الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

من أسرار الذِّكر الحكيم

السُّؤال:

ما وجه اختلاف المتشابهين في: {وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَۚ} [النساء: 162] و: {وَٱلۡمُقِيمِي ٱلصَّلَوٰةِ} [الحج: 35]؟

وللجواب أقول:

قُرئ موضع سورة الحجِّ بالنَّصب أيضًا - كموضع النِّساء - على توهُّم النُّون المحذوفة؛ وعلَّة الحذف التَّخفيف لطول الاسم، وعليه لا يُفرَّق بين الموضعين، وتكون: {ٱلصَّلَوٰةَ} منصوبة على المفعوليَّة به لاسم الفاعل؛ قال ابن كثير رحمه الله: "قرأ الجمهور بالإضافة - السَّبعة، وبقيَّة العشرة أيضًا - وقرأ ابن السَّميقَع: {وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ} بالنَّصب، وقال الحسن البصريُّ رحمه الله: {وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ} وإنَّما ‌حُذفت ‌النُّون هاهنا تخفيفًا، ولو حُذفت للإضافة لوجب خفض الصَّلاة، ولكن على سبيل التَّخفيف فنُصبت" [1] ولكنَّ هذا الوجه غير مقروء به في القراءات المتواترة، فشذَّ ولم يُعمل به.

ومن الأوجه في التَّفرقة أيضًا أنَّ كلَّ موضع منهما رُوعي فيه التَّناسب مع ما بعده؛ ففي موضع النِّساء ورد قوله: {وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَٱلۡمُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ} فلمَّا ثبتت النُّون في: {وَٱلۡمُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ} ثبتت كذلك في: {وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَۚ} بخلاف موضع سورة الحجِّ فليس فيها ما يُحاكَى أو يُراعى معه التَّناسب؛ لأنَّه عبَّر عن المضمون بالإنفاق: {وَٱلۡمُقِيمِي ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ}.

ومن الأوجه في التَّفرقة أيضًا أنَّ مقام الحجِّ مقام قُرب من الله تعالى فناسب تقليل الوسائط، بخلاف مقام النِّساء فهو مقام بعد ولهو وفتنة، ومنهنَّ تأتي الذُّرِّيَّة التي قد تصرف المرء عن الطَّاعة؛ قال تعالى: {زُيِّنَ ‌لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ} [آل عمران: 14] وقال سبحانه: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ وَأَوۡلَٰدِكُمۡ عَدُوّٗا لَّكُمۡ ‌فَٱحۡذَرُوهُمۡۚ} [التغابن: 14] فناسب زيادة الحرف الذي يُفهِم هذا المعنى ويُجلِّيه.

ومن الأوجه في التَّفرقة أيضًا أنَّ مقام سورة الحجِّ مقام انكسار وتذلُّل بالذِّكر، والإخبات، ووجل القلب، والصَّبر على المصائب التي كسرت العبد بكثرتها وتواليها، مع ما يصحب الحجِّ من الخوف من عدم القبول، فناسب معه كسر ما يمكن كسره؛ لبيان المعنى في صورة الحركة؛ ولهذا وقعت كلمة: {ٱلصَّلَوٰةَ} مكسورة لإفادة معنى الانكسار لله تعالى، وهذه علَّة معنويَّة، وأمَّا العلَّة الإعرابيَّة فلأنَّها وقعت في موقع الإضافة، وهو موقع جرٍّ؛ فتكون مجرورة بالكسرة لأنَّها مضاف إليه مفرد.

وأمَّا موضع سورة النِّساء فناسب فيه الرَّفع (الضَّمُّ) والنَّصب (الفتح) لما في الآية من ذكر مقامات أصحاب الوجاهة والمناصب عند الله تعالى، وهم المفتوح عليهم، والمرفوعون في المكانة، والمضمومون إلى الخير؛ وهم العلماء المتمكِّنون، والمؤمنون الصَّادقون، والأنبياء الصَّالحون، والكتب السَّماويَّة، والمصلُّون المحافظون، والمزكُّون الموفون، فأولئك يفوزون بالمكانة الرَّفيعة عند الله تعالى والأجر العظيم، فالمقام لا يُناسبه الكسر، بل يُناسبه الرَّفع والنَّصب، وهذا هو ما وقع بالفعل؛ فورد مرفوعًا قولُه: {ٱلرَّٰسِخُونَ - وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ - وَٱلۡمُؤۡتُونَ - وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ} فهؤلاء أرفع النَّاس عند الله تعالى؛ وهذا يُناسب الرَّفع على العطف على المرفوع الأوَّل، وهو مرفوع بالابتداء وعلامة رفعه الواو لأنَّه جمع مذكَّر سالم، وحرف الاستدراك قبله لا عمل له فيه، وجاء ما بعده معطوفًا عليه سوى: {وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَۚ} فقُطع العطف ثمَّ تابع، وقطع العطف لأنَّ: {وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَۚ} اسم فاعل نُصب على المدح والاختصاص، وهو مفعول به لفعل محذوف تقديره: (أعني، أو أخصُّ، أو أقصد، أو أمدح) وعلامة نصبه الياء؛ لأنَّه جمع مذكَّر سالم. ونُصبت الصَّلاة بالفتحة على المفعوليَّة به لاسم الفاعل.


(1) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير الدِّمشقيِّ، (٥/ ٤٢٥).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله