إنَّ أفضل الدُّعاء ما وافق ألفاظ الدُّعاء في القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة الصَّحيحة [1]؛ فاحرصوا على التزام ألفاظهما ما أمكنكم ذلك على الاستحباب لا الوجوب، فهي إمَّا وردت على لسان نبيٍّ أو وليٍّ، وقد تحقَّقت لها الإجابة، فإمكانيَّة إجابتها متحقِّقة، فمن كان على حال الدَّاعي بها وقت الدُّعاء أُجيب كما أُجيب الأوَّل، وقد جمعت جمل الدُّعاء في القرآن الكريم في المختصر الوجيز في أدعية الكتاب العزيز، فإن شقَّ عليكم الالتزام به فلا حرج عليكم في دعاء الله تعالى بما شئتم من دعوات زاكيات بشرط سلامة الألفاظ والمضمون وعدم الاعتداء كما سبق بيانه والإشارة إليه.
وبعد الدُّعاء لا ينبغي أن يقع المرء في مفسدات الدُّعاء من سوء الظَّنِّ في الله تعالى، أو الاعتقاد بعدم نفع الدُّعاء، أو استبطاء الإجابة وتعجُّل النَّتيجة، أو نشر أمر الدُّعاء عبر وسائل التَّواصل، أو الرِّياء به واستجلاب عُيون وألسنة النَّاس، أو الخروج عن حالة الطَّاعة إلى المعصية والجرأة على الله تعالى، أو الخروج من الإسلام، أو الانغماس في البدعة، أو نحو ذلك ممَّا يُفسد الدُّعاء ويُضعف أثره، ولكن اثبتوا على أمركم، وأحسنوا الظَّنَّ في ربِّكم، ودوموا على الطَّاعة، وأصلحوا البضاعة، وعلى الله القبول والتَّيسير، ولا تتوقَّفوا عن الدُّعاء بعد الإجابة؛ فإنَّ هذا أسلوب اللَّئيم الذي يتزلَّف إلى الله حتى يظفر بطلبته ثمَّ يقف [2].
(1) لقد أنكر العلماء الإعراض عن الأدعية القرآنيَّة والنَّبويَّة، والعدول إلى ألفاظ مخترعة لم ترد في القرآن الكريم ولا السُّنَّة النَّبويَّة؛ فالدُّعاء إن كان مقبولًا بالألفاظ المخترعة فهو بألفـاظ الوحي آكد في القبول، والدُّعاء عبادة يحسن فيها الاتِّباع؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "لا ريب أنَّ الأذكار والدَّعوات من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على التَّوقيف والاتِّباع، لا على الهوى والابتداع، فالأدعية والأذكار النَّبويَّة هي من أفضل ما يتحرَّاه المتحرِّي من الذِّكر والدُّعاء، وسالكها على سبيل أمان وسلامة، والفوائد التي تحصل بها لا يعبِّرُ عنها لسـان، ولا يحيط بها إنسان" يُنظر: مجموع الفتاوى لأبي العبَّاس ابن تيمية، (22/510).
وفي الوحيين غُنية وبركة وكافية، ومن لم يحسن ألفاظهما، فليلزم طريقتهما في الدُّعاء، وما أصاب الأئمَّة والدَّاعين من التَّنغيم والسَّجع المتكلَّف في الدُّعاء من الأمور المستحدثة غير المحبوبة، والنَّاظر إلى واقع مساجدنا في شهر رمضان ثمَّ يُقارن بين ما يسمعه من دعوات مع ما عليه واقع الأمَّة الميمونة يرى أنَّنا أحسنَّا ظواهر الدُّعاء، ولم نُفلح في إدراك بواطنه، فالدُّعاء ليس حروفًا مجموعة، تُكوِّن كلماتٍ مسموعة، بأصوات مرفوعة، إنَّما الدُّعاء أحاسيس نابعة، وقلوبٌ خاشعة، وأعينٌ دامعة، وآذانٌ سامعة، وجوارحُ صانعة، فليت قومي علموا فعملوا، حينها تُجابُ دعواتهم وإن كانت بالأعجميَّة العنيفة، والأصوات الضَّعيفة، فأهمُّ الجوارح التي يجب حضورها وقت الدُّعاء= القلب، فإن حضر فلا على الدَّاعي حرج وإن لم يحسن دندنة الفصحاء، ولا بلاغة البلغاء، ولا فقه الفقهاء، فكم من أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبرَّه، فالخير في اتِّباع الوحيين والشَّرُّ في تركهما؛ قال الحافـظ أبو القـاسم بن أحمد بن أيُّوب الطَّبرانيُّ رحمه الله: "هذا كتاب ألَّفته جامع لأدعية رسول الله ﷺ حداني على ذلك أنِّي رأيت كثيرًا من النَّاس قد تمسَّكوا بأدعية سجع وأدعية وُضعت على عدد الأيَّام ممَّا ألَّفها الورَّاقون لا تُروى عن رسـول الله ولا عن أحد من أصحابه ولا عن أحد من التَّابعين بإحسان، مع ما روي عن النَّبِيِّ من الكراهية للسَّجع في الدُّعاء والتَّعدِّي فيه" - يُنظر: الدُّعاء، لأبي القاسم الطَّبرانيِّ، تحق: مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلميَّة، ط: (1/1413ه)، ص: (22) - قال الإمام أبو سليمان حمـد بن محمد الخطَّابِيُّ رحمه الله: "وقد أُولع كثير من العامَّة بأدعية منكرة اخترعوها، وأسماء سمَّوْها ما أنزل الله بها من سلطان، وقد يوجد في أيديهم دستور في الأسماء والأدعية يسمُّونه: (الألف اسم) صنَّفها لهم بعض المتكلِّمين من أهل الجهل والجرأة على الله ، أكثرها زورٌ وافتراءٌ على الله ؛ فليجتنبها الدَّاعي إلَّا ما وافق منه الصَّواب" يُنظر: شأن الدُّعاء، لأبي سليمان الخطَّابيِّ، تحق: أحمد يوسف الدَّقَّاق، دار الثَّقافة العربيَّة، ط: (1/1984م)، ص: (16).
(2) إنَّ الدُّعاء هو الصِّلة الحقيقيَّة التي تربط بين الله وبين عباده؛ فإنَّ العبد الصَّالح إذا حزبه أمر أو نزلت به مصيبة فإنَّه يهرع إلى الصَّلاة والدُّعاء؛ لأنَّه يعلم أنَّ ربَّه الذي خلقه وسواه لن يتركه هملًا؛ فهو من تكفَّل بتفريج كروبه وهمومه وتلبية مطالبه - إن هو استجاب لأمره ونهيه -، وبيَّن أنَّ غير الصَّالحين يهرعون أيضًا إلى الدُّعاء، لكنَّهم سرعان ما ينكصون على أعقابهم ويولُّون الأدبار بعد ما يُستجابُ لهم؛ قال الله تعالى: {فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلۡفُلۡكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ إِذَا هُمۡ يُشۡرِكُونَ} [العنكبوت: 65] وقال الله تعالى: {وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوۡجٞ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ فَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٖ كَفُورٖ} [لقمان: 32] وأمَّا الصَّالحون فإنَّ إجابة دعائهم لا تزيدهم إلَّا إيمانًا، وثباتًا، وهدًى، وتمسُّكًا بالحقِّ الذي يحيَون لأجله؛ لذا فإنَّ إجابة دعاء الصَّالحين أسرع من غيرهم، والله تعالى إنَّما يتقبَّل من المتَّقين.