامعه، كتاب: (أبواب العلم) باب: (ما جاء في كتمان العلم) برقم: (2649) وابن ماجه في سننه، (افتتاح الكتاب في الإيمان، وفضائل الصحابة، والعلم) باب: (من سئل عن علم فكتمه) برقم (261).
(5) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (الإيمان) باب: (بيان أن الدين النصيحة) برقم: (55) أبو داود في سننه، كتاب: (الأدب) باب: (في النصيحة) برقم: (4944) والترمذي في جامعه، أبواب: (البر والصلة) باب: (ما جاء في النصيحة) برقم: (1926) والنسائي في سننه، كتاب: (البيعة) باب: (النصيحة للإمام) برقم: (4197) وما بعده.
ورواه البخاري في صحيحه، - معلَّقًا - كتاب: (الإيمان) باب: (قول النَّبيّ ﷺ: الدين النصيحة لله ولرسوله ﷺ ولأئمة المسلمين وعامتهم) وإنما رواه معلَّقًا مع صحته لأنه ليس على شرطه؛ قال ابن حجر: "هذا الحديث أورده المصنف هنا ترجمة باب، ولم يخرجه مسندًا في هذا الكتاب، لكونه على غير شرطه، ونبّه بإيراده على صلاحيته في الجملة" يُنظَر: فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، (1/137).
(6) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: (أحاديث الأنبياء) باب: (قصة يأجوج ومأجوج) برقم: (3346) ومسلم في صحيحه، كتاب: (الفتن وأشراط السَّاعة) باب: (اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج ومأجوج) برقم: (2880).