الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

الخلاف في اختلاف المطالع بين الفقهاء:

إنَّ مسألة اختلاف المطالع واتِّحادها مسألة خلافيَّة بين أهل العلم على ثلاثة أقوال:

الأوَّل: القول بأنَّ الهلال واحد لا يتعدَّد لاتِّحاد مطلعه، فإذا رؤي في بلد لزم أهل البلاد ما يلزم أهل البلد التي رأته، وقد تسهل رؤيته في مكان وتعسر في آخر، فمن رآه حجَّة على من لم يره، وبهذا تتَّحد البلاد في مطالع الهلال فيصومون معًا ويُفطرون معًا، وهذا قول جمهور الفقهاء من الأحناف والمالكية والحنابلة في قول عندهما.

الثَّاني: القول بتعدُّديَّة الأهلة تبعًا لاختلاف المطالع؛ فلكلِّ بلد مطلعها الخاصُّ الذي تتَّفق فيه مع مُجاوريها وتختلف مع مُباعديها، ويلزم على هذا أن تتحرَّى كلُّ بلد هلالها في مطلع كلِّ شهر لتحديد بدايات الشُّهور لما يترتَّب على ذلك من وجوب الصِّيام والحجِّ وغيره بدخول الشُّهور لرؤية الهلال، وهذا قول الشَّافعيَّة.

الثَّالث: القول بأنَّ اختلاف المطالع ليس على إطلاقه، فإنَّ أهل كلِّ منطقة فلكيَّة يتَّحدُّون في المطالع؛ كمطلع الحجاز، ومصر، والشَّام، والعراق، وخراسان، وعليه يكفي أن يرى الهلال أهل بلد من جملة البلاد المتَّحدة في المطلع؛ فإذا وجد الإنسان في بلد غير مسلم لا يُعنى بتحديد مطالع الشُّهور القمريَّة فإنَّه يُوافق أقرب البلاد المسلمة إليه، وهذا قول عند المالكيَّة؛ قال ابن عبدالبرِّ - رحمه الله -: "وأجمعوا على عدم لحوق حكم رؤية ما بُعد كالأندلس من خراسان" - مواهب الجليل (2/ 384) - وقال النَّوويُّ - رحمه الله -: "إذا رُئي هلال رمضان في بلد، ولم يُر في الآخر، فإن تقارب البلدان، فحكمها حكم البلد الواحد، وإن تباعدا، فوجهان؛ أصحُّهما: لا يجب الصَّوم على أهل البلد الآخر" - روضة الطَّالبين، للنوويِّ (2/ 384) -

الخلاف في ضابط اتِّحاد المطالع بين الفقهاء:

وضابط اتِّحاد المطالع على هذا القول الثَّالث مختلف فيه أيضًا:

أ - أنَّ كلَّ بلد اجتمعت مع الأخرى في جزء من اللَّيل اتَّحد مطلعها لإمكانيَّة رؤية الهلال.

ب - أنَّ كلَّ بلدين وقعت بينهما مسافة تُقدَّر 2226كم وهي المسافة المقدَّرة بين المدينة والشَّام في حديث كريب وسيأتي بيانه.

ويُقرِّر الفلكيُّون أنَّ خطًّا يمثِّل كافَّة الأماكن التي تشترك - في سبق غيرها - في رؤية الهلال بُعَيد ولادته، فتتمكن من رؤيته في ساعة واحدة إبَّان أول ظهور له بعد انمحاقه، ولا يُشترط أن تتطابق مواقع هذه الأماكن مع أحد خطوط الطُّول الجغرافيَّة على الأرض، وبسبب دوران الأرض حول نفسها باتِّجاه الغرب تتمكَّن الجهات الواقعة غرب هذا الخطِّ المفترِض من أن تشاهد الهلال الجديد، إلا لعارض خارجيٍّ يتعلَّق بالجوِّ، أو لعارض داخليٍّ يتعلَّق بالرَّاصد، بخلاف الجهات الواقعة إلى الشَّرق من هذا الخطِّ... فالشَّمس والقمر وسائر الكواكب إذا طلعت على بلد واقع على أحد خطوط الطُّول - ممتدًّا من الشَّمال إلى الجنوب - كانت مشرقة على جميع البلدان الواقعة على هذا الخطِّ، ولا اختلاف بين أهل الأرض قاطبة في رؤية الهلال إلا بليلة واحدة فقط؛ لأنَّ الهلال إذا ظهر في بلدة ولم يظهر فيما قبلها، فإنَّه يُتمُّ دورته بعد أربع وعشرين ساعة، فيراه جميع سكَّان المعمورة. - المطالع وتوحيد المناسبات الإسلاميَّة، د. محمد جبر الألفيِّ ص: (5 - 10) -.

الرَّاجح في المسألة:

وبناءً على ما سبق: اختلفت كلمة العلماء وتعدَّدت آراؤهم في لزوم الصِّيام والوقوف بعرفة على مطلع أمِّ القرى مكَّة لمن هو خارجها، فقال قوم بلزوم ذلك، وقال آخرون بأنَّه لا يلزم، وعلى كلِّ بلد تحرِّي هلالها، فإن وافقت أمَّ القرى فالالتزام به لا من ناحية الاتِّباع والتَّقليد بل لتحقُّق رؤية الهلال فيها، وإن خالفت أمَّ القرى فيه تقدُّمًا أو تأخُّرًا كان لها ذلك؛ ولأجل هذا نرى بعض البلاد تبدأ رمضان أو تعيِّن يوم عرفة وتخالفها بلاد أخرى بتقدُّم أو تأخُّر.

والراجح من أقوال العلماء: الإقرار باختلاف المطالع، وأنَّ كلَّ بلد يلزمها أن تتحرَّى الهلال في زمن ولادته بما يمكِّنها من رؤيته بالعين المجرَّدة أو وسائل المراقبة الحديثة؛ فإذا تحقَّقت لهم رؤيته صاموا، وإلَّا أفطروا؛ قال الله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] وفي الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا" وعند مسلم في صحيحه من حديث كُريب مولى ابن عباس أنَّ أمَّ الفضل بنت الحارث بعثته في حاجة إلى معاوية بالشَّام، قال: فقدمت الشَّام فقضيت حاجتها واستهلَّ عليَّ رمضان وأنا بالشَّام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثمَّ قدمت المدينة في آخر الشَّهر فسألني عبدالله بن عبَّاس ثمَّ ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه يوم الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه النَّاس وصاموا وصام معاوية. فقال: لكنَّا رأيناه ليلة السَّبت، فلا نزال نصوم حتى نُكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: فلا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ.

وبناءً على ما سبق جرى العمل؛ فكلُّ بلد تُطالع هلالها وتقرِّر بناءً على ما يتحقَّق لهم من الرؤية أو العدم؛ وهذا واقع في أمرين:

1 - مطالع الأهلة ومغاربها المحدِّدة لبدايات الشُّهور ونهايتها، بناءً على حركة الأرض بدورانها حول الشِّمس والتي تتحدَّد الشُّهور والفصول من خلالها، ويتعيَّن وقت دخول الشَّهر وخروجه.

2 - مطالع الشُّروق والغروب المحدِّدة لبداية اللَّيل والنَّهار فمن خلالهما يتعيَّن بدء وقت الصَّوم والإفطار، وتتحدَّد أوقات الصَّلوات المكتوبات، وهذا ما يُفسِّر اختلاف التَّوقيت في البلاد، وهو ما يُعرف بالتَّوقيت المحلِّيِّ.

وقد ظهر من خلال ما سبق بيانه أنَّ المسألة خلافيَّة بين أهل العلم، ورأي الحاكم رافع للخلاف، فإذا تبنَّت البلد - بمؤسَّساتها من خلال حاكمها أو من يُنيبه في الفتوى ومسائل الشَّريعة - رأيًا من الرَّأيين زال الخلاف في تلك البلد ولزم المسلمين فيها قول واحد، وهو ما عيَّنه الحاكم؛ لئلَّا يقع الخلاف بين أبناء البلد الواحد.

خلاصة الخلاف في المسألة بين الفقهاء:

إنَّ الأمَّة الإسلاميَّة كدول وبلاد ومواقع لا يلزمها تقليد مكَّة في تحديد شهر بعينه ولو كان شهر الحجِّ الأكبر؛ لاختلاف العلماء في المسألة الاجتهاديَّة التي عليها مدار الأمر، وهي: اختلاف المطالع بين معتبر وغير معتبر - وإن كانوا قد اتَّفقوا على حصول اختلاف المطالع، لكنَّهم اختلفوا في اعتباره سببًا شرعيًّا تنبني عليه اعتماد رؤية الهلال في بلد واحد يلزم الجميع أم لا - لكنَّ الحجَّاج من أفراد الأمَّة الإسلاميَّة يلزمهم موافقة مطلع مكَّة؛ لأنَّ ركن الحجِّ الأعظم لا يتحدَّد زمنه إلَّا في مكانه وموقعه؛ فهلال مكَّة ملزم للحجيج كونهم فيها وقت أداء النُّسك.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله