الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

مكانة حفظ القرآن في الأعمال

إنَّ حفظ القرآن الكريم واستيعابه في الصَّدر ليس حدثًا عاديًّا عابرًا يمرُّ مرور الكرام كخبر إعلاميٍّ أو ترويجيٍّ لمشروع أو برنامج، بل هو حدث استثنائيٌّ تُبذل في مثله الأعمار والسُّنون، وتُقضي في سبيل تحقيقه الجهود والعيون، فهنيئًا لبرنامج مكنون وللمدرسة القرآنيَّة الوقفيَّة بالرُّستاق، وهنيئًا للحفَّاظ بما تحقَّق من إنجاز يُروى ولا يُطوى، ويُشكر عليه الأعلى والأدنى، ويُهدى لأمَّتنا الميمونة العريقة.

البدايات كاشفات للنِّهايات

إنَّ النَّاس دائمًا ينظرون إلى النَّتائج والنِّهايات، ويُهملون البحث في الأثناء والبدايات، وكلَّها ألم وعناء، ومشقَّة وابتلاء، يتقلَّب فيها الحافظ بين مرض وصحَّة، وإدبار وإقبال، وسفر وإقامة، وانشغال وفراغ، وفتور وهمَّة، وألم وأمل، وجوع وشبع، وحزن وفرح، وهبوط وارتقاء، ونسيان وحفظ، فيقع من بعض النَّاس الحسد للحفَّاظ وهم لا يعلمون حجم المجهود المبذول؛ فإليهم أقول: كفُّوا أعينكم عن الحفَّاظ والعلماء، واتركوهم يجتهدون في خدمة الدِّين فهم يُسقطون فروض الكفايات، وإن كنت لابدَّ فاعلًا فالغبطة المحمودة.

ماذا يعني تخريج دفعة قرآنيَّة تحفظ كتاب الله تعالى؟

1 - تجديد الدِّماء في عروق الأمَّة من جديد، فما زالت الأمَّة معطاءة، جيل يستلم الرَّاية من جيل، وهذا مؤشِّر خير يُفيد أنَّ الأمَّة مازالت تنبض بالحياة، فسيأتي على النَّاس زمان لا يقرءون فيه القرآن الكريم حتى يُرفع من صدورهم وسطورهم، والحديث عند ابن ماجه من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "يُدرس الإسلام كما يُدرس وَشْي الثَّوب، حتى ما يُدرى ما صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا نسك، وليسرى بكتاب الله تعالى في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية" [1] فبقاء الحفَّاظ دليل خير أنَّ الأمَّة مازالت بخير.

2 - تدفُّق جهود المصلحين من العلماء والرَّبَّانيِّين القائمين على إصلاح الجيل، وأنَّها قد آتت ثمارها المرجوَّة مع ما يعيشه النَّاس من محاولات مستميتة من أجل زعزعة الإيمان، وتهميش العقول، وصرفهم عن القرآن الكريم، فيأتي هذا الحدث بتحريج ثلَّة مباركة من الحفَّاظ معتنين بالحفظ والفهم والمدارسة والعمل ليُبرِز على السَّاحة قول الله تعالى: {وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا} [الإسراء: 81] وقوله تعالى: {بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞۚ} [الأنبياء: 18]

3 - بقاء سلسلة رواية القرآن الكريم بالأسانيد الصَّحيحة في هذه الأمَّة، فما زال الاتِّصال في الأسانيد القرآنيَّة مستمرًّا إلى يوم النَّاس برسول الله ﷺ، وهذا دليل حجَّة وقوَّة لهذا الدِّين العظيم، فمصادره ما زالت تُروى بلا انقطاع أو تفكُّك كما وقع لكتب أهل الكتاب من التَّحريف والتَّزييف؛ ليتحقَّق بذلك قول الله تعالى: {إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ} [الحجر: 9]

4 - أنَّ ثلَّة صالحة من أبناء هذه الأمَّة الميمونة ما زالت تقف على الثُّغور لحماية الدِّين من الدَّخيل والموضوع والمدسوس؛ احفظ الدِّين على الأمَّة، ثلَّة قد انتدبت نفسها شرطة للموت لا يُؤتى الدِّين من قِبلها، ولا تسقط الرَّاية في زمنها، وشعارها: "أيُخلص إلى كتاب الله تعالى وأنا حيٌّ؟!" وبذلك يتحقَّق معنى الاصطفاء المذكور في قوله تعالى: {ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ} [فاطر: 32] وتظهر الخيريَّة المرادة في قول النَّبيِّ ﷺ: "خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه" [2]

5 - تكثير سواد الصَّالحين، وصرف أنظار النَّاس عن متابعة سفاسف الأمور، وتعميم الحكم بخراب الأجيال، فمازال هناك القابض على الجمر، الذي يشتغل بكتاب الله حين أعرض عنه سواه.

ماذا بعد حدث التَّخرُّيج وحفظ القرآن الكريم؟

1 - إقبال المسئولين عن هذا البرنامج وغيره لتخريج غيرهم تكثير سواد الصَّالحين في الأمَّة.

2 - اعتناء الحفَّاظ بديمومة المراجعة وتعهُّد القرآن الكريم بالمتابعة بالأوراد والقراءة لئلَّا يُنسى.

3 - توجيه الحفَّاظ إلى إتقان العلوم الخادمة للنَّصِّ الشَّريف من نحو وبلاغة وتفسير ووقف وقراءات.

4 - العمل على تتميم مستوى الحفَّاظ بتعلُّم التَّجويد والبدء الفوريِّ في قراءة ختمة متقنة على مجيز.

5 - دفع هؤلاء الحفَّاظ إلى التَّعليم، وتغذية الميدان القرآنيِّ بالجنود العاملين لهذا الدِّين لنقل الخير.

6 - العناية بتطبيق القرآن الكريم ومعايشته بالعمل وفق هديه وتوجيهاته لتحويله إلى واقع معيش.

7 - سعي الحفَّاظ في إصلاح المجتمع من خلال الدَّعوة إلى القرآن الكريم بالأخلاق والعمل قبل الكلام.

أيُّها الحفَّاظ، اخرجوا إلى الدُّنيا بجميل أخلاقكم، وجليل ثباتكم، وعظيم صلاحكم، ليرى منكم النَّاس القدوة الصَّالحة، والأسوة العاملة، كونوا قرآنًا يمشي على الأرض كما كان نبيُّكم، اشهدوا لقرآنكم شهادة حقٍّ وصدق ويقين وإيمان؛ ليهدي الله بكم من الضَّلالة قلوبًا غلفًا، ويُبصِّر بكم من الغواية أعينًا عميًّا، ويُسمع بكم من اللَّغو وصخب الواقع آذانًا صمًّا، والشُّكر موصول للكرام القائمين على هذا البرنامج.


(1) صحيح: أخرجه ابن ماجه في سننه، أبواب: (الفتن) باب: (ذهاب القرآن والعلم) برقم: (4049).

(2) صحيح: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (فضائل القرآن) باب: (خيركم من تعلَّم القرآن) برقم: (5027).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله