الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

قيمة الاعتبار والاتِّعاظ من السَّير في الأرض

أيُّها العمَّار البررة، أدركوا فلسفة الحياة من خلال الطَّريق: فطريق السَّفر يتشابه كثيرًا مع طريق الحياة؛ فكلٌّ منهما يمرُّ بمحطات بداية، ووسط، ونهاية، فكما أنَّ للرِّحلة وقتًا زمنيًّا فللحياة زمنًا محسومًا وأجلًا محتومًا، فالعاقل يعي ويتأمَّل معالم الطَّريق بهدف الانتفاع والاستفادة، والمرء في طريقه يُلاقي ما يُلفت نظره فيتأمَّله بقصد النَّظر في خلق السماوات والأرض، ولا يُطيل النَّظر ولا ينشغل مع الفتن والزِّينة؛ بل يأخذ حظَّه منها بقدر وحدٍّ، وهذه المناظر الجذَّابة والمشاهد الخلَّابة هي الشَّهوات التي تأخذ بالعين والعقل والجوارح، وللمرء منها قدر معلوم ونصيب مقسوم، فإذا زاد افتُتن وهلك في أودية الدُّنيا مع الهالكين؛ لذا وقف الإسلام منها موقف المعتدل المتوسِّط؛ فأمر بالقدر الذي يحصل به إشباع أعضاء الشَّهوة منها، ونهى عن الإسراف في ذلك.

إنَّ مرور المسافر في المحطَّات المتتالية يأخذه إلى التَّفكُّر في تسارع أيَّامه، ومرور شهوره وأعوامه، فأين أيَّام الصِّبا والفتوَّة ولحظات الشَّباب والقوَّة؟! أفلت وأدبرت، وولَّت وأكبرت، وذهبت لذَّاتُها، وبقيَّت حسرَاتُها، فالعاقل يتَّعظ ويعتبر، ويرعوِي وينزجر، ويأخذ من طريقه ومحطَّاته الدُّروس والعِبر.

من آداب المرور بمواطن المعذَّبين من الأمم

لعلَّ مرور المرء على مواطن العِبر ومواقع الهلاك التي حلَّ العذاب بالسَّابقين فيها يُعيده عن طريق الغيِّ وساحات الفجور إلى ميدان التَّوبة والعمل الصَّالح؛ فإنِّ الذي أهلك السَّابق لفجوره وطغيانه، قادر على إهلاك اللَّاحق لذات السَّبب؛ ومن ذلك المرور على البحر الأحمر برًّا، أو فوقه بحرًا، فقد أهلك الله تعالى فيه فرعون وجنده، والمرور بمدائن صالح مكان إهلاك ثمود، والمرور بالأحقاف موضع إهلاك عاد، وهكذا يرى المهاجر إلى الله تعالى بالعبادة في طريق هجرته وسفره ما يجب التَّوقُّف عنده للاتِّعاظ والاعتبار، مع إعلان الاستسلام والانكسار والخضوع والخوف؛ لئلَّا يحلَّ ما حلَّ بهم، والهالكون على مرِّ التَّاريخ أكثر من النَّاجين؛ فمادَّة الاتِّعاظ مُلِّئت بها صفحات التَّاريخ، وسُوِّدت بها جنبات الأرض، ويُمكن أن يسأل المرء نفسه سؤالين: لماذا هلكوا؟ وما الفرق بيني وبينهم؟ ليعلم أسباب الهلاك فيجتنبها، ويقيس التَّشابه بينه وبينهم فيكُفَّ عن العصيان ويستقيم.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله