الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

من أسرار الذِّكر الحكيم

السُّؤال:

ما وجه زيادة الواو رسمًا في: (أولات، أولاء، سأوريكم)؟

وللجواب أقول:

إنَّ الرَّسم والضَّبط والنَّقط والشَّكل وما يتعلَّق بها من مسائل من أهمِّ ما يحرص على تعلُّمه طالب القرآن الكريم ويزداد الأمر في حقِّ معلِّمه؛ لأنَّها علوم جاءت لخدمة النَّصِّ القرآنيِّ الشَّريف، فمعرفتها تنفع العالم بها في معرفة جملة من التَّفاصيل المفيدة عن الكلمة القرآنيَّة، وقد يستفيد الحافظ بذلك في تثبيت الحفظ على النَّحو الصَّحيح المقبول، علاوة على الفهم الموصِّل إلى تذوُّق حلاوة النَّصِّ ومعرفة أوجه تفيد في فهمه وما نتج من جهود العلماء حول النَّصِّ الشَّريف.

ومن الكلمات القرآنيَّة التي وردت بزيادة حرف في الرَّسم لا يثبت في النُّطق والأداء ما ورد في سؤال السَّائل الكريم: (أولات، وأولاء) ويُضاف إليهما: (أولوا، وأولي) وهذه الكلمات المذكورة متَّفقٌ بين جميع المصاحف على ثبوت الواو فيها رسمًا وخطًّا لا لفظًا ونطقًا، فلا سبيل لحذفها في الرَّسم، ولا سبيل لثبوتها في النُّطق، وذلك في عموم مواضعها:

فأمَّا الأولى: (أولات) فوردت في موضعين:

الأوَّل: قوله تعالى: {وَأُوْلَٰتُ ٱلۡأَحۡمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ} [الطلاق: 4]

الثَّاني: قوله سبحانه وتعالى: {وَإِن كُنَّ ‌أُوْلَٰتِ حَمۡلٖ فَأَنفِقُواْ عَلَيۡهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ} [الطلاق: 6]

وأمَّا الثَّانية: (أولاء) فوردت في موضعين:

الأوَّل: قوله تعالى: {هَٰٓأَنتُمۡ ‌أُوْلَآءِ تُحِبُّونَهُمۡ وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ} [آل عمران: 119]

الثَّاني: قوله تعالى: {قَالَ هُمۡ ‌أُوْلَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِي وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ} [طه: 84]

ويُلحق بها: المتَّصل بضمير النَّصب المتَّصل وقد ورد في موضعين:

الأوَّل: قوله تعالى: {وَأُوْلَٰٓئِكُمۡ جَعَلۡنَا لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا} [النساء: 91]

الثَّاني: قوله تعالى: {أَكُفَّارُكُمۡ خَيۡرٞ مِّنۡ ‌أُوْلَٰٓئِكُمۡ أَمۡ لَكُم بَرَآءَةٞ} [القمر: 43]

ويُلحق بها: المتَّصل بضمير النَّصب المتَّصل المفرد: (أولئك) ووردت في عموم القرآن الكريم في 187 موضعًا:

أوَّلها: قوله تعالى: {أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} [البقرة: 5]

آخرها: قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ خَيۡرُ ٱلۡبَرِيَّةِ} [البينة: 7]

ملحوظة: ولا يُلحق بهذه الكلمة ما اتَّصل منها بهاء التَّنبيه في: (هؤلاء) فلا تزيد الواو وإنَّما تبدأ بهمزة مضمومة، وقد وردت في أربعة وأربعين موضعًا.

وأمَّا الثَّالثة: (أولوا) وهي بمعنى صاحب ملحقة بجمع المذكَّر السَّالم رفعًا، وقد وردت في ستَّة عشر موضعًا:

أوَّلها: قوله تعالى: {يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ ‌أُوْلُواْ ‌ٱلۡأَلۡبَٰبِ} [البقرة: 269]

آخرها: قوله تعالى: {فَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ ‌أُوْلُواْ ‌ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسۡتَعۡجِل لَّهُمۡۚ كَأَنَّهُمۡ يَوۡمَ يَرَوۡنَ مَا يُوعَدُونَ لَمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّن نَّهَارِۭۚ} [الأحقاف: 35]

وأمَّا الرَّابعة: (أولي) وهي بمعنى أصحاب ملحقة بجمع المذكَّر السَّالم نصبًا وجرًّا، فوردت في 26 موضعًا:

أوَّلها: قوله تعالى: {وَلَكُمۡ فِي ‌ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179]

آخرها: قوله تعالى: {وَذَرۡنِي وَٱلۡمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعۡمَةِ وَمَهِّلۡهُمۡ قَلِيلًا} [المزمل: 11]

وهذه الكلمات الأربع محلُّ اتِّفاق بين القرَّاء وكتَّاب المصاحف ونُسَّاخه؛ فالجميع على زيادتها خطًّا وحذفها في الأداء، وقد جرت عادة المصاحف وضع علامة الدَّائرة المستديرة فوقها للدَّلالة على عدم ثبوتها في النُّطق وإن ثبتت في الخطِّ والكتابة.

وأمَّا ما أشرتَ إليه من كلمة: (سأوريكم) فمختلف فيها بين المصاحف اعتدادًا واعتبارًا، وذلك في موضعين:

الأوَّل: قوله تعالى: {وَأۡمُرۡ قَوۡمَكَ يَأۡخُذُواْ بِأَحۡسَنِهَاۚ ‌سَأُوْرِيكُمۡ دَارَ ٱلۡفَٰسِقِينَ} [الأعراف: 145]

الثَّاني: قوله تعالى: {خُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ مِنۡ عَجَلٖۚ ‌سَأُوْرِيكُمۡ ءَايَٰتِي فَلَا تَسۡتَعۡجِلُونِ} [الأنبياء: 37]

وفيه يقول الخرَّاز (ت: ٧١٨ه) في مورد الظَّمآن في رسم أحرف القرآن:

فصـلٌ وفي أُولـي أُولُــوا أُولاَتِ واَوٌ وفي أُولاَءِ كَيفَ يَاتِي

وعَن خِلاَفٍ سَأُورِيكُم دُونَ مَين ولأُصَلِّبَنَّكُم فـي الآخِـرَيـن

وأمَّا حكمة زيادة الواو في هذه المواضع في القرآن الكريم فالاتِّباع وهو الأصل في التَّعليل، وهو ما يُعرَف بالعلَّة التَّعبُّديَّة حتى يحصل يقين المسلم بصدق وصحَّة وكمال كلِّ ما ورد في القرآن الكريم، وقد رسمت هذه الكلمة بين يدي المعصوم بهذه الطَّريقة دون نكير، فأقرَّها الوحي على هذا النَّحو، وهو دليل كافٍ وحكمة بالغة.

ومع هذا فقد ذكر بعض العلماء أنَّ الحكمة من الزِّيادة الخطَّيَّة تقوية الهمزة الواقعة قبلها لأنَّها مضمومة في جميعها وقد تضعف أو تمطَّط حركتها فيتولَّد حرف واو زائدة تثبت نطقًا، فزيدت الواو لبيان الواو وإشباع حركته من غير زيادة واو مولَّدة إظهارًا لها وتجنيبًا للاختلاس الذي يقع فيه البعض؛ قال المراغنيُّ (ت: 1349ه) رحمه الله في دليل الحيران: "وممَّا وجَّهوا به زيادة الواو في هذه الكلمات أنَّها لتقوية الهمزة، وبيانها أو للدَّلالة على إشباع حركتها من غير تولُّد واو لتتميَّز عن الحركة المختلسة" [1]

وذهب البعض إلى أنَّ الزِّيادة من أجل التَّفرقة بين هذه الكلمات وما شابهها من كلمات أخرى، وإنَّما زيدت الواو لانضمامها فكانت الواو أنسب من غيرها، وذهب غيرهم إلى أنَّ الزِّيادة لقوَّة المعنى وظهوره؛ وفي ذلك يقول ابن البنَّاء المُراكشيُّ (ت: 721ه) رحمه الله: "زيدت الواو تنبيهًا على ظهور ذلك بالفعل للعيان أكمل ما يكون، ويدلُّ على هذا أنَّ الآيتين جاءتا للتَّهديد والوعيد، وكذلك: (أولي أولو، وأولات) زيدت الواو بعد الهمزة لقوَّة المعنى وعلوِّه في الوجود على معنى أصحاب فإنَّ في: (أولي) معنى الصُّحبة زيادة التَّمليك والولاية عليه، وكذلك زيدت في: (أَولئِكَ) و: (أُولائِكُم) لأنَّه جمع مبهم يظهر منه معنى الكثرة الحاضرة في الوجود" [2]

وأمَّا ما ذكرت في مقطوعتك الصَّوتيَّة من أنَّ الواو صورة للهمزة في أولاء أولات، فهذا لا يُسلَّم به إلَّا في: (أولاء) التي دخلت عليها هاء التَّنبيه، فهي التي يصدق فيها هذا، أمَّا المجرَّدة وسواها فلا يتحقَّق فيها أن تكون الواو صورة للهمزة لوجود الهمزة استقلالًا، والواو زائدة على قول النَّحويين؛ قال المراغنيُّ رحمه الله: "ولا يدخل في قول النَّاظم: "وفي أولاء كيف ياتي" "أولاء" الذي اتَّصل به ها التَّنبيه؛ لأنَّ الواو فيه صورة للهمزة على مذهب أهل المصاحف، خلافًا للنَّحويين في قولهم أنَّها زائدة، وأنَّ الهمزة غير مصوَّرة" [3]


(1) دليل الحيران في موارد الظَّمآن، ص: (284).

(2) الدَّليل في مرسوم خطِّ التَّنزيل، للمراكشي، ص: (88).

(3) دليل الحيران في موارد الظَّمآن، ص: (283).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله