أحكام التقاء السَّاكنين
إنَّ أحكام التَّجويد دقيقة للغاية؛ فهي تتعلَّق بالحروف والكلمات، ولا يكون الطَّالب مُجيدًا إلَّا إذا أتقن الأحكام المفردة؛ كالصِّفات، والمخارج، والنُّون والميم المشدَّدتين؛ ونحو ذلك، مع الإجادة التَّامَّة للأحكام التي تنشأ عن التَّركيب والتقاء الحروف، فالأحكام التَّركيبيَّة تختلف عن الأحكام الوقفيَّة؛ فالميم السَّاكنة تظهر عند الوقف عليها بلا خلاف، فإذا وصلناها توقَّف الحكم على الحرف الذي يليها؛ فإن كان ميمًا أُدغمت إدغامًا شفويًّا، وإن كان باءً أُخفيت إخفاءً شفويًّا، وإن كان حرفًا مغايرًا لهذين الحرفين أُظهرت، وهكذا يختلف الحكم حالة الوقف عنه حالة التَّركيب، وتظهر مهارة القارئ من خلال إتقانه للأحكام النَّاشئة عن التَّركيب، ومن هذه الأحكام التَّركيبيَّة النُّون السَّاكنة والتَّنوين والمدود وكلُّ ما كانت علَّة الحكم فيه التقاء الحروف ببعضها، كالتقاء السَّاكنين.
والتقاء السَّاكنين هو: أن يلتقي حرفان ساكنان أحدهما في آخر الكلمة الأولى، وثانيهما في أوَّل الكلمة الأخرى.
إنَّ الخبير بلسان العرب الأقحاح يُدرك أنَّهم كانوا يبتعدون عن السَّاكن قدر طاقتهم؛ لأنَّ النُّطق بالسَّاكن ثقيل على لسان المتكلِّم وأذن السَّامع، لذا فإنَّهم كانوا ينئون عنه لما فيه من الكُلفة والمشقَّة، وقوم هذا حالهم مع السَّاكن المفرد، فحالهم مع السَّاكنين الملتقيين في كلمة واحدة أو في كلمتين أشدُّ! ما كان العرب الخلَّص يسمحون بالتقاء السَّاكنين إلَّا في حالتين:
الأولى: أن يكون الأوَّل منهما حرف مدٍّ أو لين.
الثَّانية: أن يكون سكون الثَّاني منهما عارضًا لأجل الوقف، وليس أصليًّا لازمًا؛ ولا يكون إلَّا في كلمة واحدة.
ففي هاتين الحالتين لا يمنع العرب اجتماع السَّاكنين؛ لأنَّهم يتخلَّصون من الأوَّل بالحذف تخفيفًا على اللِّسان، ويتخلَّصون من الثَّاني بالوصل النَّافي لعلَّة الحكم، ولا يرون فيه مشقَّة؛ لزوال الثِّقل المترتِّب على الالتقاء بالوقف، وفيما عدا ذلك فإنَّ العرب كانت تتفادى الجمع بين السَّاكنين، فإن حدث وجب التَّخلُّص من هذا الالتقاء الثَّقيل على لسانهم الذي خفَّ بالفصاحة، فكانوا يتخلَّصون منه بطريقة من ثلاث طرق:
الأولى: الحذف للسَّاكن الأوَّل تخفيفًا.
الثَّانية: التَّحريك للسَّاكن الأوَّل بإحدى الحركات الإعرابيَّة الثَّلاث.
الثَّالثة: المدُّ المطوَّل المشبع بمقدار ثلاث ألفات؛ لعمل مسافة بين الحرفين تمكِّن من النُّطق بهما معًا من غير تكلُّف.
وفيما يلي بيان حكم التقاء السَّاكنين، وكيفية استخدام الطُّرق المشار إليها في التَّخلُّص من التقاء السَّاكنين تخفيفًا على اللِّسان العربيِّ الفصيح، مع وضع الضَّوابط الموضِّحة للحكم:
حالات التقاء السَّاكنين
ولالتقاء السَّاكنين ثلاث حالات، وهذا بيانها:
الحالة الأولى: أن يكون في حرف:
فالحروف مبنيَّة على السُّكون دائمًا، وقد التقى السَّاكنان في الحرف في الحروف المقطَّعة الواقعة في فواتح السُّور بشرط أن يقع اسم الحرف على ثلاثة أحرف أوسطها حرف مدٍّ أو لين، وقد وقع في ثمانية أحرف جمعها العلماء في قولهم: (كم عسل نقص) أو (نقص عسلكم) وهي على قسمين:
القسم الأوَّل: ما كان على ثلاثة أحرف أوسطها حرف مدٍّ، وعدد حروفه سبعة أحرف من جملة الثَّمانية السَّابقة خلا (العين) وكان العرب يتخلَّصون من هذا النَّوع بالمدِّ المشبع بمقدار ثلاث ألفات غير منقوصة، ويُسمُّونه مدًّا لازمًا حرفيًّا، وعلَّة المدِّ المطوَّل هي التَّمكُّن من النُّطق بالحرفين السَّاكنين معا؛ كما قال الخاقانيُّ رحمه الله: (مدتَّ لأنَّ السَّاكنين تلاقيا)
القسم الثَّاني: ما كان على ثلاثة أحرف أوسطها حرف لين، واللِّين= الواو والياء السَّاكنتان المفتوح ما قبلهما، وقد وقع ذلك في حرف واحد من جملة الحروف السَّابقة، وهو حرف (العين) الوارد في فاتحة سورتي مريم والشُّورى، وقد قرأه القرَّاء بمراتب المدِّ الجائزة، فورد القصر بمقدار ألف= (حركتين) والتَّوسُّط بمقدار ألفين= (أربع حركات) والإشباع بمقدار ثلاث ألفات= (ستِّ حركات) وذلك لأنَّه حرف لين فليس بقوَّة المدِّ، لكنَّه سهل يقبل المدَّ وعدمه، لذا جاز فيه ما لم يجز في المدِّ.
الحالة الثَّانية: أن يكون في كلمة واحدة، وله قسمان:
القسم الأوَّل: أن يكون التقاؤهما في حالة الوقف العارض، ولها ثلاث صور:
أوَّلًا: أن يكون أحد السَّاكنين حرف مدٍّ وقع أثره حرف صحيح محرَّك وصلًا سكن من أجل الوقف عليه.
ثانيًا: أن يكون أحد السَّاكنين حرف لين وقع أثره حرف صحيح محرَّك وصلًا سكن من أجل الوقف عليه.
ثالثًا: أن يكون السَّاكنان حرفين صحيحين والثَّاني منهما محرَّك في الوصل سكن من أجل الوقف عليه.
وفي هذه الصُّور الثَّلاث السَّابقة يكون الحكم من جهتين:
الجهة الأولى: في حالة الوقف: يثبت السَّاكنان مجتمعان؛ لكون أحدهما أصليٌّ والآخر عارض للوقف، مع وجود بعض الثِّقل النَّاتج من جرَّاء اجتماع السَّاكنين؛ فالنُّطق بالسَّاكن ثقيل، واجتماعهما أثقل، لكنَّه يُتحمَّل، وتقصر الصُّورة الأخيرة ويُنطق بهما معًا مع ثقل يكون في ذلك، ويمدُّ الأوَّلان بمقدار القصر= (حركتين) والتَّوسُّط= (أربع حركات) والإشباع= (ستِّ حركات) وهو المدُّ العارض للسكون.
الجهة الثَّانية: في حالة الوصل: يثبت السَّاكن الأصليُّ، ويُحرَّك العارض للوقف بحركته المرسومة التي يقتضيها الإعراب لزوال سبب سكونه بالوصل.
القسم الثَّاني: أن يكون التقاؤهما في حالة الوصل والوقف، ولها ثلاث صور أيضًا:
أوَّلًا: أن يكون السَّاكن الأوَّل حرف مدٍّ وقع بعده سكون أصليٌّ موصول غير موقوف عليه ضمن حرف مشدَّد - أي أنَّه يكون في وسط الكلام لا في نهايته، نحو: {ٱلطَّآمَّةُ} فالسَّاكن الأوَّل هو حرف الألف الواقع بعد الطَّاء، وقد وقع بعده ميم مشدَّدة بالفتح، والتَّشديد هو: التقاء حرفين متماثلين أوَّلهما ساكن وثانيهما متحرَّك فأُدغم السَّاكن الضَّعيف في المتحرَّك القويِّ حتى صارا حرفًا واحدًا مشدَّدًا.
ثانيًا: أن يكون السَّاكن الأوَّل حرف مدٍّ وقع بعده سكون أصليٌّ موصول مخفَّف غير مشدَّد؛ نحو: {ءَآلۡـَٰٔنَ} فقد وقع حرف المدِّ الألف ووقع بعده حرف سكن سكونًا أصليًّا وكان مخفَّفًا غير مشدَّد، والتَّخفيف هو: عدم تداخل الحرفين، فكلُّ حرف منفرد، وهذا هو الأصل في الحروف أن تكون مخفَّفة، فلا تشدَّد إلَّا لعلَّة الإدغام.
ثالثًا: أن يكون السَّاكن الأوَّل حرف مدٍّ وقع بعده حرف سكن سكونًا لازمًا الأصل فيه الوقف، وهي الحروف الفرديَّة المقطَّعة في فواتح السُّور جمعتها في قولي: (قنص) أي اغتنم، أو في قولهم: (نقص) أي في فاتحة سورة (ص) و: (ق) و: (القلم) فالسُّكون فيها لازم وصلًا ووقفًا مع كون الوقف هو الأصل.
وفي هذه الصُّور الثَّلاث السَّابقة يكون الحكم: ضرورة التَّخلُّص من التقاء السَّاكنين بالمدِّ المشبع أي بمقدار ثلاث ألفات، ويقوم المدُّ في هذه الحالة مقام الحركة، ويُسمَّى المدَّ اللَّازم؛ للزوم مدِّه عند جميع القرَّاء؛ تخلُّصًا من التقاء السَّاكنين النَّاتجَين عن اجتماع حرف المدِّ مع الحرف الأوَّل السَّاكن من المشدَّد بعده في الكلميِّ المثقَّل، أو السَّاكن المخفَّف في الكلميِّ المخفَّف والحرفيِّ؛ وقال العلَّامة مكيُّ بن أبي طالب: "اعلم أنَّ حرف المدِّ واللَّين إذا وقع بعده ساكن مشدَّد (كلميٌّ مثقَّل) أو غير مشدَّد (كلميٌّ مخفَّف، أو حرفيٌّ) لابدَّ فيه من المدِّ ضرورة لنصل بالمدِّ إلى اللَّفظ بالسَّاكن".
الحالة الثَّالثة: أن يكون في كلمتين:
وهذا لا يكون إلَّا في حالة الوصل فقط؛ لأنَّ السَّاكن الأوَّل يكون في آخر الكلمة الأولى، والسَّاكن الثَّاني يكون في أوَّل الكلمة الثَّانية، فإذا وقف القارئ على الكلمة الأولى فقد زالت علَّة التقاء السَّاكنين فزال الحكم؛ لأنَّ الحكم يدور مع علَّته وجودًا وعدمًا، والتقاء السَّاكنين من كلمتين في حالة الوصل يلزم منه التَّخلُّص منه بطريقة من طريقتين:
الطَّريقة الأولى: طريقة الحذف:
التَّخلُّص من التقاء السَّاكنين بحذف الأوَّل، ويكون ذلك إذا وقع بعد حرف المدِّ حرف ساكن كهمزة الوصل.
والحكم: حذف حرف المدِّ الثَّابت في الرَّسم إذا وقع بعده حرف ساكن، ويكون الحذف في النُّطق مع إثباته في الرَّسم؛ لأنَّ المدَّ يثبت حال الوقف على حرف المدِّ، فلا يحذف إلَّا حال الوصل، والقاعدة العلميَّة: (ما ثبت رسمًا، ثبت نطقًا إلَّا ما استُثني) وهذا ممَّا استثني من جملة القاعدة السَّابقة، وله ثلاثة أشكال بحسب حروف المدِّ الثَّلاثة:
الأوَّل: أن يكون حرف المدِّ المحذوف ألفًا.
الثَّاني: أن يكون حرف المدِّ المحذوف حرف واو.
الثَّالث: أن يكون حرف المدِّ المحذوف ياءً؛ نحو قوله: {فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ} [الأنَّعام: 3] والحذف هو نطق الحركة من غير مطٍّ فيها حتى لا يتولَّد حرف مدٍّ من جنسها، فإنَّ القارئ إذا أطال كسرة الفاء من حرف الجرِّ في المثال السَّابق يصير: "فيل أرضي" فيظنُّ السَّامع أنَّه نوع من أنواع الفِيلة المشهورة على الرَّغم من كونه أخطأ؛ لكنَّ السَّامع لا يعرف، فيكون قد أوهم السَّامع بما لم يُرَد، وإنَّما عليه ألَّا يمطَّ الحركة؛ بل يُسرع فيها بطريقة لا تُؤدِّي به إلى الاختلاس والرَّوم؛ بل يُحافظ على الزَّمن الطَّبيعيِّ للحرف.
واعلم أنَّ حرف المدِّ قد يُحذف وصلًا ووقفًا؛ وذلك إذا كان محذوفًا في الرَّسم ابتداءً؛ فتسري عليه قاعدة: (ما لم يثبت في الرَّسم لم يجز إثباته في النُّطق قولًا واحدًا، لأنَّه يكون من الزِّيادة غير الثَّابتة) وله صورتان:
الأولى: أن يكون حرف المدِّ المحذوف في الرَّسم حرف واو فيُحذف في النُّطق؛ نحو: {وَيَمۡحُ ٱللَّهُ ٱلۡبَٰطِلَ} [الشورى: 24] فالواو محذوفة رسمًا من لفظ: {وَيَمۡحُ} فعند الوقف عليها نقف على الحاء مع تسكينها سكونًا عارضًا وهمسها، وهذا بخلاف موضع الرَّعد في قوله تعالى: {يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ} [الرعد: 39] فإذا وقفنا على: {يَمۡحُواْ} وقفنا بإثبات واو الجماعة لثبوتها في الرَّسم خلافًا لموضع سورة الشُّورى.
الثَّانية: أن يكون حرف المدِّ المحذوف في الرَّسم ياءً فيحذف نطقًا، نحو: {وَسَوۡفَ يُؤۡتِ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا} [النساء: 146] فالياء محذوفة رسمًا مـن لفظ: {يُؤۡتِ} فالوقف عليها يكون بالتَّاء لا بالياء، والوصل يكون بتاء مكسورة من غير إشباع؛ حتى لا يتولَّد من الإشباع حرف الياء وهو غير ثابت في الرَّسم، بل هو محذوف رسمًا ولفظًا.
الطَّريقة الثَّانية: طريقة التَّحريك:
التَّخلُّص من التقاء السَّاكنين بتحريك الأوَّل، ولها ثلاث صور:
الصُّورة الأولى: التَّحريك بالكسر:
وهو الأصل في التَّحريك وهو على قسمين:
القسم الأوَّل: ما ثبت فيه اختلاف القرَّاء فمنهم من ضمَّ السَّاكن الأوَّل وهو نافع وابن كثير وابن عامر والكسائيُّ، ومنهم من كسرها كحفص وموافقوه، وذلك بثلاثة شروط:
الأوَّل: أن يلتقي ساكنان في كلمتين، الأوَّل في آخر الكلمة الأولى، والثَّاني في أوَّل الثَّانية.
الثَّاني: أن يكون السَّاكن الأوَّل أحد حروف (لتنود) أو (دن واتل) بلا الألف والتَّنوين.
الثَّالث: أن يكون السَّاكن الثَّاني همزة وصل مضمومة ابتداءً لضمِّ ثالث الفعل ضمًّا لازمًا.
فإذا توفَّرت الشُّروط وجب تحريك السَّاكن الأوَّل بالكسر على رواية حفص، وهاك أمثلتها:
1 - مثال اللَّام قوله: {قُلِ ٱدۡعُواْ ٱللَّهَ} [الإسراء: 110] تحرَّكت اللَّام بالكسر تخلُّصًا من التقاء السَّاكنين.
2 - مثال التَّاء قوله تعالى: {وَقَالَتِ ٱخۡرُجۡ عَلَيۡهِنَّۖ} [يوسف: 31] ولا نظير له في القرآن الكريم كلِّه.
3 - مثال النُّون قوله تعالى: {أَنِ ٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ} [النساء: 66] ولا يدخل معنا نحو: {وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ ٱمۡشُواْ} [ص: 6] فضمَّة الثَّالث عارضة وليست أصليَّة فأصل الكلمة "امشيوا" والمفرد "امشي".
4 - مثال الواو قد وردت الواو في ثلاثة أمثلة فحسب في القرآن:
أ - قوله تعالى: {أَوِ ٱخۡرُجُواْ مِن دِيَٰرِكُم} [النساء: 66]
ب - قوله تعالى: {قُلِ ٱدۡعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدۡعُواْ ٱلرَّحۡمَٰنَۖ} [الإسراء: 110]
ج - قوله تعالى: {نِّصۡفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصۡ مِنۡهُ قَلِيلًا} [المزمل: 3] ولا يدخل في هذا موضع سورة الملك في قوله تعالى: {وَأَسِرُّواْ قَوۡلَكُمۡ أَوِ ٱجۡهَرُواْ بِهِۦٓۖ} [الملك: 13] لأنَّ همزة الوصل غير منضمَّة في الابتداء لأنَّ ثالث الفعل مفتوح وعليه تفتح الهمزة ولا تُضمُّ، والسَّاكن الثَّاني المراد هو ما كان بعد همزة الوصل؛ لأنَّ همزة الوصل لا يعتدُّ بها إلَّا في حال البدء فحسب، أمَّا في حال الوصل فتسقط، فالواو من كلمة: "أو" وقع بعدها همزة وصل موصولة ساقطة لا اعتداد بها، وليها (خاء) و: (دال) و: (نون) ساكنة، فكان الاعتداد بها لا بهمزة الوصل، فيتحرَّك السَّاكن الأوَّل بالكسر؛ تخلُّصًا من التقاء السَّاكنين.
5 - مثال الدَّال قوله تعالى: {وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ}.
6 - مثال التَّنوين قوله تعالى: {بِرَحۡمَةٍۚ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ} [الأعراف: 49] فالتَّنوين هو: نون ساكنة زائدة لحقت بالاسم فالتقت بحرف ساكن بعد همزة الوصل فوجب تحريكها بالكسر تخلُّصًا من التقاء السَّاكنين لتحقُّق الشُّروط المشروطة لذلك.
القسم الثَّاني: ما اتَّفق فيه القرَّاء على إلزام السَّاكن الأوَّل التَّحريك بالكسر بدون اختلاف؛ وذلك إذا انتفت الشُّروط السَّابقة، أي إذا كان السَّاكن الأوَّل أحد حروف الهجاء عدا ما مرَّ، أو كان السَّاكن الثَّاني همز وصل في اسم غير مضموم الثَّالث ضمَّة لازمة.
الصُّورة الثَّانية: التَّحريك بالضَّمِّ:
وهو مخالف للأصل في تحريك الأوَّل، وله شكلان:
الشَّكل الأوَّل: أن يكون السَّاكن الأوَّل واو لين تدلُّ على الجمع، واللِّين: الواو والياء السَّاكنتان المفتوح ما قبلهما، أي مسبوقان بحركة ليست من جنسهما وهي الفتحة التي تناسب الألف.
فإذا وقعت الواو ساكنة مفتوح ما قبلها في آخر كلمة، ودلَّت على الجمع، ووليها حرف ساكن في أوَّل الكلمة الأخرى؛ حرَّكها حفص بالضَّمِّ تخلُّصًا من التقاء السَّاكنين، نحو: {وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ} [البقرة: 237] ونحو: {وَلَوۡ قَٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَلَّوُاْ ٱلۡأَدۡبَٰرَ} [الفتح: 22] فالواو في الأمثلة السَّابقة وقعت ساكنة إثر فتح فتحقَّق فيها شرط اللِّين، وقد دلَّت على الجمع، ووقع بعدها ساكن؛ فالتقى ساكنان الأوَّل منهما واو لين دلَّت على جمع؛ فحرِّكت بالضَّمِّ تخلُّصًا من الالتقاء.
الشَّكل الثَّاني: أن يكون السَّاكن الأوَّل ميم جمع وقع إثرها أل التَّعريفيَّة، فتحرَّك الميم بالضَّمِّ تخلُّصًا من التقاء السَّاكنين، وميم الجمع هي: تلك الميم الدَّالَّة على جماعة المذكَّرين، وتكون مبنيَّة على السُّكون، وتتَّصل بضمير الإفراد الغائب أو المخاطب: (به، عليه، له) وحرف الجرِّ (عن) فإذا وقعت ميم الجمع ووقع بعدها لام التَّعريف حرِّكت بالضَّمِّ نحو: {ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ ٱلۡكَرَّةَ عَلَيۡهِمۡ} [الإسراء: 6].
الصُّورة الثَّالثة: التَّحريك بالفتح:
وهو مخالف للأصل في تحريك الأوَّل، وله ثلاثة أشكال:
الشَّكل الأوَّل: إذا كان السَّاكن الأوَّل نون (من) الجارَّة للأسماء المبنيَّة على السُّكون، والسَّاكن الثَّاني أل التَّعريفيَّة فتُحرَّك النُّون بالفتح تخلُّصًا من التقائهما، وإنَّما كان التَّحريك بالفتح على خلاف الأصل لمناسبة فتح أل التَّعريفيَّة، ولما في الانتقال من الكسر إلى الفتح من الثِّقل ما يصعب على القارئ التَّخلُّص منه، كما أنَّ الحركة لن تكون خالصة لجنسها بل تحمل بعض الإمالة غير المتعمَّدة، فلن تكون الكسرة خالصة لاجتماع عدوَّين الكسرة والفتحة، فإذا وقع مثل هذا حرِّكت النُّون بالفتح تخلُّصًا من التقاء السَّاكنين رسمًا ولفظًا، نحو: {مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ} فلمَّا التقت نون من الجارَّة بلام أل التَّعريفيَّة السَّاكنة حرِّكت بالفتح تخلُّصًا من التقاء السَّاكنين، ومناسبة لحركة الفتح الواقعة بعد اللَّام، وتخفيفًا على القارئ.
فائدة 1: اعلم أنَّ تحريك السَّاكن إلى حركة من الحركات الثَّلاث السَّابقة يكون في الرَّسم المصحفيِّ الشَّريف كما يكون في اللَّفظ المتلوِّ من القارئ العفيف، وليس كما يظنُّ البعض أنَّ التَّحريك يكون في اللَّفظ فحسب، ولكنَّ الحذف ليس مرسومًا؛ لأنَّ الرَّسم العثمانيَّ مبنيٌّ على الوقف الموصول، أي أنَّه اعتمد رسم الكلمة بطريقة الوصل من حيث الشَّكل والنَّقط، لكنَّ رسمها على اعتبار الوقف عليها.
الشَّكل الثَّاني: إذا كان السَّاكن الأوَّل تاء تأنيث مبنيَّة على السُّكون وأُضيفت إلى ألف التَّثنية السَّاكنة فتُحرَّك التَّاء بالفتح مع كونها مبنيَّة على السُّكون تخلُّصًا من التقاء السَّاكنين، ولأنَّ الألف لا يُناسبها إلَّا انفتاح ما قبلها، وقد وردت هذه الحالة في ثلاثة مواضع:
الأوَّل: قوله تعالى: {فَإِن كَانَتَا ٱثۡنَتَيۡنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ} [النساء: 176]
الثَّاني: قوله تعالى: {أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا} [الأنَّبياء: 30]
الثَّالث: قوله تعالى: {كَانَتَا تَحۡتَ عَبۡدَيۡنِ مِنۡ عِبَادِنَا} [التحريم: 10]
فالنَّاظر للمواضع السَّابقة يرى أنَّ تاء التَّأنيث السَّاكنة قد التقت بألف التَّثنية السَّاكنة فوجب التَّخلُّص من التقاء السَّاكنين فكان التَّحريك هو المقرَّر من جملة وسائل التَّخلُّص، وكان التَّحريك إلى الفتح هو المقرَّر من جملة الحركات لكون الألف لا يقبل إلَّا الفتحة.
الشَّكل الثَّالث: ميم: {الٓمٓ} التي التقت بلام اسم الجلالة السَّاكنة في فاتحة آل عمران، فلزم التَّخلُّص من التقاء السَّاكنين بالتَّحريك مع المحافظة على تفخيم لام اسم الجلالة، فتحتَّم المصير إلى الفتح لكون الكسر يُوجب ترقيق لام اسم الجلالة، مع كون الضَّمِّ غير وارد في هذا الموضع، فحرِّكت بالفتح تخلُّصًا من التقاء السَّاكنين، وحرصًا على إبقاء لام اسم الجلالة كما هي من غير انكسار يُوجب ترقيقها.
وعلى فتح الميم فإنَّه يجوز للقارئ في المدِّ اللَّازم في الميم حال الوصل وجهان:
الأوَّل: المدُّ المشبع بمقدار ثلاث ألفات على أصل قاعدة اللَّازم.
الثَّاني: القصر بمقدار حركتين على أصل الطَّبيعيِّ؛ وهذان الوجهان في حالة الوصل، أمَّا في حالة الوقف على الميم فليس للقارئ إلَّا الإشباع بمقدار ثلاث ألفات لزوال علَّة القصر بالوقف النَّافي للتَّحريك الدَّالِّ على السُّكون العارض الذي يثبت للميم.
فائدة 2: وتحريك السَّاكن الأوَّل من السَّاكنين الملتقيين إلى أيِّ حركة من الحركات السَّابقة من قبيل السَّماع؛ وليس للاجتهاد أو القياس فيه دخل، فقد تُلقِّي من العرب الأقحاح بهذه الكيفيَّة؛ فلا سبيل للتَّغيير أو التَّبديل بين الحركات، وإنَّما علينا التَّسليم المطلق لما ليس للقياس فيه مدخل، وأمَّا ما تراه من تعليل في بعض الصُّور كما في إلزام ميم آل عمران للفتح حفاظًا على تفخيم لام اسم الجلالة فهذا ممَّا ظهرت فيه الحكمة، وليس العرب مُلزمين ببيان الحكمة في كلِّ صورة؛ لأنَّ المسألة سماعيَّة= أي لا تُؤخذ إلَّا بالسَّماع من أفواه الحُذَّاق المهرة الذين تلقَّوها عن أشياخهم إلى أن يصلوا إلى أفصح من نطق بالضَّاد.
فائدة 3: ومسألة التقاء السَّاكنين بحث له علاقة وثيقة بلغة العرب فالقول فيه لأئمَّة العربية أرباب الفصاحة وأساطين البيان، وأئمَّة القرآن تبع لهم فيه، ولم يخرج هذا عن حدود المنقول المرويِّ.