الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

التَّحكيم بين النَّاس الأهمِّيَّة والتَّعريف

الحمد لله رب العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف المرسلين.

وبعد: فلما كان الناس يحيون معا في بيئة واحدة ويحتاج بعضهم إلى بعض في الأمور الحياتية نتج عن ذلك الاختلاط فيما بينهم، ونظرا لأن كثيرا من الخلطاء يبغـي بعضهم على بعض فقد تحدث بعض الخلافات التي تستوجب أن يتدخل المختصون من القضاة ـ الذين أنيط بهم تحقيق العدل بين الناس ـ لحسم مادة النزاع، ورفع الخلاف الواقع بينهم، لكن لما أثقل كاهل القضاة بالقضايا لكثرة الخلافـات، وفساد الذمم عند الكثيرين، احتجنا إلـى هيئة أخرى تحل محل الهيئة القضائية وتعمل عملها وتكـون نافذة الحكم، فكان هذا في تحكيم أهل الصلاح والفضل، مع العلم أن الخلافات بين الناس قد اتسعت حتى ملأت كافة شئون الحياة فمن ذلك:

1- الشأن الأسري المتعلق بالبيت المسلم فقد ظهرت على ساحة البيوت المسلمة كثير من المشاكل كالتفكك الأسرى بين الزوج والزوجة وتشريد الأولاد الصِّغار وحرمانهم من تربية الأب وعاطفة الأم، وزيادة نسبة الطلاق والخلع.

2- الشأن الاجتماعي المتعلق بالمجتمع وأفـراده كالتفكك الاجتماعيِّ على مستوى البيت، والحيِّ، والقرية، والمدينة، والوطن وانتشار الحقد والكراهية والبغضاء والنشوز والإعراض بين الناس وربما يقود في بعض الأحيان إلى الاعتداء على الأنفس والأعراض والأموال وزيادة خلافات الميراث وما ينجم عن ذلك من فتور وتهتك العلاقات بين الورثة ونحو ذلك.

3- الشأن الاقتصادي المتعلق بشأن التجارة والصناعة والزراعة كزيادة الخلافات المالية والتجارية ونحوها بين رجال الأعمال بعضهم البعض ورفع الأمور إلى القضاء ثم خبراء وزارة العدل، وطول أمد حسمها مما يترتب عليه نفقات باهظة وضياع العديد من حقوق الناس.

4- الشأن الثقافي والسياسي كالصراع بين الأحزاب والجماعات السياسية بسبب الخلافـات بين المذاهب والأفكار، مما يقود إلى التشهير والتجريح، وتحول الأمور من اختلاف المفاهيم والآراء والثقافات إلى صراع وتعصب، وتحول المجتمع إلى فرق متحاربة، ونسيان الغاية الأساسية من تأسيسها وهي حب ومصلحة الوطن، ووجوب التعاون والتضامن والتآلف باعتبار الجميع أمة واحدة ولها غاية واحدة.

ولك أن تعجب إذا علمت أن داخل الأحزاب والجماعات السياسية لم تخل في دواخلها من الخلافات الجوهرية التي تقود إلى الأنانية والمصلحة الشخصية، وقد يقود ذلك إلى النزاع والضعف والتفكك والفشل والتصفية؛ قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ[الأنفال: 46].

ولما عجز القضاء الرسمي عن سرعة البت في كل هذه المشكلات، وإعطاء كل ذي حق حقه بالعدل؛ لكثرة القضايا وقلة القضاة الرسميين، مع ضمور نظام الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والتضييق على رجال الدعوة والإصلاح بين الناس، ظهرت الحاجة الماسة إلى تحكيم أهل الفضل والعلم من المصلحين فيما يعرض من نزاعات بين الأفراد، وهم يقومون بدورهم في البت في هذه النزاعات بما يقتضيه العدل؛ لتقوية الروابط المجتمعية، وتفعيل روح الأخوة الإيمانية، وبعث الثقة في المعاملات الإنسانية.

التحكيم لغة واصطلاحًا:

1 ـ التعريف اللغوي: فالتحكيم في اللغة مصدر ٌ للفعل (حكم) بمعنى قضى، والحُكم: القضاء، ويقال: حكم بينهم يحكُم ـ بالضم ـ حُكما، و حكم له، وحكم عليه، و حكّمـه فـي ماله تحكيماً: إذا جعل إليه الحكم فيه فاحتكم عليه في ذلك، واحتكموا إلـى الحاكم و تحاكموا بمعنى، والمحاكمة: المخاصمة إلى الحاكم. [1] وقال ابن فارس: "الحاء والكاف والميم أصل واحد، وهو المنع، وأوَّل ذلك الحكم، وهو المنع من الظُّلم، وسمِّيت حكمة الدَّابَّة لأنَّها تمنعها، يقال: حكمت الدَّابَّة وأحكمتها، ويقال: حكمت السَّفيه وأحكمته، إذا أخذت على يديه؛ قال جرير:

أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحكِمُـــوا سُفَهَاءَكُم  إِنِّي أَخَــــافُ عَلَيكُمُ أَن أَغضَبَــا

والحكمـة هذا قياسها، لأنها تمنع مـن الجهل، وتقول: حكمت فلانا تحكيما؛ منعته عما يريد، وحكم فلان إذا جعل أمره إليه، والمحكم المجرب المنسوب إلى الحكمة؛ قال طرفة: [2]

لَيتَ المُحَكَّمَ وَالمَوعُــوظَ صَوتُكُمَا تَحتَ التُّرَابِ إِذَا مَا البَاطِلُ انكَشَفَا

وقال الفيروز آبادي: الحكم بالضم القضاء، والجمـع أحكام، وقد حكم عليه بالأمر حكمًا وحكومة، والحاكم منفِّذ الحكم كالحكم محرِّكة، والجمع حكَّام، وحاكمه إلى الحاكم دعاه وخاصمه، وحكَّمه في الأمر تحكيمًا أمره أن يحكم فاحتكم، وتحكَّم جاز فيه حكمه، والاسم الأحكـومة والحكومة، وتحكَّم الحروريَّة قولهم: لا حكم إلَّا لله، والحكمان ـ محرِّكة ـ أبو موسى الأشعري، وعمرو بن العاص رضي الله عنهما. [3]

من خلال ما سبق يمكننا أن نقول: إَّن التَّحكيم في اللُّغة هو جعل الحكم فيما لك لغيرك، فاستُخدم معنى التَّفويض لغةً فيه؛ قال الباحث علي حيدر في الأحكام العدلية: التحكيمُ لغة: تفويض الحكم لشخص.

2 ـ التعريف الاصطلاحي: وهو الذي يبحث في معنى اللفظ عند أهل التخصص، وهو في الاصطلاح يُعنى به: اتخاذ الخصمين حاكمًا برضاهما؛ لفصل خصومتهما ودعواها. [4] فالتحكيم هو وسيلة من وسائل فض المنازعات ويعني: اتفاقا بين الخصمين على اختيار من يوثق في دينه وأمانته لتكليفه وديا بمهمة الفصل بينهما فـي سبب النزاع، مع التزام الطرفين بتنفيذ الحكم من غير تدخل لمؤسسات الدولة، فهو جهة قضاء خاص نظمها القانون.

ومن حيث مفهوم التحكيم فهو ضرب من القضاء الخاص يقوم على مبدأ سلطان الإرادة: أي أن أطراف النزاع تتفق فيما بينها على اللجوء إلى التحكيم في حل خلافاتها ومنازعاتها التي قد تحصل أو حصلت، وهو تخل من المتعاقدين أو الخصوم عن حقهم في اللجوء إلى القضاء الرسمي في بلدهم واعتمادهم التحكيم كسبيل لحل الخلاف بينهم.

وبما أن التحكيم ينبني على أساس قبول الأطراف اللجوء إليه في حالة حصول خلاف بينهما فقد سُمى ذلك (شرط التحكيم)، أما إذا حصل الخلاف بين الأطراف ولم يكن بينهما اتفاق سابق للتحكيم عند حدوث ما يستوجبه، ثم اتفقا بعد حصوله على حله بواسطة التحكيم سُمى (مشارطة التحكيم).

والفكرة التي يقوم عليها التحكيم في كل التشريعات:

هي حق الأطراف المتعاقدة في الاتفاق فيما بينهم على تجنيب دور قضاء الدولة في منازعاتهم، وإخضاعها لقضاة يختارونهم بأنفسهم ويرضون طوعا بالصادر عنهم من أحكام، مع التزام كافـة الأطراف المتنازعة بتنفيذ الحكم الصادر عن المحكم ليس تحت تأثير القانون، وإنما بوازع من ضميره تحت تأثير الضغوط والعلاقات الاجتماعية لأطراف النزاع، فالتحكيم إذاً لا يختلف عن القضاء الرسمي غير أن الدولة هي التي تعين القاضي، مع إلزام الناس بالتقاضي أمامه، وتتعهد بتنفيذ الأحكام الصادرة عنه، ولهذا يعتبر قضاء خاصًّا.

ومن خلال ما سبق من تعريف يمكننا أن نحدد أركان التحكيم فنقول:

إن للتحكيم ثلاثة أركان:

1 ـ اتفاق الخصمين على إسناد الخلاف إلى حكم يرضيان بحكمه وينزلان على رأيه.

2 ـ قبول الحكم أن يكون فصلا بين الخصمين في القضية محل النزاع من غير أن يكون مكرها أو مضطرا.

3 ـ وجود محل النزاع والذي يستلزم انعقاد التحكيم للفصل فيه.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله