الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

صلاح الدِّين في مصر في عهد الفاطميِّين

تولَّى الوزارةَ أسدُ الدِّين شيركوه بعد خلع شاور والقضاء عليه بأمر من الخليفة الفاطميِّ العاضد لدين الله، وكانت الأمور في مصر بيد الوزراء، ولم يكن للخليفة شيء من ذلك، وأطلق شيركوه يد صلاح الدِّين لحكمته وحسن سياسته، وأَسند الخليفة الوزارة إلى صلاح الدِّين بعد وفاة عمِّه أسد الدِّين شيركوه [1]، قيل إنَّ ذلك كان بضغط من الدَّولة الزِّنكيَّة وعلى رأسها نور الدِّين محمود [2]، وقد حاول بعض القادة الفاطميِّين اغتياله وإثارة الجند الزُّنوج على قتله [3]، لكنَّ صلاح الدِّين تمكَّن من كسر شوكتهم حتى لانت له الدَّولة واستقام له اعوجاج القادة، حيث تخلَّص من حرس قصر الخليفة الفاطميِّ واستعان بحراس موالين له لضمان عدم التَّمرُّد، ومن ثمَّ التَّفرُّغ لمواجهة المخاطر التي تواجه مصر من هجوم الحملة الصَّليبيَّة.

كان يرى الملك عموري الأوَّل ملك مملكة بيت المقدس أنَّ صلاح الدِّين غير مناسب للموقع لأنَّه غير محنَّك، ومناسبة الوقت لشنِّ هجماته على مصر لوفاة أسد الدِّين شيركوه، وانشغال نور الدِّين محمود بالحروب والمشاكل الدَّاخليَّة على الجبهة الشَّاميَّة، ولأجل ذلك طلب الإمداد من البابا الكسندر الثَّالث فلم يستجب ملوك أوروبا، بينما استجاب الإمبراطور البيزنطيِّ عمانوئيل كومنينوس [4]، ومع محاولات أَرسل الصَّليبيُّون حملة على مصر دخلت دمياط سنة: (565ه=1169م) فأرسل صلاح الدِّين قوَّاته بقيادة شهاب الدِّين محمود وابن أخيه تقيِّ الدِّين عمر، ودافع أهل دمياط عنها ببسالة صدَّت حصار الصَّليبيِّين الذي استمرَّ 50 يومًا وغادر بعد سقوط الأمطار التي أفسدت عليهم معسكرهم، ومنعت وصول جيوش البزينطيِّين عبر النهر بما قامت به من سلسلة المقاتلين الذين انتشروا عليه، وهاجت الرِّيح العنيفة التي هلك بسببها معظم جنود البيزنطيِّين، وردَّ الله الصَّليبيِّين والبزنطيِّين عن أرض مصر؛ {وَرَدَّ ‌ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيۡظِهِمۡ لَمۡ يَنَالُواْ خَيۡرٗاۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلۡقِتَالَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزٗا} [الأحزاب: 25]

وقد لاحق صلاح الدِّين وجيشه الصَّليبيِّين المنسحبين حتى أدركهم في دير البلح - وسط غزَّة بفلسطين - فخرج إليهم عموري الأوَّل وحاميته؛ فحوَّل صلاح الدِّين مسيرته إلى قلعة إيلات في خليج العقبة ففتحها؛ لأنَّهم كانوا يعترضون بعض السُّفن التِّجاريَّة فأراد أن يسيطر عليها لتأمين الطَّريق، وحرص على عدم الاصطدام بالجيش الصَّليبيِّ بعد انضمام عموري وحاميته؛ لعدم التَّكافؤ، وهذا من الحكمة التي تحقَّقت للقادة العسكريِّين الإسلاميِّين في المعارك غير المتكافئة بعد البذل والمشاركة، وهو الانسحاب دون هزيمة أو خسائر في العدد أو العتاد، وهو نوع من النَّصر؛ لأنَّه جنَّب الجيش الخسائر؛ فليس النَّصر فوزًا بالغنائم على كلِّ أحواله، ولكن من النَّصر الحفاظ على العدد والعُدَّة من غير هلاك أو مفسدة.

وبعد أن استقرَّ الأمر لصلاح الدِّين طالبه نور الدّين محمود بإعلان مصر دولة تابعة للخلافة العبَّاسيَّة من خلال إيقاف الدُّعاء للخليفة الفاطميِّ على المنابر، والتَّوجُّه بالدُّعاء للخليفة العبَّاسيِّ، لكنَّ صلاح الدِّين لم يتعجَّل في ذلك لعلمه بقدر النُّفوذ الشِّيعيِّ في مصر، فلم يكن صلاح الدِّين قد نجح في إبطاله بعد [5]، فعزم نور الدِّين على مجيء مصر لإتمام ذلك بنفسه، فقام صلاح الدِّين بما يلزم لإجابة طلب نور الدِّين دون استجابة من الخطباء إلى أن خطب شيخ زائر من أهل الموصل فخطب في الجامع الأزهر للخليفة العبَّاسيِّ وتبعه على ذلك الخطباء، واستمرَّ الأمر إلى وفاة العاضد لدين الله التي كانت نهاية الدَّولة الفاطميَّة في مصر [6]، فآلت مصر إلى أبي المظفَّر صلاح الدِّين الأيوبيِّ، ونقل إليها أهله ليكونوا عونًا له فيها.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله