موضوع علم التَّجويد
المبدأ الثَّاني: موضوعه: يُعنى به المسائل التي يحويها هذا العلم ويتحدَّث فيها ويبحثها، وموضوع علم التَّجويد هو الآيات القرآنيَّة من ناحية إجادة الأداء اللَّفظيِّ، فهو يعنـى بالبحث في آيات وكلمات القرآن العظيم لضبط الأداء على النَّحو المتلقَّى من في رسول الله ﷺ.
فائدة: وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الحديث الشَّريف يدخل ضمن موضوع علم التَّجويد؛ باعتبار كونه من الوحي المعنويِّ، والرَّاجح عدم دخول النَّصِّ النَّبويِّ الشَّريف ضمن موضوع علم التَّجويد؛ للتَّفرقة بين ما هو قرآن، وما ليس بقرآن.
ثمرة علم التَّجويد
المبدأ الثَّالث والرَّابع: ثمرته وفضله: اعلم أنَّ علم التَّجويد من أفضل العلوم الدِّينيَّة؛ لتعلُّقه بكلام ربِّ البريَّـة، وكلُّ ما تعلَّق بالملك الرَّحمن؛ يكون له من الشَّرف أعلى مكان؛ فهو علم يساعد في بناء شخصيَّة طالب القرآن العلميَّة، فهو طريق مـن طـرق الإتقان، وسبيل مـن سبل التَّأكيد، وبه يُقاس إتقان المتقنين، ويُقدَّم من أتقنه على مَن أهمله، ويكمن فضله في تعلُّق طالبه بالقرآن الكريم دائمًا عن طريق التِّلاوة، والتَّرتيل، وهذا أمر قد يصل بالقارئ إلى الثَّمرة المرجوَّة من القرآن ألَّا وهي تدبُّر المعاني بعد إتقان المباني، وهذا غاية ما يتمنَّاه المؤمن؛ لأنَّه يسـوقه إلى العمل الصَّالح بعد العلم النَّافع، فهـو من العلوم النَّافعة التي يستفيـد منها الدَّارس، فلا يضيع الوقت المبذول في تعلُّمه والبحث العميق عن مكنوناته، كما أنَّ المنشغل به منشغل بالحقِّ، وهذا فضل عظيم، وخير عميم؛ فالنَّفس إن لم تشغلها بالحقِّ شغلتك بغيره.
ويُمكن اختصار الفائدة العائدة على دارس هذا العلم في نِقاط:
1 - التَّعلُّق والارتباط بعلم متعلِّق بالقرآن الكريم.
2 - صون اللِّسان عن الخطأ في تلاوة القرآن الكريم ممَّا يسهِّل الاستفادة من الرَّسائل القرآنيَّة؛ فالتِّلاوة الصَّحيحة سبب عظيم في التَّدبُّر، والفهم الذي يسوق إلى العمل الذي به يفوز المرء في الدَّارين الدُّنيا والآخرة.
3 - المساهمة في حفظ القرآن الكريم بإتقان الأداء الصَّحيح.
4 - السَّير في طريق سار فيه العلماء والصَّالحون من أبناء كلِّ جيل.
5 - رفع الحرج عن الأمَّة بتعلُّم فرض الكفاية؛ لإسقاط الإثم عنهم.
6 - تحصيل الفائدة العظمى التي كانت سببًا في التَّأليف في هذا العلم؛ فقد كان حِفاظًا على القرآن الكريم من أن يقع اللَّحن في كلماته، وتيسيرًا لحفظة كتاب الله عزَّ وجلَّ، وهو من علوم القرآن التي تخدمه وتحافظ عليه وتُبرز كثيرًا من وُجوه إعجازه.
نسبة علم التَّجويد
المبدأ الخامس: نسبته: اعلم أنَّ المراد عزو العلم إلى نوع من نوعين:
الأوَّل: العلوم الدِّينيَّة: وهي العلوم التي تبحث في مسائل الدِّين وتُعنى بها، أو بمعنى آخر: هي كلُّ ما تعلَّق بالقـرآن أو السُّنَّة مـن حيث الشَّرح أو الاستنباط؛ وهو العلم المحمود شرعًا وعرفًا، وجميـع الآيات الواردة في فضل العلم في القرآن والسُّنَّة النَّبويَّة إنَّما يُراد بها العلوم الشَّرعيَّة التي تردُّ النَّاس إلى الله تعالى، وتربط الأرض منبع الشَّرِّ والضَّلال بالسَّماء منبع الخير والهدى، والعالم بها أفضل عنـد الله تعالى من العالم بغيرها وإن حسُنت نيَّته؛ وذلك لاستوائهما في حسن النِّيَّة وتميُّز الأوَّل بالعلوم الدِّينيَّة، ولن يخلو زمن من قائم لله تعالى بحجَّـة، ولن يُحرَم الزَّمان من هؤلاء الأكابر حاملي الخير للبشريَّة، ولكنَّهم قد يقلُّون، وقلَّتهم نذير سوء على الأمَّة؛ قال النَّبيُّ : «إنَّ الله لا يقبض العلم انتِزاعًا ينتزِعُه مِن العِباد، ولكن يقبض العِلم بقبض العُلماء، حتَّى إذا لم يُبقِ عالـمًا، اتَّخذ النَّاس رُؤوسًا جُهَّالًا، فسُئِلوا فأفتَوا بغير عِلم، فضلُّوا وأضلُّوا» [1]
الثَّاني: العلوم الدُّنيويَّة: وهي العلوم التي تبحث في المسائل التي تتعلَّق بحياة النَّاس وتقدُّمهم فـي معيشتهم، وإنَّما يثاب المرء عليها إن كانت صالحة وابتغي بها وجـه الله عزَّ وجلَّ، فحكمها - كما يقرِّر العلماء - بحسب ما تكون وسيلة إليه؛ فقد يبرع المرء في علم من هذه العلوم لكنَّه لا يحسن أن يستخدمه في غير نفع المسلمين، فيدخل النَّار بسببه إن هـو مات ولم يتب من غيِّه وإلحاقه الضَّرر بالمسلمين، وقد يُكرم الله تعالى عبدًا من عباده بتعلُّم علم من هذه العلوم ويرزقه الفقه في ترشيده، فيوجِّهه لنفع المسلمين، فيكون سببًا في دخوله الجنَّة، فليست علوم الدُّنيا مطلوبـة لذاتها أو ممنوعة لذاتها، وإنَّما تكون ممنوعة إذا كان في تعلُّمها معصية لله، كتعلُّم العلوم الكفريَّة أو كان في تعلُّمها إضرار بالفرد أو الجماعة، كتعلُّم ما يتكبَّر المـرء به على النَّاس، أو تعلُّم العلوم الذَّرِّيَّـة التي يستخدمها صاحبها في صنـع ما يُدمِّر ويُفني المجتمعات البريئة وإن كانت كـافرة؛ فـإنَّ الإسلام يحمي أتباعه وأتباع الدِّيانات الأخرى على الرَّغـم من الاعتراف ببطلانها وضـلالها، لكن ليس معنـى البطلان ألَّا يأخذ المرء حقَّه لأنَّه متَّبـع لديـن باطل، وأمَّا إذا كانت الأمَّة في حاجة إلى هذه العلوم، فيجب تعلُّمه على سبيل فرض الكفاية: أي إن تعلَّمه ما يكفي سقط عن الباقين، وتأثم الأمَّة جميعها إن توانت عن تحصيله، فالله المستعان.
والخلاصة: أنَّ علم التَّجويد من العلوم الدِّينيَّة؛ لتعلُّقه بكلام ربِّ البريَّة، ويمـدح الإنسان بتعلُّمه وتعليمه، فليجتهد المرء في تحصيله فإنَّه من العلوم العزيزة النَّادرة في هذه الأزمان؛ لقلَّة الحفَّاظ وكثرة من يزعم ذلك من المتعالمين الذين تصدَّروا قبل أن يترأَّسوا، وتعالموا قبل أن يتعلَّموا.
(1) متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (العلم) باب: (كيف يقبض العلم) برقـم: (100) وكتاب: (الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة) باب: (ما يُذكر من ذمِّ الرَّأي وتكلُّف القياس) برقم: (7307) ومسلم في صحيحه، كتـاب: (العلـم) باب: (رفـع العلـم وقبـضـه وظهـور الجهل) برقم: (2673).