الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

بين تيه اليهود وتيه المسلمين

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف المرسلين.

وبعد: فإنَّ عقوبة التِّيه التي ضربها الله تعالى على بني إسرائيل كانت من أجل التَّربية والتأديب لا الانتقام والتَّعذيب؛ فقد رزقهم الله تعالى في هذه الفترة ما يضمن لهم حياة مستقرَّة؛ قال تعالى: {وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡغَمَامَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمُ ‌ٱلۡمَنَّ ‌وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ} [البقرة: 57] وقال سبحانه وتعالى: {وَإِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ فَقُلۡنَا ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنفَجَرَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۖ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ مِن رِّزۡقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ} [البقرة: 60] ولطول لبثهم في مِصر تحت حكم الفرعون الذي سامهم سوء العذاب ونزع الكرامة منهم بإذلالهم واستضعافهم، خرج جيل ضعيف مهزوز لا يملك القدرة الجسديَّة التي تُمكِّنهم من دخول الأرض المقدَّسة، ولا القوَّة الإيمانيَّة التي تحملهم على توحيد القصد لله تعالى ونبذ عبادة الأوثان والأصنام، ولا الثَّقة النَّفسيَّة التي تجعلهم قادرين على أخذ القرار الصَّحيح والسَّير في كنَف موسى عليه السَّلام إلى الأرض المقدَّسة، كلُّ هذه العوامل جعلت من هذا الجيل نموذجًا للرَّجل الضَّعيف من كلِّ جانب، فلا يمكن الاعتماد عليه في تحرير أرض، أو تطهير مقدَّس، أو جهاد عدوٍّ، أو القيام بالدِّين، فكان حكم الله تعالى عليهم بالتِّيه في أرض سيناء لمدَّة أربعين سنة حتى يهلك جيل الجُبن والضَّعف والمعصية، ويخلُف جيل صالح لقيادة الأمَّة، وهو ما تحقَّق في مدَّة الأربعين حيث ولد في زمن المحنة والعقوبة جيل ربَّاه موسى عليه السَّلام تربية صالحة وأعدَّهم إعدادًا نبويًّا لتحمُّل المسئوليَّة من بعده، وهذا الجيل لم ير أحداث مصر ولا مجريات قصَّة بني إسرائيل في مرحلة ما قبل التِّيه، وإنَّما وُلِد مع العقوبة وكبُر وترعرع في عهد نبيِّ الله موسى عليه السَّلام، وكان منهم فتاه المقرَّب يوشع بن نون عليه السَّلام والذي أصبح نبيًّا وقائدًا لبني إسرائيل من بعده، وورث النُّبوَّة في بني إسرائيل من بعد موسى عليه السَّلام.

تيه الأمَّة الإسلاميَّة

وهذه العقوبة التي حصلت لبني إسرائيل بالتِّيه الحسِّيِّ والمعنويِّ بأن تاهوا عن الأرض المقدَّسة حسًّا فلم يدخلوها، ومعنًى بأن زاغت قلوبهم عن الحقِّ والهداية؛ قال تعالى: {فَلَمَّا ‌زَاغُوٓاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ} [الصف: 5] ولعلَّ التِّيه المعنويَّ قد أصاب الأمَّة الإسلاميَّة في هذه الأجيال، فنتج عنه ضعف واستضعاف وتكالب أمم الكفر، وشرود جُلِّ أبنائها عن الحقِّ والهداية والاستقامة، وطول زمن الاستضعاف حتى قارب الثَّمانين سنة= ما يعني أن جلين قد فنيا فيه، ولا يُمكن الخروج من هذا التِّيه حتَّى يُربَّى النَّشء على معاني العزَّة والكرامة والإباء والإيمان والصَّلاح والاستقامة، فلا سبيل لتحرير المقدَّسات من طريق المفاوضات والخنوع والذُّلِّ والانكسار والانتظار والاسترحام، وإنَّما لابدَّ من قوَّة للحقِّ تنصره وتُدافع عنه، وهذا يكون بتقوية الثِّقة في الحقِّ والإيمان بالله تعالى، والعمل الجادِّ على إحياء الجهاد في سبيل الله تعالى لتحرير الأوطان وتخليص المقدَّسات من أيدي عدوِّ الله تعالى والأنبياء والصَّالحين والبشريَّة وأنفسهم.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله