تعدُّد مواسم الإيمان:
إنَّ المواسم الإيمانيَّة السَّنويَّة التي يتفضَّل الله تعالى بها على عباده - من أجل مضاعفة الأجور، والتَّجاوز عن القصور - كثيرة ممتدَّة من أوَّل العام إلى آخره؛ ومنها يوم الجمعة، والأشهر الحرم، والعشر الأوائل من شهر ذي الحجَّة الحرام، ومع كلِّ هذا فإنَّ شهر رمضان يتبوَّأ المكانة العالية الرَّاقية في عموم المواسم الإيمانيَّة السَّنويَّة؛ لاتِّصاله، وشرف نزول القرآن الكريم فيه، واشتماله على فريضة الصِّيام التي لا تجب في سواه، وتضمُّنه ليلة القدر السَّامية في القدر، الرَّفيعة في المقدار، مع إمكانيَّة اجتماع عموم العبادات فيه إلا شعيرة الحجِّ؛ فالحجُّ أشهر معلومات.
علَّة تعدُّد مواسم الإيمان:
لقد جعل الله تعالى أعمار أمَّة الإسلام قليلة مقارنة بأعمار الأمم السَّابقة، فأعمارنا بين السِّتِّين والسَّبعين وقليل من يُجاوزها إلى حدود المئة، بينما جاءت أعمار السَّابقين أكثر من هذا بكثير، ومن ذلك على سبيل المثال عمر نوح عليه السَّلام فقد بقي في قومه يدعوهم إلى الله تعالى 950 سنة؛ قال تعالى: {وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمۡ أَلۡفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمۡسِينَ عَامٗا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ} [العنكبوت: 14] ولمَّا كان العبَّاد في منافسة عظيمة في الطَّريق إلى الجنَّة، عوَّض الله تعالى هذه الأمَّة المرحومة بمواسم الإيمان التي تُضاعف فيها الأجور فيُجبر نقص العمل النَّاتج عن قصر العمُر، فجعل الله تعالى ليلة القدر خير من ألف شهر، أي: (83) سنة و: (4) أشهر إذا كانت بألف فقط، فكيف وهي خير منه، وجعل الصَّلاة في المسجد الحرام بـ: (100) ألف صلاة في غيره من المساجد، أي أنَّ فريضة واحدة فيه تعدل صلاة: (54) سنة و: (8) أشهر.
توجيه وختام:
إذا كان الأمر كما علمت، فإنَّ المخذول هو من يكسل في مواسم الإيمان الزَّمانيَّة والمكانيَّة عن عبادة الله تعالى بما يُعوِّضه عن قصر عمره، فيلقى الله تعالى بعمر قصير وعمل يسير، وفي المنافسة من يلقى الله تعالى بعمر طويل وعمل جليل، وآخر يلقاه بعمر قصير وعمل كثير؛ حينها تعظم النَّدامة، ولات حين مندم.
"يا غافلًا عن مصيره، يا واقفًا في تَقصيره، سَبَقَك أهل العزائم، وأنت في اليقظة نائم، قف على الباب وقوف نادم، ونكِّس رأس الذُّلِّ وقل أنا ظالم، وناد في الأسحار مذنب وواجم، وتشبَّه بالقوم وإِن لم تكن منهم وزاحم، وابعث بريح الزَّفرات سحاب دمع ساجم، قم في الدُّجى نادبًا، وقف على الباب تائبًا، واستدرك من الغمر ذاهبًا، ودع اللَّهو والهوى جانبًا، وإذا لاح الغرور رأى راهبًا، وطلِّق الدُّنيا إن كنت للأخرى طالبًا" المدهش، لابن الجوزيِّ، ص: (232).