العلاج البعديُّ للإفراط في الشَّهوات
خامسًا: معرفة الآثار السَّيِّئة المترتِّبة على الإفراط في الشَّهوات.
إنَّ العلم بعواقب الفعل من خلال النَّظر إلى ما بعد المعصية من أعظم أسباب المعالجة، فمجرَّد التَّفكير في آثار الذُّنوب والمعاصي على الفرد والمجتمع كفيل بإطفاء نار الشَّهوة، وردِّ جموح النَّفس، وإيقاف فيضان المعصية؛ فالنُّصوص الشَّرعيَّة والمشاهد المجتمعيَّة مُتضافرة في بيان الآثار الوخيمة الَّتي تترتَّب على الإفراط في الشَّهوات بانحرافها عن مسارها الصَّحيح، ويكفي أن يستنطق المرء النَّصَّ والتَّاريخ ليُحدِّثانه بما يبغِّض إليه المعصية، ويصرفه عن التَّلبُّس بها؛ لئلَّا يقع له من المفاسد والمثالب ما يُعكِّر صفو حياته، ويُفسد عليه لذَّة عيشه، ويُعرِّضه للعقوبات المتتالية، فينتج عن معرفته بالآثار والنَّتائج ما يمنعه من التَّمادي في طريق الإفراط.
المعاصي سبب هلاك المجتمعات
لقد كانت المعصية ومازالت سببًا من أسباب هلاك الأفراد والمجتمعات؛ فما أهون الخلق على الله تعالى إذا هم عصوه وعاندوه! قال تعالى: {كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} [آل عمران: 11] وقال تعالى: {أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ} [الأنعام: 6] وقال سبحانه: {فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِ حَاصِبٗا وَمِنۡهُم مَّنۡ أَخَذَتۡهُ ٱلصَّيۡحَةُ وَمِنۡهُم مَّنۡ خَسَفۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ وَمِنۡهُم مَّنۡ أَغۡرَقۡنَاۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ} [العنكبوت: 40] وقال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمۡدَمَ عَلَيۡهِمۡ رَبُّهُم بِذَنۢبِهِمۡ فَسَوَّىٰهَا} [الشمس: 14] فقد أهلكت المعصية أممًا كثيرة، فالهلاك من لوازمها، والخراب من توابعها، والعاقبة الوخيمة مصاحبة لها، ومع كلِّ معصية تتجدَّد العقوبات، وبكثرة المعاصي تزيد المؤاخذة؛ قال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ} [هود: 102] فالعاقل من تدبَّر العواقب، وأدمن النَّظر في الآثار والمثالب، فدفعه نظره ومعرفته إلى هجر الحرام، ومُخاصمة الآثام، ففي ذلك نجاة الجميع.
المعاصي سبب هلاك المجتمعات
إنَّ من آثار المعصية الَّتي يجب أن يتذكَّرها المرء قبل مُباشرة المعصية أنَّها تُفسد البيئة الَّتي يعيش فيها الإنسان؛ فالتَّعدِّي على الحرمات والإسراف في المعاصي لا تقف آثاره الوخيمة عند فساد الفرد، بل تتعدَّاه إلى المجتمع بكلِّ مظاهره، فيتأذَّى من المعصية البشر والحجر والشَّجر؛ قال تعالى: {ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ} [الروم: 41] وفي الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ مُرَّ عليه بجنازة، فقال: «مُستريح ومُستراح منه» قالوا: يا رسول الله، ما المستريح والمستراح منه؟ قال ﷺ: «العبد المؤمن يستريح من نصَب الدُّنيا وأذاها إلى رحمة الله، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشَّجر والدَّوابِّ» [1] فمن النَّاس من يستريح بموتهم كلُّ مَن حولهم، بسبب ما يصدر عنهم من ظلم وإيذاء واعتداء على كلِّ شيء، فلم يتركوا أحدًا إلَّا بلغه أذاهم ولحقه ظلمهم، فضربوا، وشتموا، وسرقوا، وقتلوا، وزنوا، وأرهبوا، وأرعبوا، وقطعوا، وحرَّقوا، ولم يبق شيء إلَّا تأثَّر بإفراطهم في شهواتهم؛ فهؤلاء تستريح منهم المخلوقات.
معرفة الآثار حامل على الانكسار
إنَّ إدراك نتائج وآثار المعصية يُحدِث في النَّفس أثرًا يبعث الخوف من الإقدام أو الاستمرار، فيتوقَّف المرء عن البدء في فعل المعصية، أو الاستمراريَّة في اقترافها؛ فمن عرَف أنَّ من آثار القتل وقوع العداوات، وانتشار البغضاء، وتفشِّي الجريمة، وسقوط الضَّحايا، والقتل بالقصاص، وتوقيع أشدِّ العقوبات الشَّرعيَّة والقانونيَّة، وخراب المجتمع، وفساد المستقبل، وترمُّل النِّساء، ويُتم الأولاد، وغضب الله، وإشاعة الفاحشة في النَّاس، وترويع الآمنين، والحرمان من الميراث إذا قتل والده، فإنَّ هذا يضمن إعراضه عن القتل ليبحث عن طريقة أخرى للتَّعبير عن شعوره.
ومن عرَف أنَّ من آثار السَّرقة انتزاع الأمن والأمان، واستلاب حقوق النَّاس، ووقوع العقوبة الشَّرعيَّة بالقطع، أو القانونيَّة بالحبس والسَّجن، أو العرفيَّة بردِّ الشَّيء لأصحابه، مع فساد العلاقات بين السَّارق ومن تعدَّى عليه، واشتهار السَّارق بين النَّاس بالإجرام وسيِّئ الخصال وقبيح الأوصاف، وضياع مستقبله بسبب تأثُّر سمعته بما اقترفته يداه من السَّرقة، ونحو هذا من الآثار المترتِّبة على التَّمادي فيها، حينها سيُراجع نفسه كثيرًا قبل ارتكاب هذه المعصية.
(1) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: (الرقاق) باب: (سكرات الموت) برقم: (6512) وما بعدها، ومسلم في صحيحه، كتاب: (الجنائز) باب: (ما جاء في مستريح ومستراح منه) برقم: (950) واللفظ واحد عندهما.