الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

التَّدُّرج في الإصلاح والدَّعوة

وبتتبُّع منهج القرآن الكريم في الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر نُدرك إنَّه يتدرَّج في دعوة النَّاس وتوجيههم وعلاجهم، فقد اعتمد القرآن الكريم منهج التَّهيئة لترك الحرام والبُعد عن مصادر الآثام عن طريق التَّهيئة الإيمانيَّة بتبغيض المعصية للنَّفس من خلال ذكر آثارها وما يترتَّب عليها من عُقوبات، مع التَّذكير بالجنَّة والنَّار، ثمَّ يأتي بعد ذلك الأمر والنَّهي؛ وممَّا يدلُّ على ذلك قول عائشة رضي الله عنها - وهي تُبيِّن تدرُّج القرآن الكريم في معالجة المجتمع الأوَّل -: "إنَّما نزل أوَّل ما نزل منه سورة من المفصَّل، فيها ذكر الجنَّة والنَّار، حتَّى إذا ثاب النَّاس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أوَّل شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزِّنا أبدًا، لقد نزل بمكَّة على محمد ﷺ وإنِّي لجارية ألعب: {بَلِ ٱلسَّاعَةُ ‌مَوۡعِدُهُمۡ وَٱلسَّاعَةُ أَدۡهَىٰ وَأَمَرُّ} [القمر: 46] وما نزلت سورة البقرة والنِّساء إلَّا وأنا عنده" [1] فبيَّنت أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنَّ منهج القرآن الكريم في أوَّل ما نزل كان يعتمد ترقيق القلوب، وتهذيب النُّفوس من خلال الآيات الَّتي تكشف عن الثواب الَّذي ينتظر من يعمل الصَّالحات، والعقاب الَّذي ينتظر العُصاة، حتَّى إذا تأثَّر النَّاس نزلت الأحكام على قلوب مُتشبعةٍ بالخوف من الله تعالى وعقابه، والرَّجاء في رحمته وثوابه؛ فتنتج الاستقامة؛ قال ابن حجر رحمه الله: "أشارت ‌إلى ‌الحكمة ‌الإلهيَّة في ترتيب التَّنزيل، وأنَّ أوَّل ما نزل من القرآن الدُّعاء إلى التَّوحيد، والتَّبشير للمؤمن والمطيع بالجنَّة، وللكافر والعاصي بالنَّار، فلمَّا اطمأنت النُّفوس على ذلك أُنزلت الأحكام، ولهذا قالت: "ولو نزل أوَّل شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندعها" وذلك لما طُبعت عليه النُّفوس من النُّفرة عن ترك المألوف" [2]

التَّدرُّج في تحريم الخمر

وأوضح مثال على ذلك ما حصل في تحريم الخمر من التَّدرُّج في التَّحريم؛ فلقد درج العرب في الجاهليَّة على شرب الخمر مع ما يترتَّب عليها من انتهاكات ومحرَّمات، فهي أمُّ الخبائث وسبب من أعظم أسباب الإفراط في الشَّهوات، فلمَّا جاء الإسلام حرَّمها تحريمًا قاطعًا لما فيها من الآثار السَّيِّئة على الفرد والمجتمع؛ حيث تُذهب العقل وتحمل المرء على فعل ما يفرُّ من فعله العقلاء، من الزِّنا، والسَّرقة، والسَّطو، والكذب، والقتل، وأبعد من هذا؛ لأنها أصل الفجور، ورأس المعاصي؛ لتأثيرها على ميزان الإنسان الَّذي يحول بينه وبين كلِّ فعل مُشين قبيح، ومع هذا فقد تدرَّج التَّشريع في التَّحريم؛ لما يعلمه من طبيعة النَّفس البشريَّة من التَّعلُّق بالشَّيء الَّذي طال زمن فعله، فإنَّه يُصبح من لوازم الإنسان، ويشتدُّ تعلُّقه به فلا يكاد يتمكَّن من تركه ولو حصل له اليقين بضرره، فأراد الإسلام أن يُهذِّب النَّفس ويُربيها على السَّمع والطَّاعة والامتثال كمرحلة أولى من مراحل المعالجة، ثمَّ انتقل إلى مرحلة التَّذكير بمخاطر وأضرار ومساوئ المعصية، ثمَّ ينتقل بعد هاتين المرحلتين إلى النَّهي عن فعل الحرام؛ لما تحقَّق في النَّفس من حياة القلب بالتَّربية والإيمان، وحياة العقل بالمعرفة والبيان، فيأتي النَّهي ليُوافق قلبًا سليمًا، وعقلًا مُستقيمًا، ونفسًا مُطمئنَّة للطَّاعة نافرة من المعصية، وهذا ما حصل في تحريم الخمر؛ وهذا بيان هذه المراحل:

المرحلة الأولى: التَّهيئة الإيمانيَّة:

حيث بدأ القرآن الكريم بتربية المجتمع الأوَّل تربية إيمانيَّة من خلال نزول سور المفصَّل الَّتي تتكلَّم عن الجنَّة والنَّار والدَّار الآخرة، وما ينتظر المرءَ من ثواب وعقاب، ومشاهد الحساب والجزاء، مع قوَّة اللَّفظ، وسبك المعنى، وجمال التَّعبير، وحسن الصِّياغة، ودقَّة العرض، وعظيم البيان؛ فرقَّت القلوب، ولانت العيون، وتستقرُّ المعاني الإيمانية في النُّفوس، بعدها تأتي المرحلة الثَّانية، وهي التَّهيئة لبيان الحلال والحرام.

المرحلة الثَّانية: التَّهيئة العقليَّة:

من خلال التَّمهيد ببيان أضرار الخمر، فيُبيِّن القرآن الكريم أنَّ الخمر فيه منافع، وفيه مفاسد، وبأقلِّ مقارنة بين ما ينتج عنه من منافع، وما يترتَّب عليه من مفاسد يحصل اليقين لكلِّ ذي عقل بغلبة المفاسد وطُغيانها على ما يحصل منها من منافع، فمنافعها لا تُقاس بأضرارها العقليَّة، والنَّفسيَّة، والماليَّة، والفرديَّة، والمجتمعيَّة؛ فتترك هذه المرحلة الفرد في حالة من القناعة الأوَّلية بضرر الخمر لما تحتوي عليه من مفاسد لا تُقارن بمنافعها؛ قال الله تعالى: {يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ‌ٱلۡخَمۡرِ ‌وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثۡمُهُمَآ أَكۡبَرُ مِن نَّفۡعِهِمَاۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلِ ٱلۡعَفۡوَۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 219] وتسلِّم لما بعدها.

المرحلة الثَّالثة: التَّهيئة التَّجريبيَّة:

من خلال النَّهي الجزئيِّ المقترن بوقت الصَّلاة، حيث يتدرَّج التَّشريع مع النَّاس إلى تحريم الخمر بصورة مؤقَّتة مع بيان علَّة التَّحريم الَّتي تُلازم الفعل فتتسبَّب في نُفور النَّفس السَّليمة من الفعل بإدامة التَّرك بعد أن وقفت على تلك العلَّة المقنعة، الَّتي تحصل لشارب الخمر من الإسكار الَّذي ينتج عنه عدم التَّحكُّم في النَّفس، وقد امتازت هذه المرحلة بتوجيههم إلى التَّحكُّم في النَّفس بالتَّرك المؤقَّت لها عند الصَّلاة؛ قال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ‌لَا ‌تَقۡرَبُواْ ‌ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْۚ} [النِّساء: 43] وهذه مرحلة تسلِّم لما بعدها.

المرحلة الرَّابعة: النَّتيجة النِّهائيَّة:

من خلال بيان التَّحريم الحاسم القاطع، فقد انتقل القرآن الكريم نقلته الأخيرة في طريق تقرير التَّحريم بعد أن أصبحت النَّفس المؤمنة مستعدة تمام الاستعداد لقبول هذه النَّتيجة الَّتي سبقتها مقدِّمات تتمثَّل في التَّهيئة الإيمانيَّة، ثمَّ التَّهيئة العقليَّة، ثمَّ التَّهيئة العمليَّة، لتكون النَّفس بعد كلِّ هذه الخطوات مُهيَّئة للنَّتيجة النِّهائيَّة؛ ومع هذا فقد مهَّد القرآن الكريم بمقدِّمتين قصيرتين:

أوَّلهما: تضمَّنت التَّنفير من الخمر بجمعه مع صور من المحرَّمات القطعيَّة الشَّركيَّة؛ للتَّنفير منها، وبيان حرمتها.

وثانيهما: تضمَّنت إضفاء صفة الرِّجس ونسبتها إلى الشَّيطان وأنَّه المتسبِّب في وقوع المرء فيها، ثمَّ يأتي التَّحريم الَّذي يستعمل فيه القرآن الكريم لفظ الاجتناب الدَّالَّ على ما هو أعمق من التَّحريم الذَّاتيِّ، حيث حرَّم الإسلام مجرَّد الاقتراب منها ببيعها، أو شرائها، أو التَّجارة فيها، أو صناعتها، أو تقديمها، ثمَّ رتَّب الأجر على التَّرك وبيَّن أنَّ عاقبة ذلك الفلاح لتنشط النَّفس إلى التَّرك والاجتناب الكامل؛ قال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ ‌رِجۡسٞ ‌مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} [المائدة: 90] وقد ورد في السُّنَّة النَّبويَّة ما يُبيِّن سبب نزول نصِّ التَّحريم؛ فعن سعد رضي الله عنه قال: "وأتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين، فقالوا: تعالَ نُطعمك ونسقك خمرًا - وذلك قبل أن تُحرَّم الخمر - قال فأتيتهم في حشِّ - البستان - فإذا ‌رأس ‌جزور ‌مشويٍ عندهم، وزقٌّ من خمر. قال: فأكلت وشربت معهم، قال: فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم. فقلت: المهاجرون خير من الأنصار. قال فأخذ رجل أحد لحيي الرَّأس فضربني به فجرح بأنفي، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فأنزل الله عزَّ وجلَّ فيَّ - يعني نفسه - شأن الخمر: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ ‌رِجۡسٞ ‌مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ} [المائدة: 90]" [3]

المرحلة الخامسة: تأكيد النَّتيجة:

فلم يكتف بما سبق، بل أتبع كلَّ هذا بتحفيز النَّفس إلى امتثال النَّتيجة ببيان أنَّها من كيد الشَّيطان وحباله الَّتي يستعملها ليُوقع المرء في العداوات، ويحول بينه وبين الصَّلاة لما سبق من النَّهي عن الاقتراب منها مع السُّكر وشرب الخمر، ويأتي هذا في سياق إشعار المخاطب بالتَّحدِّي بينه وبين الشَّيطان في الإيقاع به في هذه المسالك الخبيثة، مع تأكيد النَّهي بأسلوب بليغ؛ قال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ} [المائدة: 91]

المرحلة السَّادسة: التَّهيئة التَّعبُّديَّة:

بالأمر والنَّهي مع التَّوعُّد فإنَّ النَّفس الَّتي تدرَّجت في هذه المراحل المختلفة حتَّى وصلت إلى القناعة بالتَّحريم عقلًا وقلبًا ووجدنًا، أصبحت مُستعدَّة لتقبُّل العقوبة المقترنة بالتَّقصير إذا ضعفت أمام حبال الفتن من النَّفس والشَّيطان، ورفاق السُّوء، فكان التَّذكير بضرورة الطَّاعة بعد النَّهي الحاسم مناسب لتذكير النَّفس بما تحقَّق من تهيئات سابقة، مع حصول التَّوعُّد الضِّمنيِّ لمن خالف أمر الله تعالى ونهيه، ولم يأتِ هذا في البداية حتَّى لا تنفر؛ لأنَّ النَّفس لم تكن مستعدة لقبوله في أوَّل أمرها، فتأخَّر حين أدركت عظمة الدِّين، وجمال الشَّريعة، وإحكام النُّصوص؛ فيقع الأمر والنَّهي والعقاب عليها بردًا وسلامًا، قال تعالى: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحۡذَرُواْۚ فإنَّ تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ} [المائدة: 92] 

المرحلة السَّابعة: التَّهيئة العقابيَّة:

وذلك من خلال فرض عقوبة على المسلم الَّذي يشرب الخمر بعد التَّحريم الحاسم في أيِّ زمان ومكان، فعن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "جلد النَّبيُّ ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر رضي الله عنه أربعين، وعمر رضي الله عنه ثمانين، وكلٌّ سنَّة، وهذا أحبُّ إليَّ" [4] فارتدعت النُّفوس بعد التَّحريم، وأصبح الجانب العقابيُّ مع الجانب الإيمانيِّ يُمثِّلان منهج الإسلام في معالجة الإفراط في الشَّهوات عبر الأيَّام والعصور, وأمام هذا المنهج الرَّبَّانيِّ في المعالجة لا يجد المرء سِوى النُّزوع من هذا الفعل الَّذي تضافرت على حُرمته القلب، والعقل، والنَّفس، فيكون الانتهاء الفوريُّ؛ وهذا ما حصل في المجتمع الأوَّل حين نزلت هذه الآيات؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، فنزل تحريم الخمر، فأمر مناديًا فنادى، فقال أبو طلحة: ‌اخرج ‌فانظر ‌ما ‌هذا ‌الصَّوت؟ قال: فخرجت، فقلت: هذا مُنادٍ يُنادي: ألا إنَّ الخمر قد حُرِّمت، فقال لي: اذهب فأهرقها، قال: فجرت في سِكك المدينة، قال: وكانت خمرهم يومئذٍ الفضيخ، فقال بعض القوم: قتل قوم وهي في بطونهم، قال: فأنزل الله تعالى: {لَيۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٞ فِيمَا طَعِمُوٓاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثمَّ ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ ثمَّ ٱتَّقَواْ وَّأَحۡسَنُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ} [المائدة: 93]" [5] وهذا المنهج المذكور يُناسب المسلمين الجدد حيث يتدَّرج فيه المرء من الكفر إلى الإيمان، ومن الإفراط في الشَّهوات إلى الاستقامة على منهج الإسلام من خلال منهج القرآن الكريم في معالجة النَّفس البشريَّة بالطَّريق السَّابق ذكرها؛ لتأليفه وتدريبه على معاني الإيمان، ثمَّ تأتي الأوامر والنَّواهي؛ لئلَّا ينفر من التَّعاليم الشَّرعيَّة.

وهناك منهج آخر:

يُمكن أن يُستعمل مع عُصاة المسلمين، ويُبيِّن أنَّ انتقال المرء من النَّهي مقدَّم على تلبُّسه بالأمر؛ فالتَّخلية قبل التَّحلية؛ ودرء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح؛ وهذا ظاهر من كلمة التَّوحيد، أوَّل كلمة في الإسلام: (لا إله إلَّا الله) ففيها شقَّان:

الأوَّل: (لا إله) وفيه نفي الألوهيَّة العامَّة، وهو ما يُمثِّل جناح الإنكار وهجر الشَّرك، وما يترتَّب على ذلك من التَّنكُّر لكلِّ مظاهر الكفر والشَّرك والحرام؛ لأنَّ أوَّل خطوات الإصلاح إيقاف مادَّة الفساد الَّتي تمدُّ القلب والجوارح بما يُسبِّب المرض ويُؤدِّي إلى الموت؛ فالأعطال الَّتي تحصل في مكان الإضاءة تستلزم إزالة العطل أوَّلًا حتَّى يقبل الموضع الإمداد بمادَّة الإضاءة؛ فوجود الأعطال تحول بين الموضع ومادَّة النُّور.

الثَّاني: (إلَّا الله) وفيه إثبات الألوهيَّة الخاصَّة، وهو ما يمثِّل جناح الأمر وفعل ما يترتَّب على ذلك من الإقرار بالشَّرائع، وامتثال الأوامر الواردة، والقيام بمقتضيات التَّصديق والإثبات من تقديس الإله الحقِّ واتِّباع أمره؛ وتأتي هذه الخطوات - فعليًا - بعد الخطوة الأولى.

أثر التَّداخل بين الخير والشَّرِّ

إنَّ التَّداخل بين مادَّة الخير والشَّرِّ ينتج عنه إنسان مزدوج التَّوجُّه، ويضعف التَّأثُّر بمادَّة الطَّاعة والخير؛ لاختلاطها بمادَّة المعصية والشَّرِّ، كما لو اختلط الماء الطَّاهر بماء متنجِّس في كوب واحد؛ ذلك لأنَّ القلب حين يضيق بالمعاصي لا يبقى فيه مكان للطَّاعة؛ فإذا أردنا أن نضع في الكوب شيئًا فرَّغناه ممَّا فيه من مادَّة مختلفة، ثمَّ وضعنا ما نريد، وهكذا القلب المليء بالشَّهوات، والفتن، والحرام، لابدَّ من تنظيفه أوَّلًا، ثمَّ بعد ذلك تحصل التَّعبئة الإيمانيَّة فيظهر التَّأثُّر، ولا يمكن حصول هذا مع الحالة الأولى؛ قال الطَّبريُّ رحمه الله: "أخبر رسول الله ﷺ أنَّ الذُّنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختم من قِبل الله تعالى والطَّبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلك، ولا للكفر عنها مخلَص، فذلك هو الختم والطَّبع الَّذي ذكر في قوله تعالى: {خَتَمَ ‌ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡۖ} [البقرة: 7] نظير الطَّبع، والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظُّروف، الَّتي لا يوصل إلى ما فيها إلَّا بفضِّ ذلك عنها ثمَّ حلِّها، فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله أنَّه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلَّا بعد فضِّ خاتمه وحَلِّ رباطه عنها" [6] فكان الأكمل في ذلك أن يسعى العبد لإيقاف نزيف الحرام الَّذي يمدُّ قلبه بمادَّة الفجور، ثمَّ يعمل بعد ذلك على توصيله بمادَّة الغذاء والنُّور؛ قال تعالى: {لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن ‌يَكۡفُرۡ ‌بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256] فالكفر هنا يُمثِّل الإنكار، والإيمان يُمثِّل الأمر، فلا يكون الإيمان إلَّا على أنقاض الكفر، فالكفر بالطَّاغوت يسبق الإيمان بالله تعالى، وعليه كان منهج القرآن الكريم التَّدرُّج مع المرء في الانتقال في مدارج الاستقامة، فلا يُكلَّف بما يعجز عنه من الأوامر الَّتي تُثقله، بل يُحبَّب أوَّلًا في ترك المعصية وإيقافها ولو جزئيًّا، ثمَّ تأتي الطَّاعات لتزيد مساحة الإيمان في القلب؛ لأنَّه مسلم لا تسقط عنه التَّكاليف، فطاعته مع المعصية، أولى من معصيته المجرَّدة عن الطَّاعة.

وهناك منهج ثالث:

يُناسب الصَّالحين ومن يملكون قوَّة إيمانيَّة تعينهم على التَّرك الفوريِّ للمعصية من غير تدرُّج فيها؛ ويعتمد هذا المنهج على قول الله تعالى: {فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} [المائدة: 90] وقول النَّبيِّ ﷺ: «دعوني ما تركتكم، إنَّما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء ‌فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» [7] فبيَّن النَّصُّ الشَّريف من الآية والحديث كيفيَّة معالجة النَّفس في المنهيَّات، حيث يجب إلزامها بالتَّرك الفوريِّ للذَّنب والإفراط في الشَّهوة؛ فالتَّدرُّج معها يزيد زمن فعلها، فيربط النَّفس بها، فيجد المرء صعوبة في التَّوقُّف عنها، فالتَّرك الفوريُّ بمجرَّد معرفة الحكم أو الدَّعوة بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر أولى وأكمل من التَّدرُّج الَّذي يجعل المرء يتمادى في الحرام وهو على يقين بحرمته، وهذا المنهج الأمثل الَّذي يحسن امتثاله في باب المنهيَّات والمحرَّمات، فأخذ النَّفس بالحزم والصَّرامة في الباطل أولى من التَّراخي والتَّدرُّج، وأمَّا المأمورات فمازال النَّاس يُقصِّرون فيها، والتَّدرُّج فيها مقبول؛ فأمرها مرتبط بالاستطاعة والقوَّة؛ قال تعالى: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ‌مَا ‌ٱسۡتَطَعۡتُمۡ وَٱسۡمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيۡرٗا لِّأَنفُسِكُمۡۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} [التغابن: 16]


(1) صحيح: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: (فضائل القرآن) باب: (تأليف القرآن) برقم: (4993).

(2) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، (9/40).

(3) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (الفضائل) باب: (في فضل سعد بن أبي وقاص) برقم: (1748).

(4) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (الحدود) باب: (حد الخمر) برقم: (1707) وأبو داود في سننه، كتاب: (الحدود) باب: (الحد في الخمر) برقم: (4480).

(5) صحيح: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: (تفسير القرآن) باب: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصَّالحات جناح فيما طعموا) برقم: (4620).

(6) جامع البيان لأبي جعفر الطَّبريّ، (1/261).

(7) متفق عليه: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: (الاعتصام بالكتاب والسنة) باب: (الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ) برقم: (7288) ومسلم في صحيحه، كتاب: (الفضائل) باب: (توقيره  وترك إكثار سؤاله ) برقم: (1337).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله