الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

تعريف الشَّهوة لغة واصطلاحًا

أولًا: معنى الشَّهوة في اللُّغة:

الشَّهوة مفردة تُجمع على شهوات، وأشهِية، وشُهًا؛ "والشَّهوة كما تُجمع على: (شهوات) تُجمع على: (أشهية) كما في المصباح، وعلى: (شُها) كغرف" [1] ويُوصف بها العاقل وغير العاقل؛ قال ابن فارس رحمه الله: "(شَهو) الشين والهاء والحرف المعتلُّ كلمة واحدة، وهي الشَّهوة، يقال: رجل شَهوَان، وشيء شَهيٌّ" [2].

وتُطلق الشَّهوة أحيانًا ويُراد بها القوَّة النَّفسانيَّة الرَّاغبة فيما يُشتهَى [3] وتُطلق ويُراد بها معانٍ؛ منها:

1 - حبُّ الشَّيء والرَّغبة فيه؛ قال ابن منظور رحمه الله: "وشهي الشَّيء وشَهاه يَشْهاه شهوة، واشتَهاه وتَشَهَّاه: أحبَّه ورغِب فيه؛ ومنه قوله تعالى: {وَحِيلَ ‌بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ مَا يَشۡتَهُونَ} [سبأ: 54]" أي يرغبون فيه. [4]

2 - قبول الطَّعام بلا عناء؛ فالشَّهوة: قبول الطَّعام بارتياح، وهي هنا بمعنى الشَّهيَّة: وهي انفتاح النَّفس لفعل الشَّيء، وهذا المعنى مستخدم في الطِّبِّ. [5]

وخلاصة التَّعريفات المعجميَّة للشَّهوة تدور حول معنى:

الرَّغبة الشَّديدة لما يُشتَهى من الملذَّات؛ النَّاشئة عن الحاجة، سواء كانت الحاجة مشروعة؛ كالطَّعام والشَّراب، وجماع الزَّوجة، أم كانت ممنوعة؛ كالسَّرقة، والزِّنا؛ قال الرَّاغب رحمه الله [6]: "أصل الشَّهوة: نزوع النَّفس إلى ما تريده، وذلك في الدُّنيا ضربان: صادقة، وكاذبة، فالصَّادقة: ما يختلُّ البدن من دونه كشهوة الطَّعام عند الجوع، والكاذبة: ما لا يختلُّ من دونه، وقد يُسمَّى المشتَهَى شهوة، وقد يُقال للقوَّة الَّتي تَشتهِي الشَّيء: شهوة" [7] فالشَّهوة بناءً على هذه المعاني: (قوَّة في النَّفس نحو فعل شيء مرغوب فيه).

ثانيًا: الشَّهوة في الاصطلاح:

لقد عُرِّفت الشَّهوة في الاصطلاح بتعريفات كثيرة، منها:

1 - تحرُّك النَّفس نحو ما يناسبها؛ فإنَّ النَّفس حين تهوى شيئًا تطلبه وتتحرَّك نحوه عن طريق بذل الأسباب كافَّة من أجل الوصول إليه؛ "فالشَّهوة حركة النَّفس طلبًا للملائم" [8] فالشَّهوة تحتاج إلى شعور المرء بالحاجة لشيء ما، فأوَّلها شعور بالحاجة، ثمَّ أخذ بأسباب الوصول إليه، ثمَّ تلبُّسٌ بالفعل الَّذي رغبت النَّفس في فعله أو الحصول عليه, وقد تُخطئ النَّفس في الميل إلى شيء ليس في صالحها؛ فالشَّهوة تُعمِي وتُصِمُّ، فلا يتمكَّن المرء من التَّفكير والتَّدبير إذا تحكَّمت فيه الشَّهوة؛ كميل الإنسان إلى فعل الحرام بمواقعة امرأة لا تحلُّ له؛ فحركة النَّفس نحو الزِّنا= خاطرة، وسلوكها كافَّة الطُّرق لتحصيلها= سبب، والوقوع في الفعل المحرَّم= نتيجة، وكلُّ شهوة تمرُّ بهذه الخطوات حتَّى تتحقَّق على أرض الواقع، فإذا اكتفى المرء بالخاطرة ولم يسع لتنفيذها فهذا من الهمِّ دون الفعل؛ وصاحبه مأجور بسبب ترك الشَّهوة إذا كانت محرَّمة؛ وفيه قال النَّبيُّ ﷺ: «ومن همَّ بسيِّئة فلم يعملها كتبها الله له عنده ‌حسنة ‌كاملة، فإن هو همَّ بها فعملها كتبها الله له سيِّئة واحدة» [9] فإن كان الهمُّ في مباح فتركه فلا شيء عليه ولا له.

وقد نوقش هذا التَّعريف: بأنَّ الحركة في قولهم: (حركة النَّفس) قيد غير جامع؛ لأنَّ من الحركات ما يكون بدون رغبة أو ميل، وإنَّما لمجرَّد الحركة الَّتي قد تُفرض عليه؛ فمُتعاطِي المخدِّر من أجل الإدمان حركة نفسه نحو المخدِّرات متحقِّقة، لكنَّ الَّذي يتناوله من أجل التَّداوي لا تتحرَّك نفسه إليه، فليس شهوة يسعى إليه راغبًا سعيدًا، وإنَّما أُرغم عليها بالمرض.

2 - مُيول النَّفس نحو ما تريد ممَّا لا غنى لها عنه؛ فإنَّ الحاجة حين تضرب النَّفس وتشعرها بضرورة تحصيلها، تميل النَّفس إلى فعلها، سواء قدرت عليه أولا؛ قال الرَّاغب رحمه الله: "أصل الشَّهوة: نزوع النَّفس إلى ما تريده" [10] وقال الإمام المناويُّ رحمه الله [11]: "نزوع النَّفس إلى محبوب لا تتمالك عنه" [12] فكلُّ ما لا يستطيع المرء أن يعيش من غيره فهو من الشَّهوة الَّتي يسعى المرء لتحصيلها والتَّعرُّض لأسبابها؛ لما يترتَّب على فقدها من الشُّعور بالألم النَّفسيِّ أو الجسديِّ؛ كالحاجة إلى الطَّعام والشَّراب، أو الزَّواج لمن لا يقدر على العزلة أو البعد عن النِّساء ممَّن قويت شهوته الجنسيَّة؛ فإنَّه يسعى لفعلها بأيِّ وسيلة؛ فإن حصَّل الشَّهوة من مسار حلال كانت له الرَّاحة والأجر معًا، وإن سلك طريق الحرام كانت له الرَّاحة المؤقَّتة الَّتي يتبعها ندم وشعور بالحسرة.

ونوقش هذا التَّعريف: بأنَّ عدم التَّمالُك في قولهم: (لا تتمالك عنه) ليس مطَّردًا في كلِّ شهوة ومع كلِّ مشتهِي؛ فقد يُشتهَى ما يُمكن تركُه والبُعد عنه، وقد يَشتهِي المشتهِي ما يتمكَّن من التَّوقُّف عن اشتهائه وطلبه لقوَّة إرادته، ولو كانت الشَّهوات لا تتمالك النَّفس عنها لما تمكَّنت النَّفس من تغيير كثير من عاداتها الشَّهوانيَّة، ولكانت مُلازمةً للإنسان؛ لكنَّها تقوى في مرحلة مُعينَّة، وبيئة مُعينَّة، وظروف مُعينَّة، وتضعُف بعد زوال أسبابها ودواعيها؛ فالشَّابُّ في مرحلة مُراهقته شديد الميل إلى شهوة الجنس والقوَّة؛ لتوافر الدَّواعي من رغبة النَّفس، وحصول القوَّة البدنيَّة الَّتي تُعينه على غشيانها، بينما تتلاشى هذه الرَّغبة بعد الحصول عليها، أو كبر السِّنِّ واستواء العقل؛ فدلَّ ذلك على أنَّ وصف عدم التَّمالك في الشَّهوة ليس مُطَّرِدًا.

وقولهم في التَّعريف: (إلى محبوب) قيد غير مُطَّرد في كلِّ شهوة؛ فمن الشَّهوات ما يقع لحصول إدمان واحتياج الجسد إليه قهرًا لا حبًّا؛ كالمتعاطي للمخدِّرات والمسكرات تحت وطأة الإدمان الَّذي يُضعِف النَّفس بسبب تعوُّد العقل على تعاطيه، فلا تتحقَّق المحبَّة للمتعاطي؛ فالهدف تحقيق ما طلبته النَّفس للتَّخلُّص من ألمٍ نفسيٍّ أو عقليٍّ أو بدنيٍّ، فليس شرطًا في الشَّهوة أن تكون: (إلى محبوب) ويُمكن أن تُستبدَل بـ: (إلى شيء) لإخراج قيد المحبَّة من التَّعريف؛ لعدم اطِّراده مع الشَّهوة ومُشتهيها.

3 - اشتياق النَّفس إلى الشَّيء وميلها إليه؛ قال العسكريُّ رحمه الله [13]: "توقان النَّفس وميل الطِّباع إلى المشتهَى" [14] وقال الحمويُّ رحمه الله [15]: "اشتياق النَّفس إلى الشَّيء" [16] فالشَّهوة رغبة قويَّة في النَّفس تجذبها لفعل شيء مُعيَّن؛ فهي قوَّة نفسيَّة تُؤدِّي إلى رغبةٍ شديدةٍ لشيء ما؛ ويشترك فيها الجميع؛ فالنَّاس مطبوعون على الميل إليه، فيتَّفقون في شوق النَّفس نحوه، مع السَّعي في تحصيله.

ونوقش هذا التَّعريف: بأن الاشتياق أعلى وأخصُّ من الميل الَّذي تحصل به الشَّهوة، فكان التعبير بالأعلى عما يدخل فيه ما هو أقل منه ضرب من المبالغة في التَّعريف تجعله غير جامع لجميع ما يتعلَّق بالمعرَّف من مفردات؛ فالميل قد يحصل للمشتاق ولغيره؛ لأنَّه فطريٌّ طُبع النَّاس عليه، فليس شرطًا في الشَّهوة أن يكون للمشتهِي شوق إليها، بل قد يكون مجرَّد الميل إلى الفعل، أمَّا الشَّوق فيحصل للبعض نحو بعض الشَّهوات، ولا يحصل للجموع نحو مجموع الشَّهوات؛ فقد يميل المرء لفعل شيء دون شوق، وكأنَّه يُكره نفسه عليه من أجل مقصد أسمى من الفعل ذاته؛ ومن ذلك ما ثبت عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه قال: «إنِّي لأكره نفسي على الجماع كي تخرج منِّي ‌نسمة تسبِّح الله تعالى» [17] فمقصوده الأعظم من الجماع= بقاء النَّسل ليقوم بواجب العبوديَّة.

ونوقش قولهم: (توقان النَّفس) بأنَّ التَّوقان أعلى من الشَّوق، والشَّوق أعلى من الميل الَّذي يتحقَّق بأقلِّه وأكثره معنى الشَّهوة، فكان التَّعبير بـ: (التَّوقان) غير جامع؛ لما فيه من المبالغة وعدم الاطِّراد في كلِّ شهوة، ومع كلِّ مشتهِي.

خلاصة التَّعريفات الاصطلاحيَّة:

وبعد هذه المناقشة للتَّعريفات تبيَّن أنَّها اشتملت على عيوب في التَّعريف تردُّها؛ ففيها قيود غير جامعة، وغير مانعة، وفي بعضها زيادة في التَّعريف يُستغنى عنها، والتَّعريف المختار للشَّهوة: "ميل النَّفس إلى المستلذات" [18] [حاجة وعلاجًا] فدخل فيه كلُّ ما تستلذُّه النَّفس ممَّا جُبلت على طلبه وحاجته لاستقامة حياته، أو ممَّا تحتاجه النَّفس من باب المعالجة، فهي شاملة لجميع أنواع اللَّذات، سواء كان المستلذُّ مُتعلِّقًا بالفرج، أو بالبطن، أو بالعقل، ونحوها، وسواء كان لغرض المعالجة أو التَّداوي فلا يكون مُستلذًّا؛ فالممنوع مرغوب والعكس، ويخرج بها الأمور غير المستلذَّة [19] إذا لم تكن لحاجة أو علاج، فإذا كان للعلاج فهو أيضًا مما يُستلذُّ؛ باعتبار طلبه من أجل ما يُستلذُّ من القوَّة والصِّحَّة والعافية.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله