منهجيَّات مراجعة الأحزاب القرآنيَّة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف المرسلين.
وبعد: فهذا بيان لبعض المنهجيَّات والطُّرق في مراجعة القرآن الكريم لمن أراد أن يختار منهجًا منها لاعتماده في مراجعة حزبه القرآنيِّ، وكلُّ منهج منها له من العلماء من علم به أو عمل، وبيانها كالتَّالي:
المنهجيَّة الأولى: تحزيب السَّلف الصَّالح:
وفيها يتمُّ تقسيم سور القرآن الكريم على مدار الأسبوع ليكون نصاب اليوم الأوَّل والثَّاني خمسة أجزاء؛ أي بمعدَّل عشرة أجزاء في اليومين، ونِصاب اليوم الثَّالث إلى السَّابع قرابة أربعة أجزاء؛ أي بمعدَّل عشرين جزءًا في الأيَّام الخمسة الباقية، فيختم الحافظ في سبعة أيَّام وقد رمز لها العلماء بقولهم (فمي بشوق( وهو أكملها وأعدلها، وبيانها كما يلي:
1 - (ف) رمز لسورة الفاتحة.
2 - (م) رمز المائدة، فيكون انتهاء حزب الرمز السَّابق عند ختام النِّساء.
3 - (ي) رمز يونس، فيكون انتهاء حزب الرمز السَّابق عند ختام التَّوبة.
4 - (ب) رمز بني اسرائيل فيكون انتهاء حزب الرمز السَّابق النَّحل.
5 - (ش) رمز الشعراء، فيكون انتهاء حزب الرمز السَّابق ختام الفرقان.
6 - (و) رمز والصَّافات، فيكون انتهاء حزب الرمز السَّابق ختام يس.
7 - (ق) رمز ق فيكون انتهاء حزب الرمز السَّابق ختام الحجرات.
وعليه فيكون انتهاء حزب الرَّمز السَّابق عند ختام القرآن الكريم، وتكون المدَّة الزَّمنيَّة للختمة سبعة أيَّام بالتَّمام والكمال، وهذه من أفضل المنهجيَّات في المراجعة؛ لأنَّها تقسِّم السُّور ولا ترتبط بالأجزاء أو الأحزاب، وفيها يتمُّ ختم القرآن في كلِّ شهر أربع مرَّات، وهذا المعدَّل يضمن الحافظ معه ثبات المحفوظ، وعدم التَّفلُّت الذي يحدث بسبب الهجر؛ قال شيخي ابن أبي الحسن [1] - وفقه الله -:
مِنْ أَوَّلٍ ثُمَّ الْعُقُـوْدِ فَيُــوْنُسٍ لِاسْـرَا إِلَى الشُّعَـرَاءِ يَا ذَا الشَّــانِ
مِنْ فَوْقِ صَادٍ ثُمَّ قَافٍ رَمْزُهَا بِـ (فَمِيْ بِشَوْقٍ) فَانْتَبِهْ لِبَيَانِ [2]
المنهجيَّة الثَّانية: تحزيب العُبَّاد:
وفيها يتمُّ تقسيم القرآن الكريم على ثلاثة أيَّام ليكون نصاب اليوم ثلث القرآن؛ أي بمعدَّل عشرة أجزاء يوميًّا، فهي تعتمد السُّور والأجزاء معًا؛ حيث تحدَّد سور الابتداء والانتهاء بناءً على علامات الأجزاء، وهذه الطَّريقة حسنة لمن كان يملك وقته، ولا يؤدِّي تفرُّغه للقراءة والمراجعة إلى تضييعه لمسئوليَّاته الحياتيَّة والأسريَّة والمجتمعيَّة؛ فالله تعالى يقول: {وَٱبۡتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡيَاۖ وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ وَلَا تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} [القصص: 77] وقال عزَّ وجلَّ: {وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ رِضۡوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَايَتِهَاۖ} [الحديد: 27] وعليه فإنَّ هذه الطَّريقة تُستحبُّ لكبار السِّنِّ ممَّن عجزوا عن التَّكسُّب، أو كان تكسُّبهم ورعايتهم لمسئوليَّاتهم لا يأخذ من أوقاتهم إلَّا القليل، أمَّا أصحاب الهُموم، ومن ضاق وقتهم عليهم فبقيَّة الطُّرق أمامهم، وبيانها كالتَّالي:
1 - من أوَّل الفاتحة إلى نهاية سورة التَّوبة، وهو ما يقدر بعشرة أجزاء.
2 - من أوَّل يونس إلى نهاية سورة القصص، وهو ما يقدر بعشرة أجزاء.
3 - من أوَّل العنكبوت إلى نهاية سورة النَّاس، وهو ما يقدر بعشرة أجزاء.
المنهجيَّة الثَّالثة: تحزيب العلماء:
وفيها يتمُّ تقسيم القرآن الكريم على خمسة أيَّام ويكون حزب اليوم الواحد قرابة ستَّة أجزاء، وتنتهي الختمة بعد خمسة أيَّام من بدايتها، وهذه الطَّريقة وسط بين القسم الأوَّل، والقسم الثَّاني، وتستحبُّ هذه الطَّريقة للعلماء وطلَّاب العلم الذين يشتغلون بالتَّعليم والتَّعلُّم، والتَّأليف والتَّصنيف؛ وذلك لحاجتهم الشَّديدة للمراجعة لاستحضار الأدلَّة القرآنيَّة وقت الحاجة بدون تردُّد، أو تلعثم، أو أخطاء، فالعالم الذي يُخاطب النَّاس لابدَّ أن يحرص على المحافظة على رأس ماله من القرآن الكريم، والسُّنَّة النَّبويَّة المطهَّرة فتلك هي بضاعته التي يفخر بها، وهي سبب عزِّه وفخره، وغالب أهل العلم في زماننا يعتمدها لنفسه، ويُوصِي بها طلَّابه؛ لأنَّ صاحبها يجمع بين الكمِّـيَّة، والكيفيَّة، فيكون قريبًا من منهجيَّة السَّلف إذ يسبقهم بيوم واحد، ويضرب مع العبَّاد بسهم، وبيانها كالتَّالي:
1 - من أوَّل سورة الفاتحة إلى نهاية سورة المائدة، ويقدر بستَّة أجزاء.
2 - من أوَّل سورة الأنعام إلى نهاية سورة هود، ويقدَّر بستَّة أجزاء؛ أي اثنا عشر جزءًا بسابقه.
3 - من أوَّل سورة يوسف إلى نهاية سورة النُّور، ويقدَّر بستَّة أجزاء؛ أي ثمانية عشر جزءًا بسابقه.
4 - من أوَّل سورة الفرقان إلى نهاية سورة غافر، ويقدَّر بستَّة أجزاء؛ أي أربعة وعشرون جزءًا بسابقه.
5 - من أوَّل سورة فصِّلت إلى نهاية سورة النَّاس، ويقدَّر بستَّة أجزاء؛ أي ثلاثون جزءًا بسابقه.
المنهجيَّة الرَّابعة: تحزيب الحفَّاظ والقرَّاء:
وفيها يتمُّ تقسيم القرآن الكريم على ستَّة أيَّام ويكون حزب اليوم الواحد قرابة خمسة أجزاء، وتنتهي الختمة بعد ستَّة أيَّام من بدايتها، وتُستحبُّ هذه الطَّريقة للحفَّاظ، والمتصدِّرين لتعليم النَّاس كتاب الله تعالى؛ وذلك لحاجتهم الشَّديدة للمراجعة لاستحضار الآيات القرآنيَّة وقت العرض عليهم، أو المراجعة للمحفوظ حتى لا يتعرَّض للنِّسيان، فالمتصدِّر لتعليم النَّاس القرآن الكريم بحاجة إلى إدمان المراجعة، وكثرة المتابعة؛ لأنَّ الخلل إذا تطرَّق إلى حفظه فإنَّه سيكون سببًا في فشوِّ الخطأ في حفظ كلِّ مَن يعرض عليه؛ لكثرة تردُّده وتلعثمه وقت الرَّدِّ والتَّصويب، بل ربَّما يخطئ في التَّصحيح ممَّا يؤدِّي إلى تثبيت الخطأ في ذاكرة الطَّالب، وغالب أهل القرآن والعلم بالقراءات في زماننا يعتمدها لنفسه، ويُوصِي بها طلَّابه؛ لقلَّة الوقت المتاح عندهم، مع علمهم بقيمة المراجعة وقدرها، وإيقانهم بأنَّه لا يجوز الاستغناء بالمعروض عن المراجعة للنَّفس، وبيان هذه الطَّريقة كالتَّالي:
1 - من أوَّل قوله تعالى: {بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ * ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} [الفاتحة: 1-2] إلى قوله تعالى: {مَّا يَفۡعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمۡ إِن شَكَرۡتُمۡ وَءَامَنتُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمٗا} [النساء: 147].
2 - من أوَّل قوله تعالى: {لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلۡجَهۡرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ إِلَّا مَن ظُلِمَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا} [النساء: 148] إلى قوله تعالى: {وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوۡكَ لِتَحۡمِلَهُمۡ قُلۡتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحۡمِلُكُمۡ عَلَيۡهِ تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ} [التوبة: 92]
3 - من أوَّل قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ وَهُمۡ أَغۡنِيَآءُۚ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ} [التوبة: 93] إلى قوله تعالى: {فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمٗا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا زَكِيَّةَۢ بِغَيۡرِ نَفۡسٖ لَّقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـٔٗا نُّكۡرٗا} [الكهف: 74]
4 - من أوَّل قوله تعالى: {قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا} [الكهف: 75] إلى قوله تعالى: {ٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ} [العنكبوت: 45]
5 - من أوَّل قوله تعالى: {وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ} [العنكبوت: 46] إلى قوله: {وَلَهُ ٱلۡكِبۡرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} [الجاثية: 37]
6 - من أوَّل قوله تعالى: {حمٓ * تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ} [الأحقاف: 1-2] إلى قوله تعالى: {مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ} [الناس: 6] نهاية القرآن الكريم.
المنهجيَّة الخامسة: تحزيب الصَّالحين:
وفيها يتمُّ تقسيم القرآن الكريم على عشرة أيَّام، ويكون حزب اليوم الواحد قرابة ثلاثة أجزاء، وتُستحبُّ هذه الطَّريقة لأصحاب الأعمال اليسيرة التي لا تأخذ كلَّ وقتهم، فهم يعملون ويكدُّون في الحياة، ويتبقَّى لهم وقت قليل يصرفونه للمراجعة؛ لضمان ثبات محفوظهم، وعدم ضياع القرآن الكريم منهم، فلا يحرمون أنفسهم من تعهد القرآن الكريم بالمراجعة ولو كثُرت عليهم الأعمال، فالحافظ مهما تقلَّبت به الأحوال والظُّروف لا يتخلَّى عن كتاب الله تعالى، وإنَّما يختار من بين المنهجيَّات المعتمدة في المراجعات ما يتناسب مع اهتماماته وأعماله، وبيان هذه الطَّريقة كما يلي:
1 - من أوَّل سورة الفاتحة إلى نهاية سورة آل عمران.
2 - من أوَّل سورة النِّساء إلى نهاية سورة المائدة.
3 - من أوَّل سورة الأنعام إلى نهاية سورة الأعراف.
4 - من أوَّل سورة الأنفال إلى نهاية سورة هود.
5 - من أوَّل سورة يوسف إلى نهاية سورة الكهف.
6 - من أوَّل سورة مريم إلى نهاية سورة النُّور.
7 - من أوَّل سورة الفرقان إلى نهاية سورة السَّجدة.
8 - من أوَّل سورة الأحزاب إلى نهاية سورة غافر.
9 - من أوَّل سورة فصِّلت إلى نهاية سورة الحديد.
10 - من أوَّل سورة المجادلة إلى نهاية سورة النَّاس.
المنهجيَّة السَّادسة: تحزيب العامة:
وفيها يتمُّ تقسيم القرآن الكريم على خمسة عشر يومًا، ويكون حزب اليوم الواحد قرابة جزئين، وتُستحبُّ هذه الطَّريقة لأصحاب الأعمال الكثيرة من عامَّة النَّاس، فغير العلماء والصَّالحين والعبَّاد لا يُبالون كثيرًا بأمر المراجعة، لاسيِّما لمن كثرت اهتماماته كالأطباء والصَّيادلة ورجال الأعمال من الحفظة، فمثل هؤلاء لا يجدون وقتًا يجلسون فيه إلى أنفسهم - إلَّا من رحم الله تعالى؛ فمنهم من تبوَّأ في العلم مكانة عالية كشيخيَّ النَّحاس الصَّيدلانيِّ، وزعيمة الجرَّاح، وإن كان أحد الجانبين يتأثَّر بلا شكٍّ - فهؤلاء خفَّف الله تعالى عنهم؛ لما هم فيه من شغل حلال مشروع، وبيان هذه الطَّريقة كالتَّالي:
1 - من أوَّل سورة الفاتحة حتى نهاية سورة البقرة.
2 - من أوَّل سورة آل عمران حتى نهاية سورة النِّساء.
3 - من أوَّل سورة المائدة حتى نهاية سورة الأنعام.
4 - من أوَّل سورة الأعراف حتى نهاية سورة الأنفال.
5 - من أوَّل سورة التوبة حتى نهاية سورة يونس.
6 - من أوَّل سورة هود حتى نهاية سورة إبراهيم.
7 - من أوَّل سورة الحجر حتى نهاية سورة الكهف.
8 - من أوَّل سورة مريم حتى نهاية سورة الحجِّ.
9 - من أوَّل سورة المؤمنون حتى نهاية سورة الشُّعراء.
10 - من أوَّل سورة النَّمل حتى نهاية سورة السَّجدة.
11 - من أوَّل سورة الأحزاب حتى نهاية سورة الصَّافات.
12 - من أوَّل سورة ص حتى نهاية سورة الشُّورى.
13 - من أوَّل سورة الزُّخرف حتى نهاية سورة الطُّور.
14 - من أوَّل سورة النَّجم حتى نهاية سورة التَّحريم.
15 - من أوَّل سورة الملك حتى نهاية سورة النَّاس.
المنهجيَّة السَّابعة: تحزيب المتدبرين أو العرض على المسنِدين:
وفيها يتمُّ تقسيم القرآن الكريم على ثلاثين يومًا، ويكون حزب اليوم الواحد قرابة جزء واحد، وتُستحبُّ هذه الطَّريقة للطُّلَّاب الذين يعرضون الختمات على مشايخهم المسنِدين؛ للحصول على الإجازة والإسناد، وكذلك تُستحبُّ لأصحاب القلوب المتدبِّرة لنصوص التَّنزيل؛ فيلزم نفسه بقراءة جزء على مدار اليوم ليختم كلَّ شهر ختمة كاملة، وهذا أقلُّ عَلاقة مقبولة، ذات ثمرة ملحوظة مع القرآن الكريم، فمن زاد عن هذه المنهجيَّة وأمعن في الهجر حصل معه النِّسيان إلَّا في حالات نادرة كمن حفظ في الصِّغر، أو تمكَّن من الحفظ الجيِّد في وقت حفظه، والنَّجاة معه من العجائب، وتعتمد هذه المنهجيَّة الأجزاء في التَّقسيم؛ فيتمُّ التَّقسيم بناءً على بدايات الأجزاء ونهايتها؛ فيبدأ من رأس الجزء، وينتهي عند آخره، وغالبًا لا يُستغنى بها عن الإتيان بمثلها على أقلِّ تقدير.
المنهجيَّة الثَّامنة: تحزيب المنهوم العاشق للقرآن:
وفيها لا يتمُّ تقسيم القرآن الكريم على أيَّام، أو أجزاء، أو أحزاب؛ ولكن يعمد القارئ إلى القرآن الكريم من أوَّله فلا يقوم حتى يختمه، وهذا فعل من لم يعدل بكتاب الله تعالى شيئًا، وقد درج عليه كثير من الرَّبَّانيِّين من هذه الأمَّة، لاسيَّما في الأوقات الفاضلة والأيَّام المباركة، وهذا فعل مَن صفت نفوسهم، وطهُرت قلوبهم حتى عشقت مجالسة القرآن الكريم، وتنازلت عن كلِّ ملذَّة لِمَا ذاقته من حلاوة التَّلذُّذ بالمراجعة والتِّلاوة والتَّدبُّر، وتُستحبُّ هذه الطَّريقة لكلِّ طالب قرآن حديث عهد بالختم؛ فقد أثبت علماء النَّفس أنَّ المحفوظ لا يمكن أن يتحوَّل من ذاكرة المدى القريب إلى ذاكرة المدى البعيد إلَّا بعد تكرار المحفوظ أربعين مرَّة؛ لذا فجدير بالطَّالب إذا ختم القرآن الكريم أن يُوليه اهتمامًا شديدًا في الأيَّام الأولى التي تلي الختم؛ فيقرأ في كلِّ يوم ختمة إلى نحو أربعين يومًا؛ فإنَّ ذلك أدعى لتحصيل التَّثبيت والإتقان في أقلِّ وقت ممكنٍ، وهو بمثابة التَّمهيد لما قد يحدث بعد ذلك من تقصير في المراجعات لانشغاله في شئون حياته، كما تُستحبُّ هذه الطَّريقة للمُقبلين على الاختبارات المصيريَّة، أو المسابقات القرآنيَّة؛ فإنَّ الحافظ لا يتَّكل على حفظه، ويغترُّ بملكاته، بل يقدر لكلِّ أمر قدره؛ فإذا كان على موعد مع اختبار تهيَّأ له بالتَّفرُّغ التَّامِّ قبله للمراجعة الدَّائمة المتواصلة، وقد أثبت التَّجارب الميدانيَّة أنَّ القرآن الكريم يُمكن أن يُختم بإتقان في أقلَّ من ثمان ساعات، وانظر إلى النَّاس في مواسم الخيرات، وأوقات الطَّاعات ترى منهم إقبالًا على التِّلاوة، والمراجعة، والتَّدبُّر، كما تُستحبُّ هذه الطَّريقة لمن كبُر سنُّه، واحدودب ظهره، ورقَّ عظمه، وصار ينتظر الموت؛ فالأولى به أن يصرف ما تبقَّى من عمره لكتاب الله تعالى؛ فإنَّه في حاجة ماسَّة إلى كثرة الأعمال الصَّالحة، ولن يجد عملًا سهلًا كثُر أجره كتلاوة القرآن الكريم؛ فلكلِّ حرف حسنة، والحسنة بعشر مضاعَفة.