أحكام الوقف على أواخر الكلم
لقد اعتنى علماء التَّجويد بتحرير المسائل التي يمكن لقارئ القرآن الكريم أن يحتاج لمعرفتها أثناء التِّلاوة، فحرَّروا ما كان من الأحكام متعلِّقًا بالحروف المفردة كأحكام النُّون والميم المشدَّدتين، والمخارج والصِّفات الحرفيَّة، وما كان متعلِّقًا بالتَّراكيب الحرفيَّة كاجتماع الحروف المفضي إلى وجود أحكام نشأت عن هذا الالتقاء كأحكام النُّون السَّاكنة والتَّنوين والميم السَّاكنة، وما كان متعلِّقًا بالجمل التَّركيبيَّة كمسائل الوقف والابتداء وما يترتَّب عليها من المعاني واجتماع السَّاكنين في كلمتين، وكلُّ هذه الأحكام ترد أثناء الوصل.
كما حرَّروا المسائل المتعلِّقة بالكلمات القرآنيَّة أثناء الوقف عليها، فحرَّروا بابًا مستقلًّا أسموه: (باب الوقف على أواخر الكلم) وقد بيَّنوا فيه ما يجب على القارئ أن يفعله مع الكلمات الموقوف عليها رغم اختلاف أشكالها وحالاتها، فأوضحوا بما لا يدع مجالًا للجهل كلَّ ما يتعلَّق بالباب من مسائل وشوارد وفرائد.
أهمِّيَّة دراسة هذا الباب
وفي هذا الباب سأحاول بيان ما ذكره أهل العلم من المسائل؛ لأنَّ كثيرًا من طلُّاب القرآن المعتنين بجمع قراءاته وروايته قد أغفلوا البحث الدَّقيق في هذه المسائل، ومنهم من تركها بالكلِّيَّة زاعمًا أنَّه لن يحتاج إليها كثيرًا في طريق تعلُّم القراءات القرآنيَّة، من هنا كان من الضَّروريِّ تناول هذه المسائل بشيء من البسط، فوالله لقد رأيتُ أناسًا جامعين للقراءات لا يُحسن الواحد منهم أن يتكلَّم في مسألة التقاء السَّاكنين، أو الوقف على آواخر الكلم، ونحو ذلك، والسَّبب قد يعود إلى ضعف همَّة الطُّلَّاب عن بلوغ شأو القرَّاء، أو يعود إلى المشايخ المجيزين المتساهلين في الإسناد والإقراء، وهؤلاء كثُر في الأزمان المتأخِّرة؛ لضعف الهمم وخراب الذِّمم، فالقارئ المتقن والمجيز الأمين عملة نادرة في أزماننا!.
فأقول مستعينًا بالله تعالى: إنَّ الوقف على كلمات القرآن الكريم جائز بشرط ألَّا يُوهم من المعاني غير مراد شرعًا، فالقاعدة الرَّئيسة في باب الوقف والابتداء تنصُّ على: (العُمدة في الباب مُراعاة المعنى، فإذا وقفت فأفهم، وإذا فهمت فقف).
تعريف الوقف
والوقف معناه: الكفُّ وقطع القراءة زمنًا يسيرًا يتنفَّس فيه القارئ ثمَّ يستأنف القراءة مرَّة أخرى من حيث توقَّف، فلا تصحبه نيَّة القطع بدون استئناف، ولا يكون على وسط الكلمات، ولا فيما اتَّصل رسمُه، بل محلُّه آخر الكلمات والجمل، ولابدَّ معه من أخذ القارئ لنفسٍ يُعينه على إكمال الجملة القادمة بما يجعله يقف على ما صحَّ معناه وسلم من المعارضة المعنويَّة؛ قال العلَّامة القاضي في الوافي: "الوقف في اللُّغة: هو الكفُّ عن مطلق الشَّيء، يقال: وقفت عن كذا إذا تركته وانتقلت عنه لغيره. وفي اصطلاح القرَّاء: هو قطع الصَّوت على الكلمة زمنًا يمكن التَّنفُّس فيه عادة بنيَّة استئناف القراءة بما يلي الحرف الموقوف عليه أو بما قبله، لا بنيَّة الإعراض عن القراءة"
فإذا وقف القارئ على كلمة من الكلمات القرآنيَّة فلا تخلو أن تكون نوعًا من نوعين:
النَّوع الأوَّل: الوقف على كلمة معتلَّة الآخر بأحد حروف العلَّة= المدِّ، وله صورتان:
الصُّورة الأولى: أن يكون آخر الكلمة الموقوف عليها:
1 - واوًا مفتوحة وصلًا قد ضُمَّ ما قبلها.
2 - أو ياءً مفتوحة وصلًا قد كُسِر ما قبلها.
وذلك نحو: {قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَۚ} [البقرة: 68] ونحو: {هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إلَّا هُوَۖ} [الحشر: 22] فإذا تحقَّق هذا أثناء الوقف فإنَّ الواو والياء يسكنان لعارض الوقف فيتحوَّلان إلى حرفي مدٍّ تحقَّق شرطهما من سكون الواو وانضمام ما قبلها، وسكون الياء وانكسار ما قبلها، فيُمدَّان بمقدار الطَّبيعيِّ عند الوقف عليهما، أي بمقدار ألف كاملة= (حركتان) فالمدُّ الطَّبيعيُّ معلَّلٌ بالوقف فإن زالت علَّته زال؛ فالحكم يدور مع علَّته وجودًا وعدمًا، فإذا وصل القارئ تحرَّك الحرف بحركته الإعرابيَّة على حسب موقعه، ولا يلتفت القارئ حال الوقف إلى فتحة الحرف في الوصل نحو: {لَن نَّدۡعُوَاْ} ونحو: {حَتَّىٰ يَأۡتِيَ} أو ضمير الغيبة بنوعيه حال الوصل.
واعلم أنَّه ليس في هذه الصُّورة روم ولا إشمام؛ لكون حرف المدِّ قد سكن سكونًا عارضًا للوقف، بخلاف ما لو تحرَّكت الواو والياء إثر ساكن صحيح نحو: {لَهۡوَ} ونحو: {بِٱلۡوَحۡيِ} ونحو: {إِنۡ هُوَ إلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ} [النجم: 4] ففيهما حينئذ أربعة أوجه:
الأوَّل: الرَّوم مع المضموم:
والرَّوم هو تضعيف الصَّوت بالحركة حتى يذهب معظمها، ويسمعه القريب دون البعيد، ويقدر الباقي من الحركة بالثُّلث، ويكون الرَّوم في المرفوع والمجرور، ويُعامل معاملة الوصل فلا يُمدُّ العارض للسُّكون معه، وإن كان الموقوف عليه منوَّنًا يُحذف التَّنوين وتبقى الحركة المجانسة للتَّنوين للرَّوم؛ قال العلَّامة القاضي في الوافي: "حقيقة الرَّوم: أن تُسمِع كلَّ قريب منك مُصغٍ إلى قراءتك حركة الحرف المحرَّك في الوصل بصوت خفيٍّ حال كونك واقفًا على هذا الحرف، وهذا معنى قول صاحب التَّيسير: "هو تضعيفك الصَّوت بالحركة حتى يذهب بذلك معظم صوتها فتسمع لها صوتًا خفيًّا يُدركه الأعمى بحاسَّة سمعه" وقال السَّخاويُّ: "هو الإشارة إلى الحركة مع صوت خفيٍّ" وقال العلَّامة أبو شامة: "وكلُّ دان سامع منصت لقراءتك فهو المدرك لذلك بخلاف غيره من غافل أو أصمٍّ؛ ولا يُحكم الرَّوم ويضبطه إلَّا التَّلقِّي والأخذ من أفواه الشُّيوخ المهرة المتقنين"
وقد يعبِّر عنه بالاختلاس، وفيه نظر؛ لأنَّ الرَّوم يُشاركه في تبعيض الحركة، ويُفارقه في أمور:
1 - لا يكون الرَّوم في المفتوح والمنصوب عند جميع القرَّاء خلافا لشيخ النُّحاة سيبويه فقد أجازه في الجميع، بخلاف الاختلاس فيدخل في كلِّ الحركات بلا خلاف؛ قال القاضي في الوافي: "وبيَّن في البيت الثَّاني أنَّه لم يرَ الرَّوم في الفتح والنَّصب أحد من القرَّاء، وأنَّ الرَّوم أُعمل ودخل في الحركات الثَّلاث الضَّمِّ والكسر والفتح عند إمام النَّحو وهو سيبويه أو المراد أئمَّة النَّحو؛ فالمراد من إمام النَّحو الجنس".
2 - لا يكون الرَّوم في الوصل بل في الوقف فقط؛ لأنَّ أثره معدوم في الوصل؛ فهو حكم وقفيٌّ لا يظهر أثره إلَّا مع الوقف، بخلاف الاختلاس فلا يختصُّ بالوقف؛ لكونه يقع في وسط الكلمة ولا يُوقف عليها، وهو حكم وصليٌّ لا يثبت إلَّا في الوصل.
3 - الباقي من الحركة معه أقلُّ من الذَّاهب، فلا يبقى معه إلَّا ثلث الحركة، بخلاف الاختلاس فالباقي معه ثلثا الحركة كما قرَّر الأهوازيُّ.
ومثال الرَّوم مع المضموم - وهو بناء لا إعراب - نحو: {حَيۡثُ}.
الثَّاني: الإشمام مع المضموم:
والإشمام هيئة منظورة تُضمُّ فيها الشَّفتان بُعيد إسكان الحرف إشارة إلى الضَّمِّ، مع ترك انفراجة يسيرة لا يخرج منها صوت؛ فلا تنطبق الشَّفتان مع إحكام غلقهما والضَّمِّ للأمام، بل تُترك انفراجة، ولا يكون الإشمام إلَّا في المرفوع والمضموم، وفائدته تبيِين حركة الحرف الموصول حال الوقف عليه، وهي مهارة تحتاج إلى دُرْبَةٍ ورياضةٍ، ولا تُتلقَّى من الكتب، بل السَّبيل إلى إتقانها ترويض الشَّفتين على ما يُتلقَّى من فم المقرئ المجيد المتقن الحاذق الماهر بالأحكام.
ويُطلق الإشمام عند القرَّاء على ثلاثة معانٍ:
أوَّلها: ضمُّ الشَّفتين بُعيد النُّطق بالسُّكون، وله صورتان؛ وهاك بيانها:
الأولى: أن يكون في الوصل، ويُسمَّى الإشمام المصاحب أو المقارن أو إشمام الرِّواية، وهو فيما ورد فيه الإشمام في الإدغام الكبير للسُّوسيِّ، وفي كلمة: {تَأۡمَ۬نَّا} [يوسف: 11] وفيها يضمُّ القارئ شفتيه إلى الأمام بُعيد إسكان النُّون الأولى وقبل انتهاء غنَّة التَّشديد، ولا يُتقَن إلَّا بالممارسة الدَّقيقة على أيدي المهرة من المقرئين، وقد وضعت علماء ضبط المصحف الشَّريف دائرة سوداء مطموسة على الحرف المشمِّ للإشارة إلى الإشمام.
الثَّانية: أن يكون في الوقف، ويُسمَّى الإشمام البعديَّ أو إشمام الدِّراية، ويكون في المرفوع والمضموم الموقوف عليه وقفًا عارضًا نحو: {نَسۡتَعِينُ} أي يكون على وِفق قاعدة علميَّة أوجبته، بخلاف الأوَّل فما أوجبته قاعدة ولا دعت إليه ضرورة علميَّة، لكنَّه ورد عن العرب هكذا فهو سماعيٌّ لا قياسيٌّ.
ثانيها: خلط صوت حرف بحرف آخر في النُّطق مع بقائه على رسمه الأوَّل، كخلط صوت حرف الصَّاد بحرف الزَّاي في لفظ: {ٱلصِّرَٰطَ} في قراءة حمزة بن حبيب الزَّيَّات؛ قال العلَّامة القاضي في الوافي: "وكيفيَّة الإشمام هنا: أن تخلط لفظ الصَّاد بلفظ الزَّاي وتمزج أحد الحرفين بالآخر فيتولَّد منها حرف ليس بصاد ولا بزاي ولكن يكون صوت الصـَّاد متغلِّبًا على صـوت الزَّاي، وقصـارى القول أن تنطلق بالصَّاد كما ينطلق العوامُّ بالظَّاء" أ.ه
ثالثها: خلط صوت حركة بحركة أخرى في النُّطق من غير تغيير في الرَّسم، كخلط صوت حركة الكسرة بالضَّمَّة في لفظ: {سِيٓءَ} و: {سِيٓـَٔتۡ} في قراءة نافع وابن عامر والكسائيِّ؛ قال العلَّامة القاضي في الوافي: "وقرأ ابن عامر والكسائيُّ، ونافع بالإشمام في: {سِيٓءَ بِهِمۡ} في هود والعنكبوت، و: {سِيٓـَٔتۡ} في الملك، وكيفيَّة الإشمام في هذه الأفعال أن تُحرِّك الحرف الأوَّل منها بحركة مركَّبة من حركتين ضمَّة وكسرة، وجزء الضَّمَّة مقدَّم وهو الأقلُّ، ويليه جزء الكسرة وهو الأكثر، ولا يضبط هذا الإشمام إلَّا التَّلقِّي والأخذ من أفواه الشيوخ المتقنين" أ.ه
فائدة: هناك حالات يتحتَّم فيها السُّكون المحض، وهي أربع:
الأولى: ما كان مفتوحًا أو منصوبًا موصولًا فلا يجوز فيه روم لخفَّة الفتحة وسهولتها في الأداء، ولا إشمام لانعدام الضَّمِّ الموجب لضمِّ الشَّفتين، نحو: {ٱلۡمُسۡتَقِيمَ}.
الثَّانية: تاء التأنيث المربوطة الموقوف عليها بالهاء فيمتنع فيها الرَّوم والإشمام؛ لكونها مبدلة ممَّا هو معدوم وقفًا، ولا تقبل الحركة أو بعضها، نحو: {ٱلۡقَارِعَةُ} وأمَّا ما أثبتت الرِّواية الوقوف عليه بالتَّاء المفتوحة اتِّباعًا للرَّسم العثمانيِّ فيثبت فيها الممنوع في سابقتها؛ لثبوت التَّاء وصلًا ووقفًا ولزوم الحركة لها في الحالين.
الثَّالثة: ما ثبت فيه السُّكون وصلًا ووقفًا فلا روم ولا إشمام لأنَّهما لا يدخلان في السَّاكن، بل محلُّهما المتحرِّك الموقوف عليه بالسُّكون العارض، ويدخل مع السَّاكن ميم الجمع حال الوقف عليها.
الرَّابعة: عارض الشَّكل، وهو في عرف أهل الأداء ما تحرَّك بحركة عارضة في الوصل تخلُّصًا من التقاء السَّاكنين، نحو: {قُلِ ٱنظُرُواْ} [يونس: 101] ونحو: {وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ} [إبراهيم: 44] وميم الجمع المضمومة وصلًا، فلا يجوز في هذه الحالة إشمام ولا روم؛ لعروض الحركة وأصالة السُّكون، فالتَّحريك كان للتَّخلُّص من التقاء السَّاكنين تخفيفًا على اللِّسان العربيِّ، فالتَّحرُّك معلَّل بالوصل وقد زالت العلَّة بالوقف العارض.
الثَّالث: الرَّوم مع المكسور:
كما في قوله تعالى: {ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ} فإذا وقف القارئ على: وقف: {ٱلرَّحِيمِ} بالرَّوم.
الرَّابع: السُّكون المحض مع المفتوح:
وهو تفريغ الحرف من الحركة ومشتقاتها الحكميَّة من روم وإشمام واختلاس ونحوه، وهو الأصل في الوقف عند العرب؛ لأنَّهم لا يقفون على متحرِّك بحركة كاملة، ولا يبدءون بساكن، والوقف بالسُّكون أخفُّ من الوقف بالحركة.
والسُّكون المحض يثبت في كلِّ موقوف عليه سواء كان معربًا أم مبنيًّا، أو آخره حرف علَّة أم كان صحيحًا؛ لأنَّه هو الأصل في باب الوقف، وما عداه من طرق الوقف على أواخر الكلم فليس شرطًا وجودها في كلِّ الأحوال؛ فالرَّوم يكون في المرفوع والمضموم فقط، والرَّوم لا يكون إلَّا في المجرور والمكسور.
الصُّورة الثَّانية: أن يكون آخر الكلمة الموقوف عليها حرف علَّة حُذف لعلَّة أوجبت الحذف.
وعندئذ فلا عِبرة بالمحذوف حال الوقف، وإنَّما المعتبر حركة ما قبل المحذوف الذي حلَّ محلَّ الحرف الأخير، ومثاله: {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَأٓتٖۖ} [الأنَّعام: 134] فهنا حرف محذوف قبله حرف مدٍّ، فعند الوقف عليه المعتبر حركة التَّاء، ولا يُوقف عليه بالتَّنوين، بل يُوقف عليه بالحركة المجانسة للتَّنوين وهي الكسرة، وفيه أربعة أوجه:
الأوَّل: القصر مع السُّكون المحض.
الثَّاني: القصر مع الرَّوم.
الثَّالث: التَّوسُّط مع السُّكون المحض.
الرَّابع: الإشباع مع السُّكون المحض.
وأمَّا ما كان مكسورًا حال الوصل وبعده محذوف وتمَّ الوقف عليه وقفًا عارضًا نحو: {كَلَّا لَمَّا يَقۡضِ} [عبس: 23] ونحو: {وَأَلۡقِ عَصَاكَۚ} [النمل: 10] فعند الوقف يجوز للقارئ وجهان:
الأوَّل: القصر مع السكون المحض.
الثَّاني: القصر مع الروم؛ لأنَّ الحرف الأخير محذوف وما وُقف عليه مكسور كسرًا أصليًّا.
وأمَّا ما كان مضمومًا أو مرفوعًا وبعده محذوف وتمَّ الوقف عليه عارضًا نحو: {ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ} [النحل: 125] ونحو: {وَصَٰلِحُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ} [التحريم: 4] فعند الوقف يجوز للقارئ ثلاثة أوجه:
الأوَّل: القصر مع السُّكون المحض.
الثَّاني: القصر مع الرَّوم.
الثَّالث: القصر مع الإشمام؛ لأنَّ ضمَّتها أصليَّة، وليس في هذين المسألتين الأخيرتين توسيط أو إشباع للعارض؛ فليس فيه حرف مدٍّ يستوجب المدَّ.
النَّوع الثَّاني: الوقف على صحيحة الآخر، سلمت من العلَّة، وله ثلاثة صور:
الصُّورة الأولى: أن يكون آخر الكلمة مدًّا عارضًا للسُّكون:
وهو أن يقف القارئ على كلمة وقع قبل آخرها حرف مدٍّ ساكن، فيسكن الحرف الأخير سكونًا عارضًا، فيلتقي ساكنان فيُتخلَّص منهما بالتَّطويل، وله ثلاثة أشكال:
الشَّكل الأوَّل: ما كان منصوبًا آخره فتحة إعراب: {ٱلۡمُسۡتَقِيمَ} أو فتحة بناء: {ٱلۡعَٰلَمِينَ} وفيه وقفًا ثلاثة أوجه:
1 - القصر مع السُّكون المحض.
2 - التَّوسُّط معه.
3 - الإشباع معه.
ولا إشمام لأنَّه لا يكون إلَّا في المرفوع والمضموم، ولا روم حتى لا يشتبه بالألف الكاملة، ولأنَّ الفتحة خفيفة والنُّطق بها سهل على اللِّسان، فلو أتى القارئ ببعضها خرجت كاملة.
الشَّكل الثَّاني: ما كان مجرورًا أي آخره كسرة إعراب: {ٱلرَّحِيمِ} أو كسرة بناء: {هَٰذَٰنِ} وفيه وقفًا أربعة أوجه:
1 - القصر مع السُّكون المحض.
2 - التَّوسُّط معه.
3 - الإشباع معه.
4 - القصر مع الرَّوم.
الشَّكل الثَّالث: ما كان مرفوعًا أي آخره ضمَّة إعراب: {نَسۡتَعِينُ} أو ضمَّة بناء: {يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ} وفيه وقفًا سبعة أوجه:
1 - القصر مع السُّكون المحض.
2 - التَّوسُّط معه.
3 - الإشباع معه.
4 - القصر مع الإشمام.
5 - التَّوسُّط معه.
6 - الإشباع معه.
7 - القصر مع الرَّوم.
الصُّورة الثَّانية: أن يكون آخر الكلمة لينًا عارضًا للسُّكون:
وهو أن يقف القارئ على كلمة وقع قبل آخرها حرف واو أو ياء ساكنين قد فُتح ما قبلهما، وله ثلاثة أشكال:
الشَّكل الأوَّل: ما كان آخره مفتوحًا سواء كانت فتحة إعراب نحو: {ٱلۡيَوۡمَ} أم فتحة بناء: {كَيۡفَ} وفيه الأوجه الثَّلاثة السَّابقة في الشَّكل الأوَّل من الصُّورة السَّابقة.
الشَّكل الثَّاني: ما كان آخره مجرورًا سواء كانت كسرة إعراب: {وَمِن كُلِّ شَيۡءٍ} [الذاريات: 49] أم كسرة بناء: {خَلَقۡنَا زَوۡجَيۡنِ} [الذاريات: 49] وفيه وقفًا الأوجه الأربعة السَّابقة في الشَّكل الثَّاني من الصُّورة السَّابقة.
الشَّكل الثَّالث: ما كان آخره مرفوعًا سواء كانت ضمَّة إعراب نحو: {وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} [النساء: 13] أم ضمَّة بناء نحو: {وَمِنۡ حَيۡثُ} وفيه حال الوقف الأوجه السَّبعة السَّابقة في الشَّكل الثَّالث من الصُّورة السَّابقة، أي أنَّ الأوجه في العارض الممدود كالعارض الليِّن غير أنَّ الرَّوم في الشَّكل الثَّاني والثَّالث من الصُّورة الثَّانية يكون مع مدٍّ ما، أي أنَّه لا يبلغ الحركتين كحاله مع الصُّورة الأولى؛ لأنَّ الرَّوم كالوصل، واللَّين لا مدَّ فيه أصلًا حال الوصل، بخلاف العارض الممدود ففيه المدُّ الطَّبيعيُّ حال الوصل فكان الرَّوم في الوقف مع القصر بمقدار ألف كاملة.
الصُّورة الثَّالثة: أن يكون آخر الكلمة مدًّا متَّصلًا مُطرَّفًا عارضًا للسُّكون:
وهو أن يقف القارئ على كلمة آخرها همزة تطرَّفت ووقع قبلها حرفُ مدٍّ، وله حالتان:
الحالة الأولى: أن يكون مدًّا متَّصلًا منفردًا؛ لم يُسبق بأحد المدَّين (المتَّصل، والمنفصل) وله عندئذ ثلاثة أشكال:
الشَّكل الأوَّل: ما كان آخره منصوبًا فتحة إعراب: {وَٱلسَّمَآءَ} أو فتحة بناء: {وَلَوۡ شَآءَ} وفيه وقفًا ثلاثة أوجه:
1 - التَّوسُّط: بمقدار 4 حركات تغليبًا لسبب الهمز وكونه متَّصلًا عن السُّكون العارض.
2 - فويق التَّوسُّط: بمقدار 5 حركات؛ تغليبًا للمتَّصل على العارض؛ لأنَّه أقوى منه في المرتبة.
3 - الإشباع: بمقدار 6 حركات؛ اعتدادًا بالعارض وحمل سكونه على اللُّزوم لا الجواز، ولزيادة عدد حركات العارض عن المتَّصل فيكون قد تقوَّى بعدد الحركات.
الشَّكل الثَّاني: ما كان آخره مجرورًا سواء كانت كسرة إعراب نحو: {مِنَ ٱلنِّسَآءِ} أم كسرة بناء نحو: {هَٰٓؤُلَآءِ} وفيه حال الوقف خمسة أوجه:
1 - التَّوسُّط مع السُّكون المحض: بمقدار أربع حركات.
2 - فويق التَّوسُّط معه: بمقدار خمس حركات.
3 - الإشباع معه: بمقدار ستِّ حركات.
4 - التَّوسُّط مع الرَّوم.
5 - فويق التَّوسُّط معه، كلُّ هذا على أنَّه متَّصل فقط.
الشَّكل الثَّالث: ما كان آخره مرفوعًا سواء كانت حركة إعراب نحو: {يَشَآءُ} أم حركة بناء نحو: {وَيَٰسَمَآءُ} وفيه حال الوقف ثمانية أوجه:
1 - التَّوسُّط مع السُّكون المحض: بمقدار أربع حركات.
2 - فويق التَّوسُّط معه: بمقدار خمس حركات.
3 - الإشباع معه: بمقدار ستِّ حركات.
4 - التَّوسُّط مع الإشمام: بمقدار أربع حركات.
5 - فويق التَّوسُّط معه: بمقدار خمس حركات.
6 - الإشباع معه: بمقدار ستِّ حركات.
7 - التَّوسُّط مع الرَّوم.
8 - فويق التَّوسُّط معه، كلُّ هذا على أنَّه متَّصل فقط.
الحالة الثَّانية: ألَّا يكون منفردًا يُسبق بالمدَّين أو بهما، وله ثلاثة أشكال:
الشَّكل الأوَّل: أن يكون المتَّصل المسبوق بغيره منصوبًا؛ وحينئذ إمَّا أن يُسبق بمنفصل نحو: {مِن فَضۡلِهِۦٓ إِن شَآءَۚ} [التوبة: 28] و: {وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ هَٰٓؤُلَآءِ} [الزمر: 51] أو يُسبق بمتَّصل من جنسه نحو: {وَجِاْيٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ} [الزمر: 69] وفيه حال الوقف أربعة أوجه:
1 - على التَّوسُّط في المتقدِّم وجهان:
أ - التَّوسُّط في المتأخِّر.
ب - الإشباع في المتأخِّر.
2 - على فويق التَّوسُّط في المتقدِّم وجهان:
أ - فويق التَّوسُّط في المتأخِّر.
ب - الإشباع في المتأخِّر.
الشَّكل الثَّاني: أن يكون المتَّصل المسبوق بغيره مجرورًا؛ وحينئذ إمَّا أن يُسبق بمتَّصل نحو: {وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ} [البقرة: 177] وإمَّا أن يكون مكسورًا قد سُبق بمنفصل نحو: {وَجِئۡنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ} [النساء: 41] وفيه حال الوقف ستَّة أوجه:
1 - على التَّوسُّط في المتقدِّم ثلاثة أوجه:
أ - التَّوسُّط في المتأخِّر مع السُّكون المحض.
ب - الإشباع في المتأخِّر معه.
ج - التَّوسُّط في المتأخِّر مع الرَّوم.
2 - على فويق التَّوسُّط في المتقدِّم ثلاثة أوجه:
أ - فويق التَّوسُّط في المتأخِّر مع السُّكون المحض.
ب - الإشباع في المتأخِّر معه.
ج - فويق التَّوسُّط في المتأخِّر مع الرَّوم.
الشَّكل الثَّالث: أن يكون المتَّصل المسبوق بغيره مرفوعًا بضمَّة إعراب أو بناء؛ وحينئذ إمَّا أن يُسبق بمنفصل نحو: لآأَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ} [البقرة: 13] وإمَّا أن يسبق بمتَّصل نحو: {فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ} [البقرة: 284] وفيه حال الوقف عشرة أوجه:
1 - على التَّوسُّط في المتقدِّم ثلاثة أوجه:
أ - التَّوسُّط في المتأخِّر مع السُّكون المحض.
ب - الإشباع في المتأخِّر معه.
ج - التَّوسُّط في المتأخِّر مع الرَّوم.
2 - على فويق التَّوسُّط في المتقدِّم ثلاثة أوجه:
أ - فويق التَّوسُّط في المتأخِّر مع السُّكون المحض.
ب - الإشباع في المتأخِّر مع السُّكون المحض.
ج - فويق التَّوسُّط في المتأخِّر مع الرَّوم.
3 - على الإشباع في المتقدِّم ثلاثة أوجه:
أ - الإشباع في المتأخِّر مع السُّكون المحض.
ب - الإشباع في المتأخِّر مع الإشمام.
ج - فويق التَّوسُّط في المتأخِّر مع الرَّوم.
فائدة: الأصل في الوقف السُّكون؛ لأنَّه لـمَّا كان الغرض منه الاستراحة، فالواقف في الغالب يطلب الاستراحة بالوقف؛ فأُعين بالأخفِّ لأنَّ السُّكون أخفُّ من الحركات كلِّها، وأبلغ في تحصيل الاستراحة؛ فصار أصلًا في الوقف بهذا الاعتبار.