التَّفخيم والتَّرقيق وأحوال الحروف
من المباحث المهمَّة أن تتعرَّف الدَّارس على ما يتعلَّق بدرجة صوت الحروف من حيث التغليظ وعدمه؛ والحروف بهذا الاعتبار تقع على ثلاثة أقسام:
الأوَّل: المفخَّم دائمًا: وهي حروف الاستعلاء المجموعة في قولهم: (خصَّ ضغط قظ) فكلُّها مفخَّمة في جميع أحوالها لكنَّها على مراتب.
الثَّاني: المرقَّق دائمًا: وهي بقيَّة حروف الهجاء باستثناء السَّابق واللَّاحق.
الثَّالث: ما يجمع بين أحد الوصفين باعتبارين: وهذا في حرف الألف باعتبار ما قبله، ولام اسم الجلالة باعتبار ما قبلها، وغنَّة الإخفاء الحقيقيِّ في النُّون السَّاكنة والتَّنوين باعتبار ما بعدها، وكذلك الرَّاء.
تعريف التَّفخيم
التَّفخيم لغة: التَّسمين.
واصطلاحًا: سِمن يحصل لذات الحرف بسبب امتلاء الفم بصدى الحرف.
تعريف التَّرقيق
والتَّرقيق لغة: التَّنحيف.
واصطلاحًا: إنحاف يحصل لذات الحرف بسبب عدم امتلاء الفم بصداه.
مراتب التَّفخيم
وليست الحروف المفخَّمة على درجة واحدة في قوَّة الصَّوت؛ فالتَّفخيم نسبيٌّ ومتفاوت لاختلاف الحركة؛ وقد اختلف العلماء فيما بينهم في عدد مراتب التَّفخيم؛ فالأمر محلُّ اجتهاد ونظر؛ لأنَّها مسألة دراية؛ وقد جعله المحقِّقون من العلماء على تسع مراتب من باب التَّفصيل؛ وهذا بيانها:
المرتبة الأولى: حرف التَّفخيم المفتوح الذي وقع بعده ألف مدِّيَّة؛ نحو: {خَٰلِدِينَ} و: {ٱلظَّٰلِمِينَ} ونحوهما.
المرتبة الثَّانية: حرف التَّفخيم المفتوح وليس بعده ألف مدِّيَّة؛ نحو قوله: {خَلَقَكُمۡ} و: {ضَرۡبٗا} و: {صَبَرَ وَغَفَرَ}.
المرتبة الثَّالثة: حرف التَّفخيم المضموم الذي وقع بعده واو مدِّيَّة؛ نحو قوله تعالى: {طُوبَىٰ} و: {سَبَقُوٓاْۚ}.
المرتبة الرَّابعة: حرف التَّفخيم المضموم وليس بعده واو مدِّيَّة؛ نحو قوله: {قُرۡءَانٗا} و: {وَصُدُّواْ} و: {نَنقُصُهَا}.
المرتبة الخامسة: حرف التَّفخيم السَّاكن وقبله فتح متَّصل: {يَخۡتَلِفُونَ} و: {فَٱغۡفِرۡ} أو منفصل: {قَالَ ٱخۡسَـُٔواْ}.
المرتبة السَّادسة: حرف التَّفخيم السَّاكن وقبله ضمٌّ؛ نحو: {مُخۡتَلِفُونَ} و: {سَيُغۡفَرُ}.
المرتبة السَّابعة: حرف التفخيم السَّاكن وقبله كسر متَّصل؛ نحو: {أَفۡرِغۡ} أو منفصل نحو: {وَلَٰكِنِ ٱخۡتَلَفُواْ}.
المرتبة الثَّامنة: حرف التَّفخيم المكسور؛ نحو: {ٱلصِّرَٰطَ} و: {وَقِنَا} و: {يَبۡطِشَ}.
المرتبة التَّاسعة: حرف التَّفخيم المكسور وبعده ياء مدِّيَّة؛ نحو: {ٱلۡمُسۡتَقِيمَ} و: {عَظِيمٞ}.
ومن أهل العلم من يرى أنَّ السَّاكن يلحق مرتبة الحركة السَّابقة له؛ فالسَّاكن إثر فتح يلحق المرتبة الثَّانية؛ وهي مرتبة المفتوح، والسَّاكن إثر ضمٍّ يُلحق المرتبة الرَّابعة؛ وهي مرتبة المضموم، والسَّاكن إثر كسر يلحق المرتبة الثَّامنة؛ وهي مرتبة المكسور، وأقوى حروف الاستعلاء تفخيمًا حروف الإطباق وهي: (الصَّاد، والضَّاد، والطَّاء، والظَّاء) لما فيها من صفات القوَّة؛ وكلَّما زادت صفات القوَّة في الحرف زادت درجته في التَّفخيم، وهذا ما يجعل التَّفاضل بين حروف التَّفخيم في القوَّة.
ممَّا سبق يتبيَّن للقارئ أنَّ حروف الاستعلاء مفخَّمة في ذاتها وإن اختلفت مرتبة التَّفخيم قوَّة وضعفًا تبعًا للحركة الإعرابيَّة، وصفات الحرف المفخَّم، وكلُّ حرف مستعل مفخَّم؛ سواء كان مطبقًا أم منفتحًا، وليس كلُّ حرف مستفل مرققًا؛ فالحروف التي يعتريها التَّفخيم والتَّرقيق كلُّها مستفلة.
أحوال لام اسم الجلالة
للام اسم الجلالة من حيث التَّفخيم والتَّرقيق حالتان:
الأولى: التَّفخيم: إذا سبقت اللَّام:
1 - بحرف مضموم سواء كان الضَّمُّ أصليًّا ولا يكون إلَّا مُنفصلًا نحو: {يَعۡبُدُ ٱللَّهَ} أم عارضًا نحو: {دَعَوُاْ ٱللَّهَ}.
2 - بحرف مفتوح؛ سواء كان أصليًّا متَّصلًا؛ نحو: {فَٱللَّهُ} أم مُنفصلًا نحو: {قَالَ ٱللَّهُ} أم عارضًا نحو: {مِّنَ ٱللَّهِۚ}.
فائدة: لا يجتمع الضَّمُّ مع لام اسم الجلالة في كلمة واحدة؛ بل يكون في آخر الكلمة السَّابقة، بينما يجتمع الفتح العارض لأنَّه يكون في همزة الوصل المفتوحة؛ لعروض البدء بها، أو في واو العطف أو القسم أو تائه؛ نحو: {وَٱللَّهُ مُحِيطُۢ} و: {تَٱللَّهِ لَتُسۡـَٔلُنَّ}.
الثَّانية: التَّرقيق: إذا سبقت اللَّام بحرف مكسور سواء كان الكسر أصليًّا متَّصلًا نحو: {بِٱللَّهِ} أم مُنفصلًا نحو: {بِسۡمِ ٱللَّهِ} و: {بِهِ ٱللَّهُ} أم كان عارضًا ولا يكون إلَّا مُنفصلًا نحو: {قُلِ ٱللَّهُ}.
رأي: إنَّ المطالع لكثير من الكتابات التَّخصُّصيَّة في هذا الفنِّ يرى القوم يُعبِّرون عن اسم الجلالة بقولهم: (لفظ الجلالة) ومعروف أنَّ اللَّفظ: ما لفظه اللِّسان.
ولذا أقترح أن يكفَّ المحرِّرون عن استعمال هذا المصطلح؛ تأدُّبًا مع الله تعالى، فيعبِّرون بـ: (اسم الجلالة) وهذا لا يتعارض مع الاستعمال اللُّغويِّ والشَّرعيِّ، ولعلَّ المتقدِّمين كانوا على ذلك؛ ويظهر هذا بجلاء من قول الإمام الشَّاطبيِّ: (وكلٌّ لدى اسم الله من بعد كسرة) وقال الحافظ ابن الجزريِّ: (وفخِّم اللَّام من اسم الله).
الأمثلة والتَّوصيف على لام اسم الجلالة:
مثال لام اسم الجلالة مسبوقة بضمٍّ: {نَصۡرُ ٱللَّهِ} لام اسم الجلالة المفخَّمة: حيث وقعت لام اسم الجلالة مسبوقة بضمٍّ؛ فيجب تفخيمها.
مثال لام اسم الجلالة مسبوقة بفتح أصليٍّ: {نَصۡرَ ٱللَّهِ} لام اسم الجلالة المفخَّمة: حيث وقعت لام اسم الجلالة مسبوقة بفتح أصليٍّ؛ فيجب تفخيمها؛ هكذا...
مثال لام اسم الجلالة مسبوقة بفتح عارض: {ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ} لام اسم الجلالة المفخَّمة: حيث وقعت لام اسم الجلالة مسبوقة بفتح عارض؛ فيجب تفخيمها؛ هكذا...
مثال لام اسم الجلالة مسبوقة بكسر أصليٍّ: {بِهِ ٱللَّهُ} لام اسم الجلالة المرقَّقة: حيث وقعت لام اسم الجلالة مسبوقة بكسر أصليٍّ؛ فيجب ترقيقها؛ هكذا...
مثال لام اسم الجلالة مسبوقة بكسر عارض: {قُلِ ٱللَّهُ} لام اسم الجلالة المرقَّقة: حيث وقعت لام اسم الجلالة مسبوقة بكسر عارض؛ فيجب ترقيقها؛ هكذا.......
أحوال الألف المدِّيَّة
اعلم أنَّ الألف المدِّيَّة لا تُوصف بتفخيم ولا ترقيق؛ وإنَّما تتبع ما قبلها؛ فلها حالتان:
الأولى: التَّفخيم: إذا وقع قبلها حرف مُستعلٍ؛ سواء كان مُستعليًا مُطبقًا، أم مُستعليًا فقط.
الثَّانية: التَّرقيق: وذلك في حالتين:
الأولى: إذا وقع قبل الألف حرف مستفل مرقَّق نحو: {فَأۡتِنَا} و: {إِنَّمَا}.
الثَّانية: إذا كانت ممالة وإن وقع قبلها حرف مفخَّم؛ نحو: {مَجۡر۪ىٰهَا} لأنَّ القاعدة تنصُّ على أنَّه: إذا اجتمع على الألف مسوِّغ التَّفخيم، ومسوِّغ التَّرقيق فالعبرة بمسوِّغ التَّرقيق؛ كالألفات الممالة بعد حروف التَّفخيم عند ورش في نحو: {مَّرۡضَىٰٓ} و: {وَٱلضُّحَىٰ}.
فائدة: تتفاوت درجات تفخيم الألف المدِّيَّة إذا وقع قبلها حرف مفخَّم؛ لأنَّ الحرف الجامع بين التَّفخيم والإطباق أقوى من المفخَّم فقط؛ فإذا وقع الألف بعد حرف مُستعلٍ مُطبق كان أقوى من الألف الواقعة بعد حرف مستعلٍ غير مُطبق.
وعلى القارئ أن يحذر من المبالغة في ترقيق الألف فيُساق إلى تقليلها أو إمالتها من غير وجود سبب يقتضي التَّقليل أو الإمالة؛ فإنَّ هذا من الأخطاء الشَّائعة على ألسن النَّاس، ويُنكره السَّماع والأداء والقياس.
تنبيه مهمٌّ: نرى كثيرًا من المحرِّرين في العلوم يُؤنِّث الحروف؛ فيقولون: "ألف مدِّيَّة" وبعضهم يذكرها؛ فيقولون: "ألف مفخَّم" وكلا الرَّأيين صواب؛ فجميع حروف المعجم يجوز فيها التَّذكير والتَّأنيث؛ والأخير أشهر وأكثر؛ قال أبو حاتم السِّجستانيُّ: "وسائر حروف المعجم التَّأنيث فيها أكثر، والتَّذكير فيها معروف" وقال الحريريُّ في شرح الملحة: "وحروف المعجم بأسرها يجوز تذكيرها وتأنيثها" وذهب أبو بكر ابن الأنَّباري - ومن تبعه - إلى أن لكلِّ وجه توجيهه؛ فتوجيه التَّذكير على معنى الحرف، وتوجيه التَّأنيث على معنى الكلمة، ووجَّهه البعض بأنَّ التَّذكير على اعتبار أنَّها أسماء، والتَّأنيث على أنَّها حروف، وذهب الكسائيُّ - وغيره - إلى أنَّها مؤنَّثة هذا كلام العرب، ويجوز أن تُذكَّر في الشِّعر، والرَّاجح ما قرَّره الجمهور من جواز التَّأنيث والتَّذكير، مع كون التَّأنيث أكثر.
الأمثلة والتَّوصيف على الألف المدِّيَّة:
مثال للألف المدِّيَّة المفخَّمة الواقعة بعد حرف مستعل مُطبق: {ٱلشَّيۡطَٰنُ} ألف مدِّيَّة مفخَّمة: حيث وقعت الألف المدِّيَّة مسبوقة بحرف مستعل مُفخَّم مطبق؛ فيجب تفخيمها عاليًا؛ هكذا...
مثال للألف المدِّيَّة المفخَّمة الواقعة بعد حرف مُستعل فقط: {ٱلۡقَاهِرُ} ألف مدِّيَّة مفخَّمة: حيث وقعت الألف المدِّيَّة مسبوقة بحرف مستعل مفخَّم؛ فيجب تفخيمها عاليًا.
مثال للألف المدِّيَّة المرقَّقة: {ٱلشَّٰكِرِينَ} ألف مدِّيَّة مرقَّقة: حيث وقعت الألف المدِّيَّة مسبوقة بحرف مستفل مرقَّق؛ فيجب ترقيقها.
مثال للألف المدِّيَّة الممالة بعد حرف مفخَّم: {مَجۡر۪ىٰهَا} ألف مدِّيَّة مرقَّقة: حيث وقعت الألف المدِّيَّة ممالة - رِوايةً - مسبوقة بحرف مستعل مفخَّم تمَّ ترقيقه لإمالته؛ فيجب ترقيقها؛ هكذا...
أحوال الغنَّة
اعلم أنَّ الغنَّة من حيث التَّفخيم والتَّرقيق لها صورتان:
الأولى: أن تكون الغنَّة بسبب الإفراد وذلك في كلِّ نون وميم مشدَّدتين؛ ومعها تلزم الغنَّة التَّرقيق أبدًا؛ لاكتفائها بالنُّون، وعدم تعلُّقها بما بعدها.
الثَّانية: أن تكون الغنَّة بسبب التَّركيب؛ أي الواقعة مع الإدغام بغنَّة، والإخفاء الحقيقيِّ والشَّفويِّ في مرتبة المخفَى والإقلاب، ولها حالتان:
الأولى: التَّفخيم: وذلك إذا وقع بعدها حرف مفخَّم؛ وهي حروف الإطباق الأربعة مع القاف: (الصَّاد، والضَّاد، والطَّاء، والظاء، والقاف) سواء وقع في كلمة واحدة نحو: {يُنصَرُونَ} و: {مُنقَلَبٖ} أم في كلمتين نحو: {مِن قَبۡلِكَ} و: {مِّن صِيَامٍ} أو مع التَّنوين ولا يكون إلَّا في طرف الكلمة نحو: {عَلِيمٞ قَدِيرٞ}.
الثَّانية: التَّرقيق: وذلك إذا وقع بعدها حرف مرقَّق؛ وهي حروف الإدغام بغنة= (ينمو) والإقلاب، والإخفاء الشَّفويِّ، والبقيَّة المتبقيَّة من حروف الإخفاء الحقيقيِّ نحو: {لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} و: {مِنۢ بُطُونِهَا} و: {وَمِنكُم مَّن}.
الأمثلة والتَّوصيف على الغنَّة:
مثال الغنَّة في النُّون: {ٱلنَّصۡرُ} غنَّة مرقَّقة: حيث وقعت الغنَّة في النُّون المشدَّدة؛ وليس بعدها ما يستوجب تفخيمها؛ لاكتفائها بالمشدَّد؛ فيجب التَّرقيق؛ هكذا...
مثال الغنَّة في الميم: {هَمَّت} غنَّة مرقَّقة: حيث وقعت الغنَّة في الميم المشدَّدة؛ وليس بعدها ما يستوجب تفخيمها؛ لاكتفائها بالمشدَّد؛ فيجب التَّرقيق؛ هكذا...
مثال غنَّة نون ساكنة مفخَّمة: {وَمَن صَلَحَ} غنَّة مفخَّمة: حيث وقعت الغنَّة في النُّون السَّاكنة المخفاة، وبعدها حرف الصَّاد؛ وهو أحد حروف التَّفخيم المطبقة؛ فيجب تفخيمها؛ هكذا...
مثال غنَّة تنوين مفخَّمة: {عَلِيمٗا قَدِيرٗا} غنَّة مفخَّمة: حيث وقعت الغنَّة في التَّنوين المخفى، وبعده حرف القاف؛ وهو أحد حروف التَّفخيم؛ فيجب تفخيمها؛ هكذا...
مثال غنَّة نون ساكنة مرقَّقة: {وَمَن يَعۡمَلۡ} غنَّة مرقَّقة: حيث وقعت الغنَّة في النُّون السَّاكنة المدغمة، وبعدها الياء؛ وهي مرقَّقة؛ فتُرقَّق.
مثال غنَّة تنوين مرقَّقة: {عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ} غنَّة مرقَّقة: حيث وقعت الغنَّة في التَّنوين المقلوب، وبعدها الباء وهي مرقَّقة؛ فتُرقَّق.