الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

أحكام الاستعاذة

ومن المسائل المهمَّة التي يجب تعلُّمها قبل الخوض في مسائل الرِّواية والعلم ما يتعلَّق بالاستعاذة والبسملة؛ لأنَّها بوابة القراءة، ومفتاح التِّلاوة؛ ولذا تبدأ كتب الفنِّ بهذه المسألة.

تعريف الاستعاذة:

طلب العوذ والعون والحماية من الله تعالى، وفيها غاية الانكسار والتَّذلُّل من العبد لله تعالى؛ حيث يطلب الاعتصام والالتجاء بالله من شرِّ الشَّيطان الرَّجيم؛ لأنَّ المرء حين يُقبِل على الطَّاعة يُقبل الشَّيطان عليه للغواية والإضلال؛  فالشَّيطان يُقبِل على القارئ بخيله ورجله ليشغله عن مقصود القرآن الكريم من التَّدبُّر والتَّفهُّم؛ فيحرص على أن يحُول بين قلبه وبين مقصود القرآن الكريم؛ لئلَّا يكمُل انتفاع القارئ به؛ فإذا استعاذ العبد بالله تعالى من شرور الشَّيطان خنس وتراجع؛ فينتفع المرء بمجلس القرآن، ولو أنَّه ترك ذلك لم يخرج بتأثُّر القلب وانتفاع النَّفس.

وقت الاستعاذة:

انعقد إجماع السَّادة القرَّاء على أنَّ الاستعاذة تقع قبل التِّلاوة لا بعدها؛ لأنَّ المقصود منها لا يتحقَّق إلَّا قبلها؛ وأمَّا ما ورد من قوله: {فَإِذَا ‌قَرَأۡتَ ‌ٱلۡقُرۡءَانَ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ} [النحل: 98] فالظَّاهر أنَّ الاستعاذة مطلوبة بعد التِّلاوة لاستعمال الفعل الماضي؛ لكنَّ العلماء حملوا التَّعبير بالماضي على الحثَّ على تحقُّق وقوع المطلوب؛ والمعنى فإذا أردتَّ؛ مثل قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا ‌قُمۡتُمۡ ‌إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ} [المائدة: 6] فإنَّ الوضوء مطلوب قبل الصَّلاة قطعًا؛ فكان المراد إذا أردتُّم القيام للصَّلاة.

حكم الاستعاذة:

اتَّفق العلماء على أنَّ الاستعاذة مطلوبة عند تلاوة القرآن الكريم؛ لكنَّهم اختلفوا في الطَّلب على رأيين:

الأوَّل: الاستحباب؛ أي يحسُن الإتيان بها في أوَّل القراءة؛ وتركها عيب عند علماء الصَّنعة؛ لكنَّه غير ملزم؛ وذلك لأنَّها دعاء وليست من القرآن باتِّفاق القرَّاء؛ بل هي شعار القراءة وبها يعلم المستمع أنَّ القارئ سيشرع في القراءة فيستعدُّ للاستماع بالإنصات؛ ويستدلُّون بقول الله تعالى: {فَإِذَا ‌قَرَأۡتَ ‌ٱلۡقُرۡءَانَ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ} [النحل: 98] حيث حملوا الأمر في الآية على الاستحباب؛ لقرينة صرفت الأمر إلى النَّدب بالثَّابت من فعل النَّبيِّ ﷺ حيث كان يبدأ بالبسملة كما في حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها لـمَّا سُئلت عن قراءة النَّبيِّ ﷺ؛ وهذا قول جمهور العلماء من أهل الأداء.

الثَّاني: الوجوب؛ أي يُلزم البادئ بالقراءة أن يأتي بها في أوَّل القراءة؛ فالإتيان بها ملزم صناعةً عند علماء التَّجويد؛ ويستدلُّون بعين ما استدلَّ به أصحاب القول الأوَّل من قول الله تعالى: {فَإِذَا ‌قَرَأۡتَ ‌ٱلۡقُرۡءَانَ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ} [النحل: 98] لكن مع اختلاف في التَّوجيه؛ حيث حملوا الأمر فيها على الوجوب؛ حيث لم ترد قرينة تصرف الأمر من الوجوب إلى النَّدب والاستحباب، وقد ذكر ابن الجزريِّ الخلاف بين العلماء في هذه المسألة فقال:

وَقِف لَهُم عَلَيهِ أَو صِل وَاستُحِب ـب تَعَــوُّذٌ وَقَـالَ بَعضُهُم يَجِب

صيغة الاستعاذة:

ورد في لفظ وصيغة الاستعاذة أخبار وآثار مختلفة عن النَّبيِّ  وعن السَّلف من بعده منها؛ قوله: "أعوذ بالله من الشَّيطان الرَّجيم" و: "أعوذ بالله السَّميع العليم من الشَّيطان الرَّجيم" و: "أعوذ بالله اللَّطيف الخبير من الشَّيطان الرجيم" و: "أعوذ بالله العظيم من الشَّيطان الرَّجيم" إلى غير ذلك من الوارد عن القرَّاء.

والصِّيغة المشهورة والمختارة عند جميع القراء؛ هي: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" لأنَّها الصيغة التي ورد ذكرها في سورة النحل في قوله تعالى: {فَإِذَا ‌قَرَأۡتَ ‌ٱلۡقُرۡءَانَ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ} [النحل: 98] ولا خلاف بين أئمَّة القرَّاء في جواز غير هذه الصِّيغة، سواء نقصت عنها نحو: "أعوذ بالله من الشَّيطان" أم زادت نحو: "أعوذ بالله السَّميع العليم من الشَّيطان الرَّجيم" ونحوه من الصِّيغ الواردة عن أئمَّة القراءة؛ لأنَّ الاستعاذة دعاء؛ والدُّعاء لا يُقتصر فيه على لفظ معيَّن؛ وكلُّه صواب مروىٌّ وليس في الكتاب ولا في السُّنَّة الثَّابتة ما يردُّه، وهذا من معالم التَّيسير في القراءة.

أحوال الاستعاذة من حيث الجهر والإسرار

المقصود بالجهر: أن يرفع القارئ صوته بالاستعاذة وغيرها بحيث يُسمِع نفسه وجليسه؛ وللاستعاذة أحوال يُستحبُّ الجهر فيها برفع الصَّوت؛ ومنها:

1 - المحافل والمناسبات التي يقرأ فيها القارئ أمام جمع من النَّاس.

2 - قراءة القارئ جهرًا ولو كان منفردًا في مقرأته الخاصَّة.

3 - قراءة القارئ في مقرأة جماعيَّة مع كونه البادئ بالقراءة.

4 - قراءة القارئ على شيخه للتَّعلُّم أو الاستجازة؛ سواء كان في بداية القراءة، أو في وسطها لانقطاع القارئ عن القراءة لغير ما يتعلَّق بالقراءة؛ فالمقام مقام إفادة وتعليم.

المقصود بالإسرار: أن يخفض القارئ صوته بالاستعاذة وغيرها بحيث يُسمِع نفسه فقط دون جلسائه؛ وللاستعاذة أحوال يُستحبُّ الإسرار بالصَّوت فيها؛ ومنها:

1 - قراءة القارئ سرًّا؛ فطبقة الصَّوت في أوَّل القراءة تستمرُّ إلى نهايتها، ولا يكون الاختلاف في الطَّبقة الصَّوتيَّة.

2 - قراءة القارئ في مقرأة جماعيَّة وليس هو البادئ بالقراءة؛ لأنَّ استعاذة الأوَّل للبقيَّة؛ وقد حصل المراد به.

3 - قراءة القارئ في الصَّلاة سواء كانت سرِّيَّة أم جهريَّة.

والخلاصة في هذه المسألة:

أنَّ الجهر يُستحبُّ في مقامين: مقام التَّعليم والإجازات، ومقام العرض والمناسبات، وأنَّ الإسرار يُستحبُّ في مقامين: مقام العبادة والصَّلوات، ومقام الإسرار بالآيات.

فائدة دقيقة: وإذا اتَّصلت القراءة بعد الاستعاذة ثمَّ انقطعت بتعليق أو تحشية من الأستاذ على مسائل التِّلاوة فلا حاجة لإعادة الاستعاذة ولو طال الفاصل التَّعليميُّ، بخلاف الفاصل التَّرفيهيِّ أو الاجتماعيِّ فيلزم التَّعوَّذ بعده ولو قصر الفاصل؛ كردِّ السَّلام، أو الحديث حول أمور الدُّنيا وما يتعلَّق بها من معلومات؛ لأنَّ الفاصل يُوحي بالإعراض عن القراءة، ومن باب أولى فإنَّه يستعيذ إذا خرج عن مجلس القراءة وأعرض عنها ثمَّ عاد، ويحسن أن تتَّصل القراءة بما يُفيد القارئ دون فصل إلَّا في حدود الضَّرورة، وهذا أمر يُقدَّر بقدره، فليحرص المعلِّم والمتعلِّم على الحفاظ على هيبة مجالس القرآن الكريم، فلا يخرج المجلس عن مضمونه في العلم والتَّعلُّم لئلَّا يستوي بغيره من مجالس النَّاس التي تزاحم فيها الدُّنيا القلوب.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله