آداب المكث في مكَّة والمدينة
أدركوا مكانة المكانين الشَّريفين مكَّة والمدينة؛ ففيهما عاش النَّبيُّ ﷺ وصحابته الكرام رضي الله عنهم وقد شهدا أحداث دولة الإسلام الأولى، ففي كلِّ زاوية من زواياهما حدث وذكرى وتشريع، والواجب على المسلم أن يعيش مع هذه الأحداث وتلكم الذِّكريات من خلال القراءة والفهم والمعايشة.
مراقبة الله تعالى في حرمه
إنَّ من الآداب التي يحسن بالنَّاسك رعايتها= التَّأدبُّ مع الله في بيته الحرام، فلا يُقدم على فعل محرَّم في مسجد الكعبة، ولا في مكَّة كلِّها؛ ففي هذا تهديد لمن عقله؛ قال الله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلۡنَٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلۡعَٰكِفُ فِيهِ وَٱلۡبَادِۚ وَمَن يُرِدۡ فِيهِ بِإِلۡحَادِۭ بِظُلۡمٖ نُّذِقۡهُ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ} [الحج: 25] فكيف تقدُم على الله تعالى في بيته طالبًا رحمته، ومستعيذًا من عذابه، ثمَّ تحملك الجرأة على إعلان المعصية في أطهر بقعة، وأشرف رقعة، في بيت نسبه الله تعالى لنفسه تعظيمًا وتقديسًا؟!.
كما يحسن بالمرء في مسجد النَّبيِّ ﷺ التَّأدُّب معه، واتِّباع سنَّته ﷺ، والسَّير على طريقته ﷺ في الصَّلاة، والذِّكر، والعبادة، فلا يُخالف هديه، ولا ينتقص من قدره، ولا يطعن في حديثه، ولا يردُّ قوله لقول غيره، ولا يُقارن بينهما مسوِّيًا مقدِّمًا، ولا يُجافي بقلَّة الصَّلاة والسَّلام، بل يُديم ذكره بكلِّ جميل.
المرء يُحصِّل بالأدب ما لا يُحصِّله بدونه
ولا يشكُّ عاقل لبيب في أنَّ المرء يُحصِّل بالأدب من المكرُمات ما لا يُحصِّله بدونه، فأعظم عبادة يُتقرَّب بها إلى الله تعالى في البقعتين الشَّريفتين - مكَّة والمدينة - الأدب مع الله ورسوله ﷺ، فبه يحرص المرء على نبذ المعصية، والتَّكثير من الطَّاعة، فليس الأدب كلامًا يُقال، أو شعارًا يُحمل، بل هو شعور يحمل المرء على إرضاء من تأدَّب من أجله.
اغتنام الوقت واستثماره
ومن الأدب فيهما اغتنام الوقت بالعبادات التي لا تكون في سواهما؛ فإنَّ المرء مكوَّن من أنفاس ولحظات، وهي أسرع في الذَّهاب مع لمح البصر أو هو أقرب، والموفَّق من استثمر كلَّ وقته - قليله وكثيره - لاسيِّما في الأزمنة والأمكنة الفاضلة؛ لما في ذلك من التَّحفيز والإعانة على الطَّاعة، مع مضافة أجورها وتكثير ثوابها؛ فتعاملوا مع فترة وجودكم في الحرمين الشَّريفين على أنَّها مرحلة استثنائيَّة في عُمركم، وخوِّفوا أنفسكم بإمكانيَّة عدم العودة مرَّة أخرى؛ فإنَّ هذا أدعى أن تنتفعوا بكلِّ لحظة وبكلِّ عملٍ صالح.
العناية بعبادات المكان
وللحرمين الشَّريفين من الأعمال الخاصَّة ما يحسُن أن يشتغل به النَّاسك طُوال وجوده في رحلته الإيمانيَّة؛ كالنَّظر للكعبة، والطَّواف بها، والتزام ملتزمها، والدُّعاء بين أركانها، وكالسَّعي بين الصَّفا والمروة مع إظهار الانكسار والاستجابة والاستسلام لأمر الله في كل مراحل السَّعي، وكذلك الإكثار من صلاة النَّوافل فيهما فالأجور مضاعفة، والحرص على عدم تفويت صلاة جماعة واحدة؛ فالصَّلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة، وفي المسجد النَّبويِّ بألف صلاة، وكذلك يحرص على الصَّلاة في الرَّوضة الشَّريفة بين القبر والمنبر فكأنَّما صلَّى في الجنَّة، وكذلك السَّلام على النَّبيِّ ﷺ وصاحبيه أبي بكر الصِّدِّيق وعمر بن الخطَّاب رضي الله عنهما ثمَّ العطف بزيارة البقيع، وفيه دُفن خير وأصلح هذه الأمَّة عبر الأجيال الإسلاميَّة، وهكذا.
إعلاء شأن الإسلام
إنَّ من الأدب فيهما أيضًا إظهار الإسلام والمسلمين بما يُعطي وجهًا جميلًا ناصعًا لغير المسلمين؛ فعيونهم المباشرة وغير المباشرة تلاحق المسلمين في عموم بقاع عبادتهم، وخاصَّةً في مواضع النُّسك؛ وممَّا يصدُّهم عن الحقِّ ويصنع عدواتهم ظهور المسلم بصورة الابتذال أو التَّسوُّل أو الاختلاس، مع رثاثة الهيئة، وفساد الهندام، وعدم تقديسه للأماكن التي قدَّسها دينه، وجعل الله لها المكانة الأجلَّ على كافَّة البقاع.
الشَّهادة للوطن والبلاد
إنَّ المسلم النَّاسك سفير لدينه، ووطنه، وأهله في هذا المؤتمر الإيمانيِّ الكبير؛ فحريٌّ به أن يرسم أفضل صورة ممكنة عن دينه أوَّلًا، ثمَّ عن وطنه ثانيًا، ثم عن نفسه ثالثًا؛ فكم من المعلومات الخاطئة تكوَّنت عن الإسلام بسبب بعض المنتسبين إليه، وكم من العادات أُلصقت بقوم وهم منها بُراء، إنَّما كانت أفعالًا فرديَّة ثمَّ عُمِّمت على أهل القُطر بسبب تصرُّف غاشم من البعض؛ فلا تكونوا عامل نقض ومعول هدم لتقويض أركان أمَّتكم، ودينكم، وبلدكم، وأهلكم، ولكن مثِّلها خير تمثيل.