الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

الحملات الصَّليبيَّة لسلب القدس بعد الفتح العمريِّ

الحمد لله وحده، والصَّلاة والسَّلام على من لا نبيَّ بعده.

وبعد: ظلَّ المسجد الأقصى بيد المسلمين من تاريخ الفتح العمريِّ له عام: (16) من الهجرة وحتى وقوعه في يد الصَّليبيِّين سنة: (492ه) فقد شنَّت الدُّول الأوربِّيَّة حملة شرسة على بلاد الإسلام بإيعاز من الكنيسة الرَّومانيَّة الكاثوليكيَّة بهدف استرجاع السَّيطرة على الأراضي المقدَّسة التي كانت لهم قبل فرض سيطرة المسلمين عليها في الفتح العمريِّ واستلام مفاتيح بيت المقدس من بطريرك القدس، مع جملة أخرى من الأهداف الاستعماريَّة التَّوسُّعيَّة الاقتصاديَّة من استلاب خيرات ومقدَّرات البلاد الإسلاميَّة والتي اتَّسعت رقعتها في عهد الفتوحات الإسلاميَّة حتى تمدَّدت طولًا وعرضًا بفرض النُّفوذ على تلك البلاد، ودانت لها الممالك الكبرى.

شخصيَّة أوربان بابا الفاتيكان وأثره على الحملة

وطلب أروبان بابا الفاتيكان [1] من الأساقفة حثَّ النَّاس على الحرب، وانتقل بنفسه بين المدن والبلدان يعقد المجمعات الكنسيَّة ويُوجِّه إلى الحرب ويُشعل فيها نار الشَّوق للمعارك المقدَّسة [2]، فلقيت دعوته استجابة كبيرة بين الأوربِّيِّين، واتَّخذت هذه الحروب صبغة دينيَّة من اللَّحظة الأولى حيث وضعوا قطعة من القماش الأحمر المنقوش على شكل الصَّليب على لباس الحرب من جهة الكتف؛ كإشارة إلى أنَّ الحرب من أجل رفع الصَّليب المقدَّس لهم.

شخصيَّة بطرس النَّاسك وأثره على الاستجابة

ومن الشَّخصيَّات المحوريَّة المؤثِّرة في الحروب الصَّليبيَّة الكاهن الشَّيخ - الطَّاعن في السِّنِّ - الكبير بطرس النَّاسك والذي كان له أكبر الأثر في استجابة الكثيرين إلى نداء الحرب المقدَّسة، وبلغ من نقمته على الدَّولة السُّلجوقيَّة التي حالت بينه وبين الحجِّ إلى بيت المقدس أن حرَّض عليها، مع ما يتمتَّع به من الفصاحة وقوَّة الأسلوب، وشدَّة الإقناع واستمالة الجماهير، فكان لا يستمع إليه أحد إلَّا تحمَّس للحرب وسارع في المشاركة والزَّحف ناحية المشرق، ولم تتوقَّف جهود بطرس النَّاسك عند حدود مدينته أميان الفرنسيَّة، بل طاف في الأقاليم المحيطة وتبعه أناس كثيرون استجابة لدعوة البابا؛ على أمل أن يجدوا حياة أفضل في القدس، أو الموت في سبيل ذلك والغفران.

حملة بقيادة بطرس النَّاسك

أعلنت الكنيسة انطلاق الحملات الصَّليبيَّة سنة: (1096م= 489ه) وقد سبقتهم حملة الفقراء بقيادة والتر المفلس، ثمَّ تبعه بطرس النَّاسك، ثمَّ لحقت بهم الجيوش النِّظاميَّة الغربيَّة والتي تكوَّنت من خمسة جيوش ويُقدَّر عددهم بنحو: (80) ألف مقاتل، وبعد رحلة مليئة بأحداث كثيرة بدأت الحملة الصَّليبيَّة في المواجهات مع الدَّولة السُّلجوقيَّة، ثمَّ الدَّولة الأتابكة، ثمَّ الدَّولة الأيوبيَّة، ثمَّ دولة المماليك، ويعنينا منها ما يتعلَّق بالدَّولة الأيوبيَّة والتي تمَّ عن طريقها استرداد بيت المقدس من أيدي الصَّليبيِّين.

سيطرة الفاطميِّين على القدس قبل الصَّليبيِّين

استغلَّ الفاطميُّون الشِّيعة الذين كانوا يحكمون مصر في هذه الأثناء انشغال السَّلاجقة السُّنَّة في الحروب الصَّليبيَّة التي أسقطت صور والرُّها وأنطاكية، وتعثُّر الصَّليبيِّين في أنطاكية، وبدأ في الزَّحف إلى بيت المقدس سنة: (1098م=491ه) بقياد بدر الدِّين الجمَّاليِّ لاستعادته من قبضة الدَّولة السُّلجوقيَّة العظمى، والسَّيطرة عليه وضمَّه للحكم الفاطميِّ، وكان واليًا على إمارة القدس في هذه الأثناء الملك سقمان بن أرتق التُّركمانيِ وأخوه إيلغازي، وتمكَّن الفاطميُّون من السَّيطرة عليها، ثمَّ تمدَّدوا ناحية الأردن شرقًا ونهر الكلب في لبنان شمالًا، ولكن لم يفرح الفاطميُّون بالسَّيطرة على القدس حتَّى علموا بزحف الصَّليبيِّين إليها.

حصار الصَّليبيِّين للقدس والفاطميِّين

وصل الصَّليبيُّون إلى بيت المقدس سنة: (1099م=492ه) وحاصروها، فقام الأمير الفاطميُّ افتخار الدَّولة بطرد النَّصارى منها خشية تعاونهم مع الصَّليبيِّين، وجهَّز مخازنه بما يكفيه من المؤن، وطمر أو سمَّم الآبار خارج المدينة، وأغلق أبوابها المحصَّنة، وطلب النَّجدة من مصر، وقد ساعدت هذه الإجراءات الاحتياطيَّة في صمود المدينة أمام الحصار فترة طويلة حتَّى كادت تنفد مؤن الصَّليبيِّين ويدب اليأس في قلوبهم من التَّمكُّن من إسقاطها، لما نمى إلى مسامعهم من أنَّ جيشًا فاطميًّا كبيرًا أقبل من القاهرة على القدس، مع وقوع النِّزاع بين قادة الحملة الصَّليبيَّة على ملكِّيَّة بيت المقدس وتوزيع الأرض عليهم؛ فقرَّروا الهجوم الفوريَّ وعدم انتظار الاستسلام أو السُّقوط.

هجوم الصَّليبيِّين على القدس وحصول المذبحة الفاطميِّة

شنَّ الصَّليبيُّون هجومًا على أسوار المدينة الشَّماليَّة من الخارج فاقتحموها لكنَّهم لم يجدوا ما يصعدون به ويتسلَّقون الأسوار العالية؛ فيأسوا وقرَّروا الانسحاب، وبينا هم كذلك جاءتهم إمدادات من البحر - بقيادة وليم السِّكِّير وكاستون الرَّابع - عبارة عن سفينتين جنويَّتين محمَّلتين بالمؤن والسِّلاح والحبال وما يحتاجون إليه من أدوات لتسلُّق الأسوار، فقام الصَّليبيُّون من فورهم بصناعة السَّلالم والأبراج، ونجحوا في التَّسلُّق والقتال العنيف الذي سقطت به المدينة في قبضتهم، وقاموا بمذبحة مروِّعة بأهالي بيت المقدس حتى جرت الدِّماء في الطُّرقات إلى الكعب، ولحقوا بمن فرَّ منهم ولاذ بالمسجد الأقصى فذبحوهم شرَّ ذبحة حتى بلغ عدد من قتلوه في المسجد نحو سبعين ألف إنسان، ولم يتركوا من فرَّ بل لاحقوهم في كلِّ مكان، واقتحموا البيوت، وأشبعوا سيوفهم من دمائهم، وخيَّمت على المدينة سحابة الدَّم، وديست الجثث، ولم يرحموا امرأة ولا طفلًا، ولا مسلمًا ولا يهوديًّا؛ فقد حرَّقوا على اليهود الكنيس بعد فرارهم إليه؛ وفي ذلك يقول وليم الصُّوريُّ: "كان من المستحيل أن يُطالع المرء كثرة القتلى دون أن يستولي عليه الفزع، فقد كانت الأشلاء البشريَّة في كلِّ ناحية، وغطَّت الأرضَ دماءُ المذبوحين، ولم تكن مُطالعة الجثث - وقد فارقتها رؤوسها - ورؤية الأعضاء المبتورة المبعثرة في جميع الأرجاء هي وحدها التي أثارت الرُّعب في نفوس جميع من شاهدوها، بل كان هناك ما هو أبعث على الفزع ألَّا وهو منظر المنتصرين أنفسهم وقد تخضَّبوا بالدِّماء فغطَّتهم من رؤوسهم إلى أخمص أقدامهم، فكان منظرًا مروِّعًا بثَّ الرُّعب في قلوب كلِّ مَن قابلوهم، ويُقال: قُتل في داخل ساحة المسجد وحدها عشرة آلاف من المارقين، بالإضافة إلى أنَّ القتلى الذين تناثرت جثثهم في كلِّ شوارع المدينة وميادينها لم يكونوا أقلَّ عددًا ممَّن ذكرناهم، وانطلق بقيَّة العسكر يجوسون خلال الدِّيار بحثًا عمَّن لازال حيًّا من التُّعساء الذين قد يكونون مختفين في الأزقَّة والدُّروب الجانبيَّة فرارًا من الموت، فكانوا إذا عثروا عليهم سحبوهم على مشهد من النَّاس وذبحوهم ذبح الشِّياه" [3]

سيطرة الصَّليبيِّين على القدس وموت أوربان

وبعد أن استتبَّت الأمور للصَّليبيِّين الإفرنج دخلوا كنيسة القيامة باكين من شدِّة الفرح لتحقيق الهدف الذي من أجله كانت الحروب الصَّليبيَّة، وقبل ذلك مات البابا أوربان الثَّاني الذي أشعل فتيل الحرب وأطلق شرارتها الأولى، وإليه ينسب الصَّليبيُّون ما تحقَّق لهم من ظفر وانتصار، واستمرَّ حكم الصَّليبيِّن من هذا التَّاريخ: (1099م).

عجز الخلافة العبَّاسيَّة عن استرداد القدس من الصَّليبيِّين

في هذه الأثناء استنجد بعض المسلمين في الشَّام بالخلافة العبَّاسيَّة في استرداد بيت المقدس من أيدي الصَّليبيِّين بعد أن استحوذوا عليه فخرجت جماعة من بغداد بصحبة القاضي الفقيه أبي سعد الهرويِّ إلى ديوان الخليفة العبَّاسيِّ المستظهر بالله بن المقتدي بالله، فتأثَّر بالخبر وتأثَّر الجميع من المسلمين الذي صدحت منابرهم بالحديث في الأمر، ونظرًا للاضطرابات التي كانت تعصف بالدَّولة العبَّاسيَّة والامبراطوريَّة السَّلجوقيَّة العظمى توقَّف الأمر عند حدِّ الحزن والكلام.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله