الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

مادَّة الإفراط في القرآن الكريم

ومن عناية القرآن الكريم بالإشارة إلى الإفراط وبيان ذمِّه ومخالفته لمنهج الإسلام، وتحذير المسلم من مظاهره وآثاره وصوره وأشكاله، مع تناوُله بالعلاج الموصِّل إلى الاعتدال والتَّوسُّط والاستقامة؛ فقد وردت مادَّة: (الفرط) في القرآن الكريم في ثمانية مواضع:

1 - قوله تعالى: {قَدۡ ‌خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةٗ قَالُواْ يَٰحَسۡرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطۡنَا فِيهَا وَهُمۡ يَحۡمِلُونَ أَوۡزَارَهُمۡ عَلَىٰ ظُهُورِهِمۡۚ إلَّا سَآءَ مَا يَزِرُونَ} [الأنعام: 31] ومعنى التَّفريط هنا: التَّضييع والإهمال في العمل الصَّالح حتَّى ضاعت منهم الجنَّة، وعاينوا استحقاقهم للنَّار؛ بسبب تفريطهم وغبنهم الظَّاهر؛ حيث زهدوا في الجنَّة، واشتروا النَّار بما اقترفته أيديهم؛ يقول الإمام الطَّبريّ رحمه الله [1]: "يقول تعالى ذكره: وُكس الَّذين كذَّبوا بلقاء الله ببيعهم منازلهم من الجنَّة بمنازل من اشتروا منازله من أهل الجنَّة من النَّار, فإذا جاءتهم السَّاعة بغتةً قالوا إذا عاينوا ما باعوا وما اشتروا، وتبيَّنوا خسارة صفقة بَيعهم الَّتي سلفت منهم في الدُّنيا، تندُّمًا وتلهُّفًا على عظيم الغَبْن الَّذي غبنوه أنفسهم، وجليلِ الخسران الَّذي لا خسرانَ أجلَّ منه: {يَٰحَسۡرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطۡنَا فِيهَا} [الأنعام: 31] يقول: يا ندامتنا على ما ضيَّعنا فيها، يعني: صفقتهم تلك" [2] وفي الآية الكريمة دعوة إلى ترك أسباب الحسرة والنَّدامَّة من التَّفريط في الحقوق الَّتي أمر الله تعالى بها؛ فإنَّه موصِّلٌ إلى سوء العاقبة، وحصول النَّدم؛ حيث يحمل الإنسان ذنوبه وذنوب من ضلُّوا بضلاله على ظهره يوم القيامة، وإذا علم المرء ذلك ارتدع عن التَّفريط؛ خشية من سوء العاقبة.

2 - قوله تعالى: {وَمَا مِن ‌دَآبَّةٖ ‌فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَٰٓئِرٖ يَطِيرُ بِجَنَاحَيۡهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمۡثَالُكُمۚ مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ ثمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يُحۡشَرُونَ} [الأنعام: 38] والمعنى: ما ضيَّعنا ولا تركنا شيئًا إلَّا كتبنا خبره وأثبتنا ذكره في الكتاب؛ لسعة علمنا، وقدرتنا على كلِّ مخلوق، قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما: "ما تركنا شيئًا إلَّا قد كتبناه في أمِّ الكتاب" وقال عبدالرَّحمن بن زيد بن أسلم رضي الله عنه يقول: {مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖ} لم يُغفِل الكتاب، ما من شيء إلَّا وهو في ذلك الكتاب" [3] وقد اختُلف في المراد بـ: (الكتاب) في هذه الآية قال الإمام ابن الجوزيِّ [4] ناقلًا الاختلاف في أوجز عبارة وأجمل إشارة: "قوله تعالى: {مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖ} [الأنعام: 38] في الكتاب قولان: أحدهما: إنَّه اللوح المحفوظ، روى ابن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما: ما تركنا شيئا إلَّا وقد كتبناه في أمِّ الكتاب، وإلى هذا المعنى ذهب قتادة، وابن زيد. والثَّاني: إنَّه القرآن. روى عطاء عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما: ما تركنا من شيء إلَّا وقد بيَّناه لكم. فعلى هذا يكون من العامِّ الَّذي أريد به الخاصُّ، فيكون المعنى: ما فرَّطنا في شيء بكم إليه حاجة إلَّا وبيَّناه في الكتاب، إمَّا نصًّا، وإمَّا مجملًا، وإمَّا دلالة؛ كقوله تعالى: {وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ ‌تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ} [النحل: 89] أي: لكلِّ شيء يُحتاج إليه في أمر الدِّين" [5] وفي الآية الكريمة نهيٌ عن التَّضييع والإهمال وترك ما أمر الله تعالى به، فقد بيَّن الله تعالى في القرآن الكريم الحقَّ الَّذي ينبغي أن يكون عليه النَّاس، وعلى الفرد أن يلتزم بما أقرَّه الله تعالى في هذا الكتاب العظيم الَّذي اشتمل على كلِّ شيء.

3 - قوله تعالى: {وَهُوَ ‌ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۖ وَيُرۡسِلُ عَلَيۡكُمۡ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا وَهُمۡ لَا يُفَرِّطُونَ} [الأنعام: 61] والمعنى: لا يُفرِّط الملائكة في حفظ روح العبد بعد قبضها ليعرجوا بها إلى السَّماء ليُنزَّل منزلته الَّتي تُناسب عمله، فنُفي التَّفريط عن الملائكة في ذلك؛ قال الإمام ابن كثير رحمه الله [6]: " وقوله: {وَهُمۡ لَا يُفَرِّطُونَ} [الأنعام: 61] أي: في حفظ روح المتوفَّى؛ بل يحفظونها ويُنزلونها حيث شاء الله عزَّ وجلَّ؛ إن كان من الأبرار ففي علِّيِّين، وإن كان من الفُجَّار ففي سجِّين عياذًا بالله من ذلك" [7] وفي الآية الكريمة دعوة لترك التَّفريط والتَّقصير، وقد ضرب الله تعالى على ذلك مثلًا بالملائكة الكرام فهم لا يُقصِّرون فيما أمرهم الله تعالى به، فكذلك المسلم لا ينبغي له أن يُقصِّر في طاعة الله تعالى وما أمره به من الأوامر، أو نهاه عنه من النَّواهي.

4 - قوله تعالى: {فلمَّا ٱسۡتَيۡـَٔسُواْ مِنۡهُ خَلَصُواْ نَجِيّٗاۖ قَالَ كَبِيرُهُمۡ أَلَمۡ تَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ أَبَاكُمۡ قَدۡ أَخَذَ عَلَيۡكُم مَّوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبۡلُ مَا فَرَّطتُمۡ فِي يُوسُفَۖ فَلَنۡ أَبۡرَحَ ٱلۡأَرۡضَ حَتَّىٰ يَأۡذَنَ لِيٓ أَبِيٓ أَوۡ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ لِيۖ وَهُوَ خَيۡرُ ‌ٱلۡحَٰكِمِينَ} [يوسف: 80] والمعنى: قصَّرتم في حقِّ يُوسف عليه السَّلام بالإهمال والتَّضييع المتعمَّد، وخيانتكم لعهد أبيكم بالتَّفريط المقصود بعد تخطيط وتدبير؛ يقول الرَّازيُّ رحمه الله [8]: "لفظ: (ما) في قوله: {وَمِن قَبۡلُ مَا فَرَّطتُمۡ فِي يُوسُفَ} [يوسف: 80] فيها وجوه: الأوَّل: أن يكون أصله من قبل هذا فرطتم في شأن يوسف عليه السَّلام ، ولم تحفظوا عهد أبيكم. والثَّاني: أن تكون مصدريَّة ومحلُّه الرَّفع على الابتداء وخبره الظَّرف؛ وهو: {وَمِن قَبۡلُ} ومعناه: وقع من قبل تفريطكم في يوسف عليه السَّلام. والثَّالث: النَّصب عطفًا على مفعول: {أَلَمۡ تَعۡلَمُوٓاْ} والتَّقدير: ألم تعلموا أخذ أبيكم موثقكم وتفريطكم من قبل في يوسف. والرَّابع: أن تكون موصولة بمعنى ومن قبل هذا ما فرطتموه أي: قدَّمتموه في حقِّ يوسف من الخيانة العظيمة، ومحلَّه الرَّفع والنَّصب على الوجهين المذكورين" [9] والآية تُبيِّن عاقبة التَّفريط وآثاره؛ فإنَّه يُوصِّل المرء إلى النَّدم والحزن؛ لأنَّه يوقعه في كثير من المشكلات الَّتي كان يظن أنَّه يسلم منها بتفريطه، وفي الآية دعوة إلى ترك التَّفريط.

5 - قوله تعالى: {وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ ‌مَا ‌يَكۡرَهُونَۚ وَتَصِفُ أَلۡسِنَتُهُمُ ٱلۡكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَإنَّهم مُّفۡرَطُونَ} [النحل: 62] والمعنى: أن من اتَّصف بهذه الصِّفات فهو مُضيَّع منسيٌّ في النَّار عقوبة له على ما قدَّم؛ قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم رحمهم الله: "منسيُّون فيها مُضيَّعون" وهذا كقوله تعالى: {فَٱلۡيَوۡمَ ‌نَنسَىٰهُمۡ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوۡمِهِمۡ هَٰذَا وَمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ} [الأعراف: 51] وعن قتادة أيضًا: "مفرطون" أي مُعجَّلون إلى النَّار، من الفرَط: وهو السَّابق إلى الوِرد، ولا مُنافاة لأنَّهم يُعجَّل بهم يوم القيامة إلى النَّار، ويُنسَون فيها أي يخلدون" [10] قلت: وهذا على قراءة: (التَّخفيف مع الفتح) وبها قرأ جميع القرَّاء عدا نافع [11] وأبي جعفر [12] المدنيَّين رحمهما الله؛ قال القاضي رحمه الله [13]: "قرأ نافع وأبو جعفر المدنيَّان رحمهما الله بكسر الرَّاء مع تخفيفها للأوَّل وتشديدها للثَّاني، والباقون بفتحها مخفَّفة" [14] والمعنى على قراءة نافع= مُسرفون على أنفسهم بالخطايا مُكثرون من اقترافها؛ وعلى قراءة أبي جعفر رحمه الله من التَّفريط بمعنى التَّقصير في الطَّاعة والإسراف في المعصية؛ قال الإمام القرطبيُّ رحمه الله [15]: "وقرأ نافع في رواية ورش: {مُّفۡرِطُونَ} بكسر الرَّاء وتخفيفها، وهي قراءة ابن مسعود وابن عبَّاس رضي الله عنهم، ومعناه مسرفون في الذُّنوب والمعصية، أي أفرطوا فيها. يقال: أفرط فلان على فلان إذا أربى عليه، وقال له أكثر ممَّا قال من الشَّرِّ. وقرأ أبو جعفر القارئ: {مُّفۡرِّطُونَ} بكسر الرَّاء وتشديدها، أي مُضيِّعون أمر الله؛ فهو من التَّفريط في الواجب" [16]

6 - قوله تعالى: {وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا} [الكهف: 28] والمعنى: ولا تطع من غفل قلبه عن الإيمان فأشرك واعتدى وظلم وكان سابقًا في التَّجاوز والتَّمادي في الغيِّ؛ وفيه إشارة إلى المشركين الَّذي جالسهم النَّبيُّ ﷺ راغبًا في دعوتهم وهدايتهم، فبيَّنت الآية إنَّه لا سبيل لانتفاعهم بنور الإيمان لما استقرَّ في قلوبهم من معاني الكفر والكبر والعنت؛ فحال بين قلوبهم وأنوارَ الهداية؛ لما هم فيه من ظلم وسبق في الشَّرِّ؛ "وقوله: {وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا} [الكهف: 28] قيل: هو من التَّفريط الَّذي هو التَّقصير، وتقديم العجز بترك الإيمان، وعلى هذا فمعنى: {وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا} أي: كانت أعماله سفهًا وضياعًا وتفريطًا، وقيل: من الإفراط الَّذي هو مجاوزة الحدِّ، كقول الكفَّار المحتقِرين لفقراء المؤمنين: نحن أشراف مُضر وساداتها! إن اتَّبعناك اتَّبعك جميع النَّاس، وهذا من التَّكبُّر والإفراط في القول، وقيل: {فُرُطٗا} أي: قِدمًا في الشَّرِّ من قولهم: فرَط منه أمر أي: سبق، قال الشِّنقيطيُّ رحمه الله [17]: "وأظهر الأقوال في معنى الآية الكريمة عندي بحسب اللُّغة العربية الَّتي نزل بها القرآن أنَّ معنى قوله: {فُرُطٗا} أي: مُتقدِّمًا للحقِّ والصَّواب، نابذًا له وراء ظهره؛ من قولهم: فرس فرط= أي: مُتقدِّم للخيل" [18] وفي الآية نهيٌ عن اتِّباع من يُفرط في الإعراض والتَّجاوز، ويُبالغ في الانحراف عن منهج الله تعالى؛ فإنَّ اتِّباع أمثال هؤلاء مُفسدٌ للفرد والمجتمع، وفيه إشارة إلى ترك صحبة الفسدة؛ لما يترتَّب على صحبتهم من الانحراف والغواية.

7 - قوله تعالى: {قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن ‌يَفۡرُطَ عَلَيۡنَآ أَوۡ أَن يَطۡغَىٰ} [طه: 45] والمعنى: التَّعجيل بالعقوبة لسُرعة غضبه وقوَّة بطشه وطول يده؛ فإنَّ فرعون لا يرعى حرمة ولا ودًّا، فقد ادَّعى الألوهيَّة وجاهر بعداء الله تعالى فما دونه فأهون عليه؛ قال الإمام الطَّبريُّ رحمه الله: "وقوله: {قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن ‌يَفۡرُطَ عَلَيۡنَآ أَوۡ أَن يَطۡغَىٰ} [طه: 45] يقول تعالى ذكره: قال موسى وهارون عليهما السَّلام: ربَّنا إنَّنا نخاف فرعون إن نحن دعوناه إلى ما أمرتنا أن ندعوه إليه أن يَعجَل علينا بالعقوبة، وهو من قولهم: فرط منِّي إلى فلان أمر: إذا سبق منه ذلك إليه، ومنه: فارط القوم، وهو المتعجِّل المتقدِّم أمامهم إلى الماء أو المنزل كما قال الرَّاجز: (قَد فَرَط العِلجُ عَلَينَا وَعَجِل) وأمَّا الإفراط: فهو الإسراف والشَّطط والتَّعدِّي، يُقال منه: أفرطت في قولك: إذا أسرف فيه وتعدَّى. وأمَّا التَّفريط: فإنَّه التَّواني، يُقال منه: فرطت في هذا الأمر حتَّى فات: إذا توانى فيه" [19] وفي الآية الكريمة دعوةٌ للتَّأنِّي وترك الإفراط في شهوة القوَّة بالبعد عن الغضب الَّذي تفسد بسببه العلاقات، وتكثر المشكلات، وفيه النَّهي عن البطش بالصَّالحين من الدُّعاة إلى الحقِّ والفضيلة، وفيه الوصيَّة بدعوة النَّاس وعدم الخوف من عاقبة ذلك؛ فإنَّ الله تعالى مؤيِّدٌ عبده بنصره.

8 - قوله تعالى: {أَن تَقُولَ نَفۡسٞ يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ‌ٱلسَّٰخِرِينَ} [الزمر: 56] ومعنى التَّفريط هنا التَّقصير في العمل المؤدِّي إلى تضييع حدود الله والجرأة على ما حرَّم، وهو نوع من الإسراف وتجاوز الحدِّود في حقِّ الله تعالى نشأ بسبب الغفلة والإعراض والاستهزاء بالشَّرع؛ قال قتادة رحمه الله: "لم يكفه أن ضيَّع طاعة الله حتَّى سخِر من أهلها" [20] وقد نهى الله عزَّ وجلَّ عن السُّخرية والاستهزاء فقال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ‌لَا ‌يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ} [الحجرات: 11] والسُّخرية من الصَّالحين سنَّة أهل الضَّلال عبر الأزمان والعصور؛ قال تعالى: {وَيَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِۦ ‌سَخِرُواْ ‌مِنۡهُۚ قَالَ إِن تَسۡخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ} [هود: 38] ولم يسلم من أذاهم وسخريتهم أحد حتَّى الأنبياء؛ قال تعالى: {وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ ‌سَخِرُواْ ‌مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ} [الأنعام: 10]

ويمكن تلخيص ما سبق من معاني مادَّة: (فرط) في المعاني التَّالية:

1 - التَّضييع وعدم الحفظ.

2 - التَّعجيل بالعقوبة والمؤاخذة.

3 - التَّرك والإهمال للشَّيء.

4 - التَّعدِّي وتجاوز الحدِّ، والإسراف على النَّفس في المعصية.

5 - النِّسيان والإبعاد عن الخير.

خلاصة المعاني لمادَّة الإفراط

وكلُّ هذه المعاني تتَّفق مع مدلول الإفراط؛ فهي إمَّا توصيف لما يكون عليه الإفراط من التَّعدِّي والتَّجاوز، والإسراف على النَّفس في الحرام وسوء توجيه الشَّهوة، وإمَّا توصيف لحال المرء مع الإفراط من التَّضييع والإهمال في حقِّ الله تعالى، وعدم حفظ الأعضاء والجوارح عن الوقوع فيما حرَّمه الله تعالى ونهى عنه، وهذه الحالة تُنبئ عن اتِّصاف المرء بالنِّسيان والبعد عن الخير، بسبب تركه وإهماله لما ينبغي أن يكون عليه، وإمَّا توصيف للآثار النَّاجمة عن الإفراط من التَّعجيل بالعقوبة الَّتي يستحقُّها المرء بفعل الحرام ومبالغة الحدِّ في الإجرام؛ فإنَّ الله تعالى جعل العقوبة لمن خالف أمره وعصاه، وأفرط في شهوته وآذاه؛ فإنَّ الله عزَّ وجلَّ يُحبُّ أن يرى عبده مُقيمًا على طاعته، فإذا أسرف على نفسه بالشُّرود عن منهج السَّماء لقي من العقوبة ما يكون سببًا في إرجاعه إلى الطَّريق، أو انتقامًا منه على ما وقع منه من فساد وإفساد؛ قال تعالى: {فلمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم ‌بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ} [الأنعام: 44] وقال سبحانه: {وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ} [هود: 102] وبهذا يظهر معنى الإفراط، وما يترتَّب على هذه المعاني من علاقة قويَّة تدلُّ على ما سبقت الإشارة إليه، وينتقل الباحث إلى التَّعريف بالشِّق الثَّاني من مصطلحات الدِّراسة.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله