الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

العلاج البعديُّ للإفراط في الشَّهوات

ثانيًا: إقامة الحدود وتنظيف المجتمعات من مظاهر الإفراط.

إنَّ النَّفس البشريَّة مجبولة على الخوف من العقوبة، وقد جعل الله تعالى لعباده ما يُخوِّفهم به، كما جعل لهم ما يرغِّبهم به، فالعاصي يُخوَّف بالعقوبة، والمطيع يُرغَّب ببيان الأجر والمثوبة، ولأجل هذا شرع الله تعالى نظام العقوبات في الإسلام لحماية الفرد من نفسه بالطُّغيان والإسراف في المعصية، وحماية المجتمع من آثار ومظاهر الإفراط في الشَّهوة، فإنَّ الحدود المقرَّرة لا تهدف إلى الأذيَّة والتَّعذيب، إنَّما تسعى للتَّنقية والتَّأديب، وبها يمتاز المجتمع الإنسانيُّ المسلم عن مجتمع الغابة الَّذي تحكُم فيه القوَّة، فيكون التَّعدِّي على الضَّعيف مباحًا ومقبولًا، فيُستباح منه كلُّ شيء؛ لأنَّه لا يحكم مجتمعَ الغابة قانونٌ عادل حكيم يُقرِّر الحقوق والواجبات، ويفرض الإثابة للصَّالح، والعقوبة للطَّالح، أمَّا المرء في المجتمع المسلم الَّذي يسير على هدي السَّماء، ويتَّبع منهج الإسلام، فيعيش في أمان وسلام مع النَّفس ومع الآخرين؛ لأنَّ الإسلام يضمن له من الحقوق والواجبات ما يحفظ له حقَّه وحرمته وكرامته؛ ففي الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «بحسب امرئٍ من الشَّرِّ أن يحقر أخاه المسلم، ‌كلُّ ‌المسلم ‌على ‌المسلم ‌حرام، دمه، وماله، وعرضه» [1] فالمسلم يعيش في ظلِّ الإسلام سالـمًا في نفسه لا يتعدَّى حدوده؛ لأنَّه يُدرك أنَّ الحدود في الإسلام رادعة لا تسمح بالتَّعدِّي ولا التَّجاوز على الغير، وبالتَّالي يسلم ويسلم منه المجتمع.

تعطيل الحدود جالب للفتنة

إنَّ تعطيل الحدود في الإسلام يفتح بابًا عظيمًا من أبواب الفتنة على الأمَّة، حيث يأمن المجرم من المعاقبة القاسية الَّتي تردعه عن الحرام؛ فالعقوبات الأرضيَّة لا تكفي لمعالجة جموح الشَّهوة عند النَّاس، فلا يتمكَّن المجتمع من سَنِّ العقوبات الرَّادعة للنَّفس البشريَّة لأنَّه لم يُحط بها علمًا، ولا قِبل له بذلك؛ فتقف العقوبات الوضعيَّة في قانون العقوبات البشريَّة عاجزة عن فرض منظومة العقوبات الرَّادعة المعالجة للإفراط في الشَّهوة أمام الجرائم والتَّجاوزات الكثيرة والمتنوِّعة الَّتي يقوم بها النَّاس؛ لأنَّ التَّشريعات الأرضيَّة تنظر إلى الأمور نظرة جُزئيَّة مشوبة بالقصور والضَّعف عن إدراك ما يُصلح النُّفوس البشريَّة كلَّها، لأنَّها تكون في زمن من الأزمان، وعلى شريحة معيَّنة فقط، ويُقرُّها أفراد لهم مُيولهم وأهواؤهم الَّتي تُظهر عجزهم عن تشريع قانون عامٍّ يصلح للبشريَّة كلِّها من أوَّل زمنهم إلى آخر الأزمان، فطبيعة الإنسان قاصرة عن الإحاطة بكلِّ شيء؛ لذلك تخرج التَّشريعات الأرضيَّة قاصرة لا تَردع النَّفس البشريَّة، فمن النَّاس من يقدُم على فعل الجريمة مستخفًّا بالعقوبة الَّتي يراها أضعف من أن تحرِّك الخوف في قلبه من جزاء الإفراط في المعصية، وقد تكون العقوبات الأرضيَّة أقسى وأشدَّ من العقوبات السَّماوية الشَّرعيَّة، فيرتكب الجرائم المجتمعيَّة والأخلاقيَّة لأنَّه لا يجد في قانون العقوبات ما يردعه ويصرفه، فحين يُعاقَب القاتل والزَّاني والسَّارق بالحبس مدَّة يسيرة يستطيع الدِّفاع أن يقلِّصها بخبرته وفهم ثغرات القانون، فإنَّ الجرائم تكثر وتزاد وتنتشر بسبب ضعف العقوبات في مقابل قوَّة الجريمة.

العقوبات رادعة عن التَّمادي

إنَّ العقوبة في الإسلام تحمل في طيَّاتها سرَّ قوَّتها؛ فمعرفة العقوبة كفيل بحصول الرَّدع للمرء وإن لم يقع تحت طائلتها، لأنها تُحدِث علاجًا وقائيًّا في النَّفس فتحول بينه وبين فعل ما يُوجبها؛ لأنَّ الَّذي قرَّرها هو أحكم الحاكمين العالم بما يُصلح النَّفس البشريَّة وما يُفسدها؛ قال تعالى: {إلَّا يَعۡلَمُ ‌مَنۡ ‌خَلَقَ ‌وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ} [الملك: 14] وهو منزَّه عن النَّقص والقصور، متَّصف بالكمال والإحاطة والقدرة والعلم، فتشريع السَّماء أصلح لأهل الأرض من تشريع أهل الأرض لأنفسهم، لكنَّ جديَّة المجتمع المسلم في تنفيذ العقوبات المقرَّرة في الشَّريعة الإسلاميَّة هو الضَّمان الوحيد لاستقامة المجتمعات وحفظ أمنها واستقرارها؛ فالحدود كفيلة بزجر العاصي ودفع الطَّائع، كما أنَّها تمثِّل علاجًا وقائيًّا لمن لم يقع في المعصية، وتقذف في قلبه النُّفور منها لما يراه من شدَّتها وعِظم أثرها، وعلاجًا فعليًّا لمن وقع فيها؛ لأنَّه سيخاف من مقارفة المعصية مرَّة أخرى، حتَّى لا يقع تحت طائلة العقوبة، وهذا من شأنه أن يقضي على الجرائم الحالية والمستقبليَّة، فالعلاج الأمثل أن يتَّبع المجتمع حكم الله تعالى بتنفيذ ما ورد من عقوبة قاطعة رادعة لحفظ أمن الأفراد والمجتمعات.

دور الإسلام في الحدِّ من الجرائم

إنَّ المتتبِّع للجريمة على مرِّ العصور يُدرك أنَّها تقلُّ وتضعف في ظلِّ حكم الإسلام؛ لما يُحقِّقه في النُّفوس من إحياء قيم المراقبة والتَّقوى، ثمَّ الخوف من العقوبة عن طريق نظام العقوبة المحكم الَّذي لا يقبل الإفراط في الشَّهوة، ولا يسمح بتجاوز الحدود وانتهاك الحقوق، ولا يرضى بالوساطة والمحسوبيَّة، بل يفرض نِظامه على كلِّ النَّاس دون مجاملة أو محاباة، فمن أخطأ تحمَّل مسئوليَّة هذا الخطأ بتوقيع العقوبة المقرَّرة عليه، من قِبل السُّلطة المخوَّلة بذلك؛ فإنَّ الله تعالى يزع بالسُّلطان ما لا يزع بالقرآن؛ فتأثير الحاكم على محكومه حاصل بلا ريب؛ من هنا كان من واجبات السُّلطة الحاكمة عبر العصور أن تقنِّن حياة النَّاس وفق الأحكام الشَّرعيَّة بما يحفظ مصالح النَّاس عامَّة، وتتَّصف تلك التَّشريعات بالصَّرامة والعموميَّة؛ لتكون رادعًا لكلِّ من تُسوِّل له نفسه التَّعدِّي على حقوق الآخرين داخل القطر الَّذي يُحكم بالقوانين العادلة الَّتي لا تُحابي أحدًا على حساب أحد، بل ترى السُّلطة الحاكمة الجميع بمنظور واحد، لا فرق بين غنيٍّ وفقير فيها؛ فالخطأ لا يُقاس بمرتكبيه، ولا يعرف المساومات، فالكلِّ أمام سلطة الحقِّ وقوانينه سواء من حيث المحاسبة على الأفعال؛ ومجتمع تتحقَّق فيه العدالة بين أفراده بعيد عن كلِّ جريمة، ينعم بالأمن والأمان، وكلُّ فرد فيه يعرف حقوقه وواجباته، فإذا اختلَّ ميزان العدل فأصبحت المعاقبة على الخطأ مقرونة بالفقر، ونجا الغنيُّ بسطوته من المحاسبة؛ فالهلاك متحقِّق في هذا المجتمع بلا شكَّ؛ فعن عائشة رضي الله عنها أنَّ قريشًا أهمَّهم شأن المرأة المخزوميَّة الَّتي سرقت فقالوا: من يُكلِّم فيها رسول الله ﷺ؟ فقالوا: ومن يجترِئ عليه إلَّا أُسامة - حِبُّ رسول الله ﷺ - فكلَّمه أُسامة رضي الله عنه، فقال رسول الله : «أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟» ثمَّ قام فاختطب، فقال ﷺ: «أيُّها النَّاس، إنَّما أهلك الَّذين قبلكم أنَّهم كانوا إذا سرق فيهم الشَّريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضَّعيف أقاموا عليه الحدَّ، وايم الله لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» [2] قال أبو سُليمان الخطَّابيُّ رحمه الله: "القصد إنَّما كان في سياق هذا الحديث إلى إبطال الشَّفاعة في الحدود والتَّغليظ لمن رام تعطيلها" [3] فحريٌّ بالمجتمعات الَّتي تنشد الأمن والأمان في شئونها إلَّا تفرِّق بين أفرادها من حيث وجوب المؤاخذة لكلِّ من يُقارف الخطأ، فإنَّ الفساد يستشري ويتضاعف ويجد البيئة الخصبة حين تفرِّق القوانين بين قاتل من الفقراء يُحكم عليه بالإعدام، وبين قاتل من الأغنياء يُحكم عليه بالسَّجن المخفَّف أو البراءة مع كون التُّهمة ثبتت عليه بما لا يُمكن معه قبول الحكم، وهُنا يطغى الغنيُّ ويُفسد في الأرض؛ فيقتل، ويختلس، ويظلم، ويبطش، وفي النِّهاية ينيب عنه الدِّفاع الَّذي يعرف ثغرات القانون، أو يدفع من الرَّشاوى ما يُحوِّل العادل إلى ظالم غاشم، ويترتَّب على ذلك حصول فساد عريض في المجتمع، والله تعالى يقول: {هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ ‌جَٰدَلۡتُمۡ عَنۡهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا} [النِّساء: 109] من هنا وجب على اللِّجان التَّشريعيَّة والمعنيين بالسُّلطة التَّنفيذيَّة أن يعملوا على تعميم القانون على الجميع بلا وساطة أو مجاملة أو محاباة لأحد من الرَّعيَّة؛ فحينها يهدأ الفقير ويعلم أن حقَّه لن يضيع لكونه فقيرًا، فستعمل أجهزة الدَّولة على الاقتصاص من ظالمه وإن كان غنيًّا، وحينها يكفُّ الغنيُّ عن بطشه وظلمه؛ لأنَّه أيقن أنَّه أمام سلطة عادلة لن ترحمه من العقوبة لكونه غنيًّا، ويهدأ المجتمع، وينعم بالأمن والأمان، حيث يأمن فيه كلُّ فرد على نفسه، ويتيقن أنَّه لا ينبغي أن يعتدي على الآخرين؛ فالحرمات مُصانة، والحقوق مكفولة، والواجبات لا تهاون في فعلها، والحدود مقرَّرة وِفق ما ترتدع له النُّفوس.

الآثار الوخيمة لتعطيل الحدود

إنَّ تعطيل الحدود وتوقيف العمل بها ينمِّي في النَّفس الجرأة على المعصية، ويقوِّي حاجة المرء إلى إشباع شهوته مع تحمُّل العقوبة الوضعيَّة الَّتي يراها أخفَّ بكثير من العقوبة الشَّرعيَّة؛ فإنَّ العقوبات الأرضيَّة قد تضعها مجموعة من النَّاس بهدف إفساد المجتمع، وتسهيل المعصية والتَّجاوز من خلال تقرير العقوبات الخفيفة المترتِّبة على التَّجاوز في حقِّ الله تعالى والعباد، وتغليظ العقوبة على التَّجاوز في حقِّ الملك أو الحاكم أو السُّلطان، فيُحدث الأمر في نفس النَّاس شعورًا مقصودًا بالتَّقليل من شأن الشَّهوات والمحرَّمات، ويُضفي على الحاكم هالة من التَّحصين ضدَّ الاعتراض أو الخروج عليه، وبهذا تنتشر الفاحشة في المجتمعات.


(1) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (البرِّ والصِّلة والآداب) باب: (تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره) برقم: (2564) وأبو داود في سننه، كتاب: (الأدب) باب: (في الغيبة) برقم: (4882) والترمذي في جامعه، أبواب: (البرِّ والصِّلة) باب: (ما جاء في شفقة المسلم على المسلم) برقم: (1927) وابن ماجه في سننه، أبواب: (الفتن) باب: (حرمة دم المؤمن وماله) برقم: (3933).

(2) متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه كتاب (أحاديث الأنبياء) باب: (حديث الغار) برقم: (3475) ومسلم في صحيحه كتاب: (الحدود) باب: (قطع السَّارق الشَّريف وغيره) برقم: (168).      

(3) معالم السنن لأبي سليمان الخطَّابي، (3/309).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله