الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

الفرق بين التَّحكيم والقضاء والصَّلح والإفتاء

     إن التحكيم لا يختلف عن القضاء في المعنى اللغوي، فالمحكّم قاض ٍ، والقاضي محكّم، وليس الأمر كذلك فـي الاصطلاح إذ يفتـرقان؛ قال صاحب البحر الرائق: وأما فـي الاصطلاح: فهو تولية الخصمين حاكما يحكم بينهما.

وفي مجلة الأحكام العدلية: التحكيم عبـارة عن اتخاذ الخصمين حاكما  برضاهما لفصل خصومتهما ودعواهما.فهـو عند الفقهاء دون مرتبة القضاء إذ يتولـى طلبه من الغير الخصوم أنفسهم وليس السلطان أو من يقوم مقامه من أصحاب الولاية على الناس كما هو الحال في القضاء.

وقد نحى القانون المدنيّ والتجاري ّ منحى الفقه في تعريف التّحكيم فعرّفه بقوله: هو نظام لتسوية المنازعات عن طريق أفراد عاديين يختارهم الخصوم إما مباشرة أو عن طريق وسيلة أخرى يرتضونها.أو هو مكنة أطراف النزاع بإقصاء منازعتهم عن الخضوع لقضاء المحاكم المخول لها طبق القانون، كيما تُحل عن طريق أشخاص يختارونهم.

أما الفرق بين التحكيم والقضاء فهو أن ولاية القاضي عامة، فينظر في جميع القضايا التي تعرض عليه، بينما ولاية المحكم مقصورة على قضية المتخاصمين الذين رضوا بأن يحكم في تلك القضية المعروضة حصراً ولاتتعدى سلطاته إلى قضية أخرى.

والتحكيم مـن الولايات فهو نوع من القضاء لما فيه من فصل الخصومة، وبيان الحكم الشرعي، ولذلك يذكر الفقهاء التحكيم والحكم في باب القضاة أو القضاء، فيتفقان في الإلزام بحكمهما إلا أن القضاء بمثابة الأصل، والتحكيم بمحل الفرع منه، فـرتبته أقـل وأدنى ولذا اختلف القضاء عن التحكيم في أمور أهمها:

1 ـ موضوع القضاء في الخصومات مطلقا، وفـي كل ما يعـرض عليه، وحكم المحكم لا يصح في الحدود والقصاص والدية على العاقلة.

2 ـ ولاية القضاء عامة على الناس، فولايته من ولي الأمر، ومعين من قبله، فعمله من المناصب والولايات، وولاية المحكم خاصـة فيمن ارتضاه مـن المتخاصمين فولايته مستفادة من آحاد الناس، وهي شعبة مــن القضاء متعلقة بالأموال دون الحدود واللعان والقصاص، قال الشافعي: "التحكيم إنما هو فتوى؛ لأنه لا يقدم آحاد الناس الولاة والحكام فينفـذ حكم القاضـي على العامـة، وينفذ حكم المحكمين على من رضي بحكمهما".

3 ـ حكم المحكم يصح فيما يملك المحكمون فعله بأنفسهم، وهي حقوق العباد، ولا يصح فـي حقوق الله  كما يجوز تحكيم اثنين أو أكثـر، ولا بد حينئذ مـن اجتماعهم، فلو حكم أحدهم دون غيره لا يجوز لأن المحكمين رضيا برأيهما أو رأيهم، بخلاف القضاء.

4 ـ شروط القضاة يضعها ولي الأمر كما قررها الفقهاء، بينما شروط المحكم يضعها المتخاصمون مع مراعاة بعض الشروط التي يتفق فيها مع شروط القاضي.

5 ـ يجوز للمتخاصمين أن يوقفوا التحكيم قبل الشروع فيه أو قبل صدور الحكم ـ على خلاف فيه ـ كما أن لهما أن يعزلا المحكم، بخلاف القضاء.

الفرق بين الصلح والتحكيم

وأما الصلح فيختلف عن التحكيم حيث إن الصلح يتم بين الخصوم أنفسهم أو من ينوب عنهم، أما التحكيم فإن المحكم يقوم فيه بمهمة القاضي فيصدر قراره سواء رضوا أم لا.

الفرق بين الإفتاء والتحكيم

وأما الفرق بين التحكيم والإفتاء: فالتحكيم وإن اتفق مع الإفتاء فـي الإخبار عن الحكم الشرعي في الواقعة ـ محل النزاع أو محل السؤال ـ إلا أن التحكيم ألصق بالقضاء؛ لصفة الإلزام عند جمهور الفقهاء، وليس كذلك صفة الإفتاء، ولذا اختلف عن التحكيم في جوانب جوهرية، فاشترط كثير من الفقهاء في المحكم ما يشترط فـي القاضي دون اشتراط ذلك فـي المفتي، فالمفتي يخبر عن حكم الواقعة محل السؤال، والقاضي والمحكم ملزم ومنشئ للحكم في الواقعة ـ محل النزاع ـ، والتحكيم محدد في مسائل من النزاع والخصومة وغيرها؛ قال ابن فرحون: "العبادات لا يدخلها الحكم بل الفتيا فقط" وبمثل ذلك قال القرافيُّ وزاد قوله: "فكل ما وجد فيها من الإخبارات فهي فتيا فقط، فليس لحاكم أن يحكـم بأن هذه الصلاة صحيحة أو باطلة" وقد عدد القرافي مسائل من باب الفتوى وأخرى من الحكم.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله