الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

مدارس تدريس التَّجويد

إنَّ النَّاظر إلى المدارس العلميَّة التَّجويديَّة يراها تنقسم إلى ثلاث مدارس:

الأولى: مدرسة التَّلقِّي والتَّلقين: وقد أهملَت جانب التَّنظير والتَّأصيل ومالت بدارسيها إلى جانب التَّطبيق العمليِّ دون أدنى اهتمام بتعليم الدَّارس ما يتعلَّق بالأحكام النَّظريَّة؛ وهذه المدرسة منتشرة في مصر وغالب بلاد المسلمين.

الثَّانية: مدرسة التَّأصيل المطلق: وقد أهملَت جانب الأداء العمليِّ للأحكام، واهتمَّت في الغالب بتعليم الدَّارسين كلَّ ما يتعلَّق بالأحكام التَّجويديَّة من النَّاحية التَّأصيليَّة؛ وهذه المدرسة منتشرة في بلاد الجزيرة العربيَّة، ولها مَن يُمثِّلها في كلِّ مكان.

الثَّالثة: مدرسة الجمع والتَّوسُّط: وقد اهتمَّت هذه المدرسة بالتَّوازن بين التَّأصيل والتَّطبيق؛ فلم تغلِّب جانبًا على الآخر؛ بل سارت في تعليم القرآن الكريم بطريقة الجمع بين النَّظريَّة والتَّطبيق؛ فتراهم يبدءون بشرح الحكم وتأصيله، ثمَّ يربطون التَّأصيل بالتَّطبيق والأداء خطوة بخطوة؛ ليخرج الطَّالب متمكِّنًا في البابين؛ وهذه المدرسة هي الأصل في المدرسة المصريَّة، ولها مَن يُمثِّلها في كلِّ بقعة من الأرض.

ترجيح

وهذه المنهجيَّة الأخيرة أفضل المنهجيَّات في تعليم التَّجويد؛ قال مكيُّ بن أبي طالب القيسيُّ رحمه الله: "وقد وصف من تقدَّمنا - القراء - فقال: "القرَّاء يتفاضلون في العلم بالتَّجويد؛ فمنهم من يعلمه روايةً وقياسًا وتمييزًا؛ فذلك الحاذق الفطن، ومنهم من يعرفه سماعًا وتقليدًا؛ فذلك الوهن الضَّعيف؛ لا يلبث أن يشكَّ ويدخله التَّحريف والتَّصحيف إذ لم يَبن على أصل ولا نقل على فهم، فنقلُ القرآن فطنةً ودرايةً أحسن منه سماعًا وروايةً؛ فالرِّواية لها نقلها، والدِّراية لها ضبطها وعلمها, فإذا اجتمع للمقرئ النَّقلُ والفطنة والدرايةُ وجبت له الإمامة، وصحَّت عليه القراءة؛ إن كان له مع ذلك دِيانة" [1] ويقول أبو عمر الدَّانيُّ رحمه الله: "وقرَّاء القرآن متفاضلون في العلم بالتَّجويد والمعرفة بالتَّحقيق؛ فمنهم من يعلم ذلك قياسًا وتميزًا؛ وهو الحاذق النَّبيّه، ومنهم من يعلمه سماعًا وتقليدًا؛ وهو الغبيُّ الفهيه، والعلم فطنة ودراية آكد منه سماعًا ورواية، وللدِّراية ضبطها ونظمها، وللرِّواية نقلها وتعلُّمها، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء" [2]

جمع بين منهجيَّتين

يمكن أن نعتمد منهجيَّتين من المنهجيَّات السَّابقة في تعليم التَّجويد باعتبارين مختلفين؛ فمع الأطفال الصِّغار الذين لا يُجدِي معهم التَّأصيل يمكن أن نعتمد منهجيَّة التَّلقين؛ لإتقان الأداء العمليِّ أوَّلًا، ثمَّ الأداء العلميِّ بعد ذلك؛ فلابدَّ من تعلُّم الأحكام النَّظريَّة بعد بلوغه؛ لتثبيت الأحكام العمليَّة، ومع طلَّاب العلم والنَّابهين من الدَّارسين نعتمد منهجيَّة التَّأصيل العلميِّ؛ للتَّدرُّج معهم إلى إتقان الأداء العمليِّ، فتختلف المنهجيَّة العلميَّة باختلاف شريحة الدَّارسين ومستوياتهم العمريَّة والعقليَّة والتَّعليميَّة، مع رعاية الفروق الفرديَّة بينهم.

بيان مناهج العلماء في تدريس التَّجويد

بالنَّظر في طريقة علماء التَّجويد من أصحاب المدرستين الأخيرتين ندرك أنَّهم يعتمدون في تدريس الأحكام التَّجويديَّة بمنهجيَّة لا تخرج عن ثلاث منهجيَّات:

الأولى: البدء بمخارج الحروف وصفاتها؛ لأنَّ إتقان هذين البابين يضبط لسان القارئ، ويمكِّنه من الأداء الصَّحيح للحروف مفردة، ثمَّ يأتي دور الأحكام التَّركيبيَّة فيُضبط الأداءُ التَّركيبيُّ للحروف؛ وبهذا المنهج أخذ الإمام ابن الجزريِّ في مقدِّمته؛ حيث بدأ بالمخارج ثمَّ الصِّفات ثمَّ ما ترتَّب على الوصل من أحكام، وكذلك السَّخاويُّ حيث تناول الحروف مخرجًا ووصفًا.

الثَّانية: البدء بالأحكام التَّركيبيَّة؛ كأحكام النُّون والميم واللَّامات السَّواكن، والمدود ومقاديرها ونحو هذا؛ تيسيرًا على الدَّارسين، والبدء معهم بالأسهل فالسَّهل، والتَّدرُّج إلى الصَّعب فالأصعب، ولكثرة ذكر الأحكام التَّركيبيَّة في المقطع القرآنيِّ، أو من باب الاعتماد على تمكُّن الدَّارس من الأبواب الأخرى - ولو أداءً - فيُقدِّمون ما يحتاج إليه الدَّارس على الفور حرصًا على إفادته؛ وبهذا المنهج أخذ الإمام الجمزوريُّ في تحفته رحمه الله.

الثَّالثة: رعاية مستوى الدَّارس وإشباع حاجته؛ وذلك من خلال إجراء اختبار لتحديد مستواه العلميِّ مع تحديد المسائل التي يحتاج إليها، ومن ثمَّ يتمُّ تناولها بالبحث والمدارسة؛ اعتمادًا على إتقانه لبقيَّة الأحكام، واستثمارًا للأوقات واستغلالًا للأعمار في تتميم العلم؛ إذ لا فائدة من إعادة المعلوم؛ لأنَّه تحصيل حاصل، وبهذا المنهج أخذ الإمام الخاقانيُّ في الرَّائيَّة؛ فلم يذكر سوى ما غلب على الطُّلَّاب الحاجة إليه.

ويمكن أن صياغتها بصورة أخرى:

يعتمد العلماء منهجيَّة من ثلاث في تدريس الأحكام التَّجويديَّة:

الأولى: منهجيَّة القدماء؛ وهي التي تبدأ بدراسة الحرف مفردًا؛ من خلال دراسة مستفيضة لباب مخارج الحروف والصِّفات؛ وحجَّتهم في هذا أنَّ البدء بتدريس هذا الباب يجعل النُّطق بالحرف العربيِّ صحيحًا؛ وهذا هدف مطلوب لذاته؛ ويمثِّل الإمامان علم الدِّين أبو الحسن السَّخاويُّ، وأبو الخير ابن الجزريِّ رحمهما الله هذه المنهجيَّة.

الثَّانية: منهجيَّة المتأخِّرين؛ وهي التي تبدأ بدراسة الأحكام التَّركيبيَّة النَّاشئة عن التقاء الحروف ببعضها؛ كدراسة أحكام النُّون والميم واللَّامات السَّواكن، والمدود، ونحوها من الأحكام التَّركيبيَّة التي تضبط الأداء؛ وحجَّتهم فيه أنَّ الدَّارس سوف يدرس المخارج والصِّفات في أثناء دراسته للأحكام التَّركيبيَّة؛ ويمثِّل الإمام الجمزوريُّ رحمه الله هذه المنهجيَّة.

الثَّالثة: منهجيَّة الأوَّلويَّات؛ وهي التي تُعنى بتدريس أحكام التَّجويد بعد النَّظر في حال الدَّارس من أجل تحديد ما تشتدُّ الحاجة إليه؛ فأمَّا الأعاجم وضِعاف التَّهجِّي من العرب فيبدءون معهم بالمخارج والصِّفات، وربَّما بأشكال الحروف والحركات، وأمَّا العرب المجيدون للتَّهجِّي ولكنتهم صحيحة فيرون أنَّه لا حاجة ملحَّة إلى تدريسهم المخارج والصِّفات في البداية؛ فيبدءون معهم بالأحكام التَّركيبيَّة، ثمَّ يعطفون عليها ما بعدها.

وبكلِّ هذه المنهجيَّات أخذ العلماء، والمجال كلُّه بالاجتهاد، فلا يُحجر على أحد، ولا يُلزَم أحد بمنهجيَّة؛ فمقصد الجميع تيسير تعليم التَّجويد للمسلمين؛ للوصول إلى ثقافة جماهيريَّة تجويديَّة تمكِّن النَّاس من قراءة القرآن الكريم قراءة صحيحة تصل بالجميع إلى تحصيل الفوائد الإيمانيَّة من مجالس القراءة؛ ليتحقَّق الثَّواب الأكبر والفهم الأغزر، وعلى هذا المنهج أسير في هذا الشَّرح وأسأل الله تعالى التَّوفيق والسَّداد.


(1) يُنظر: الرِّعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التِّلاوة، لمكِّيِّ بن أبي طالب القيسيِّ (ت:437ه)، تحق: فريق البحث العلميِّ بمكتب قرطبة، مؤسَّسة قرطبة، ط: (1/2005م) ص: (39).

(2) التَّحديد في الإتقان والتَّجويد، لأبي عمرو الداني، تحق: د. غانم قدوري الحمد، مكتبة دار الأنَّبار بغداد، ط: (1/1407=1988م) ص: (69).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله