صلاح الدِّين في مصر في عهد الفاطميِّين تولَّى الوزارةَ أسدُ الدِّين شيركوه بعد خلع شاور والقضاء عليه بأمر من الخليفة الفاطميِّ العاضد لدين الله، وكانت الأمور في مصر بيد الوزراء، ولم يكن للخليفة شيء من ذلك، وأطلق شيركوه يد صلاح الدِّين لحكمته وحسن سياسته، وأَسند الخليفة الوزارة إلى صلاح الدِّين بعد وفاة عمِّه أسد الدِّين شيركوه [1] ، قيل إنَّ ذلك كان بضغط من الدَّولة الزِّنكيَّة وعلى رأسها نور الدِّين محمود [2] ، وقد حاول بعض القادة الفاطميِّين اغتياله وإثارة الجند الزُّنوج على قتله [3] ، لكنَّ صلاح الدِّين تمكَّن من كسر شوكتهم حتى لانت له الدَّولة واستقام له اعوجاج القادة، حيث تخلَّص من حرس قصر الخليفة الفاطميِّ واستعان بحراس موالين له لضمان عدم التَّمرُّد، ومن ثمَّ التَّفرُّغ لمواجهة المخاطر التي تواجه مصر من هجوم الحملة الصَّليبيَّة.
كان يرى الملك عموري الأوَّل ملك مملكة بيت المقدس أنَّ صلاح الدِّين غير مناسب للموقع لأنَّه غير محنَّك، ومناسبة الوقت لشنِّ هجماته على مصر لوفاة أسد الدِّين شيركوه، وانشغال نور الدِّين محمود بالحروب والمشاكل الدَّاخليَّة على الجبهة الشَّاميَّة، ولأجل ذلك طلب الإمداد من البابا الكسندر الثَّالث فلم يستجب ملوك أوروبا، بينما استجاب الإمبراطور البيزنطيِّ عمانوئيل كومنينوس [4] ، ومع محاولات أَرسل الصَّليبيُّون حملة على مصر دخلت دمياط سنة: (565ه=1169م) فأرسل صلاح الدِّين قوَّاته بقيادة شهاب الدِّين محمود وابن أخيه تقيِّ الدِّين عمر، ودافع أهل دمياط عنها ببسالة صدَّت حصار الصَّليبيِّين الذي استمرَّ 50 يومًا وغادر بعد سقوط الأمطار التي أفسدت عليهم معسكرهم، ومنعت وصول جيوش البزينطيِّين عبر النهر بما قامت به من سلسلة المقاتلين الذين انتشروا عليه، وهاجت الرِّيح العنيفة التي هلك بسببها معظم جنود البيزنطيِّين، وردَّ الله الصَّليبيِّين والبزنطيِّين عن أرض مصر؛ {وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيۡظِهِمۡ لَمۡ يَنَالُواْ خَيۡرٗاۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلۡقِتَالَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزٗا} [الأحزاب: 25]
وقد لاحق صلاح الدِّين وجيشه الصَّليبيِّين المنسحبين حتى أدركهم في دير البلح - وسط غزَّة بفلسطين - فخرج إليهم عموري الأوَّل وحاميته؛ فحوَّل صلاح الدِّين مسيرته إلى قلعة إيلات في خليج العقبة ففتحها؛ لأنَّهم كانوا يعترضون بعض السُّفن التِّجاريَّة فأراد أن يسيطر عليها لتأمين الطَّريق، وحرص على عدم الاصطدام بالجيش الصَّليبيِّ بعد انضمام عموري وحاميته؛ لعدم التَّكافؤ، وهذا من الحكمة التي تحقَّقت للقادة العسكريِّين الإسلاميِّين في المعارك غير المتكافئة بعد البذل والمشاركة، وهو الانسحاب دون هزيمة أو خسائر في العدد أو العتاد، وهو نوع من النَّصر؛ لأنَّه جنَّب الجيش الخسائر؛ فليس النَّصر فوزًا بالغنائم على كلِّ أحواله، ولكن من النَّصر الحفاظ على العدد والعُدَّة من غير هلاك أو مفسدة.
وبعد أن استقرَّ الأمر لصلاح الدِّين طالبه نور الدّين محمود بإعلان مصر دولة تابعة للخلافة العبَّاسيَّة من خلال إيقاف الدُّعاء للخليفة الفاطميِّ على المنابر، والتَّوجُّه بالدُّعاء للخليفة العبَّاسيِّ، لكنَّ صلاح الدِّين لم يتعجَّل في ذلك لعلمه بقدر النُّفوذ الشِّيعيِّ في مصر، فلم يكن صلاح الدِّين قد نجح في إبطاله بعد [5] ، فعزم نور الدِّين على مجيء مصر لإتمام ذلك بنفسه، فقام صلاح الدِّين بما يلزم لإجابة طلب نور الدِّين دون استجابة من الخطباء إلى أن خطب شيخ زائر من أهل الموصل فخطب في الجامع الأزهر للخليفة العبَّاسيِّ وتبعه على ذلك الخطباء، واستمرَّ الأمر إلى وفاة العاضد لدين الله التي كانت نهاية الدَّولة الفاطميَّة في مصر [6] ، فآلت مصر إلى أبي المظفَّر صلاح الدِّين الأيوبيِّ، ونقل إليها أهله ليكونوا عونًا له فيها.
(1) من كياسة وفطنة أبي المظفَّر السُّلطان صلاح الدِّين أنَّه بعد دخول مصر واستوزار الخليفة الفاطميِّ له من بعد عمِّه أسد الدِّين شيركوه، عمِل على التَّعاون وتسيير أمور مصر، مع أنَّه ليس فاطميًّا شيعيًّا، بل كان سنِّيًّا يكره الشِّيعة ويعمل على استئصال شأفتهم، وجميع قادة هذا الجيل الذي أدَّى إلى الفتح والنَّصر وضعوا في حُسبانهم خطر الشَّيعة فحاربوهم من أوَّل يوم؛ لأنَّهم يعرفون أنَّهم ضعفاء يُعينون على المسلمين، ومن حكمة صلاح الدِّين أنَّه أخَّر التَّخلُّص منهم إلى حين تمكَّن من صنع قاعدة عريضة له في مصر من خلال الإصلاح والإعداد؛ فكان الانتقال من التَّشيُّع إلى السُّنَّة يسيرًا لم تنتج عنه مصادمات.
([2]) كانت الأطماع تحيط بوزارة مصر بعد موت أسد الدِّين شيركوه، ومن توفيق الله تعالى لمصر أن يسَّر لها أبا المظفَّر صلاح الدِّين الأيُّوبيَّ في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الأمَّة الميمونة، وقد سيقت إليها من خلال خاله شهاب الدِّين محمود الحارميِّ؛ قال أبو شامة : "قال ابن ابي طيٍّ: "وساعة وفاته [أسد الدِّين شيركوه] وقع الاختلاف فيمن يولَّي الوزارة بين العسكر الشَّاميِّ ومالت الأسديَّة إلى صلاح الدِّين، وفي تلك السَّاعة أنفذ العاضد وسأل عمَّن يصلح للوزارة، فأُرشد من جماعة من الأمراء إلى شهاب الدِّين محمود الحارميِّ خال صلاح الدِّين، فأنفذ إليه وأحضره وخاطبه في تولِّي الوزارة، فأمتنع من ذلك، وأشار بولاية الملك النَّاصر، وكان الحارميُّ أوَّلًا قد رغب في الوزارة، وتحدَّث فيها، وحصل ما يحتاجه، فلمَّا رأى مُزاحمة عين الدَّولة الياروقيِّ وغيره عليها خاف أن يشتغل بطلبها فتفوته، وربَّما فاتت صلاح الدِّين فأشار به لأنَّها إذا كانت في ابن اخته كانت في بيته، وكان صلاح الدِّين قد وقع من العاضد بموقع، وأعجبه عقله، وسداد رأيه، وشجاعته وإقدامه على شاور في موكبه، وأنَّه قتله حين جاءه أمره ولم يتريَّث ولا توقَّف، فسارع إلى تقليده الوزارة وما خرج شهاب الدِّين الحارميُّ من حضرة العاضد إلَّا وخلع الوزارة قد سبقت إلى الملك الناصر... وقُرئ المنشور بين يدي الملك النَّاصر يوم جلوسه في دار الوزارة، وحضر جميع أرباب الدَّولتين المصريَّة والشَّاميَّة وكان يومًا عظيمًا... ولـمَّا استقرَّت قدمه في الوزارة والرِّياسة قام في الرَّعيَّة بشريعة السِّياسة، ونظَّم بحسن تدبيره من الدَّولة بددها، وجرى في مناهج العدل على جددها، وحيعل إلى جوده وفضله، ونادى إلى رفده وبذله، وكاتب الأطراف بما صار إليه من السُّلطان، وسرَّ قلوب الأصدقاء والأحباب بما حصل عليه من شريف الرُّتبة والمكان، واستدعى إلى حوزته الأصحاب والأهل، وروى بسيح كرمه من بعُد منه وقرُب من أهل الفضل... وتيقَّظ للتَّدبير، وسها عن السَّهو، وتقمَّص بلباس الدِّين، وحفظ ناموس الشَّرع المبين، وشمَّر عن ساق الجدِّ والاجتهاد، وأفاض على النَّاس من كرمه وجود جوده شآبيب فضله النَّائب عن العهَّاد وورد عليه القصَّاد والزُّوار وأمَّ بنفائس الخطب وجواهر الأشعار" الرَّوضتين في أخبار الدَّولتين النُّوريَّة والصَّلاحيَّة، لأبي شامة، (2/114).
(3) لـمَّا تولَّى صلاح الدِّين الوزارة وأثبت نفسه وأُعجب بسياسته الخليفة الفاطميُّ مال إليه وأطلق يده في كلِّ شيء، وكان هذا هو الشَّأن في الخلافة الفاطميَّة، فلم يكن الخليفة ذا أثر، وكانت الأمور في يد الوزراء، ولكنَّ العاضد زاد من نفوذ الملك النَّاصر صلاح الدِّين الأيُّوبيِّ بما رآه من شخصيَّته من القوَّة والشَّجاعة؛ فلم يقع هذا عند بعض الأمراء موقع السَّعادة؛ فقد كانوا يتنافسون على كرسيِّ الوزارة ثمَّ جاء أبو المظفَّر واقتنصها منهم؛ فناصبوه العداوة، وأضمروا له الحقد، وأرادوا التَّخلُّص منه، وزاد أنَّ الفاطميِّين كانوا يرونه عدوًّا لاختلاف المذهب؛ قال أبو شامة : "أقبل العاضد على السُّلطان الملك النَّاصر وأحبَّه محبَّة عظيمة، وبلغ من محبَّته له أنَّه كان يدخل إليه إلى القصر راكبًا، فإذا حصل عنده أقام معه في قصره اليوم والعشرة لا يعلم أين مقرُّه، ولـمَّا استولى الملك النَّاصر على الوزارة، ومال إليه العاضد، وحكَّمه في ماله وبلاده، حسده من كان معه بالدِّيار المصريَّة من الأمراء الشَّاميَّة كابن ياروق وجرديك وجماعة من غِلمان نور الدِّين، ثمَّ إنَّهم فارقوه وصاروا إلى الشَّام" الرَّوضتين في أخبار الدَّولتين النُّوريَّة والصَّلاحيَّة، لأبي شامة، (2/117).
(4) أقبلت الحملة الصَّليبيَّة على مصر إبَّان تولِّي صلاح الدِّين للوزارة بعد استغاثة عموري الأوَّل ملك مملكة بيت المقدس، في الوقت الذي استجاب فيه الإمبراطور عمانوئيل كومنينوس، فأصبحت مصر بين مطرقتين: جيوش الصَّليبيِّين الذين حاصروا دمياط نحو 50 يومًا، وجحافل البيزنطيِّين الذين ركبوا البحر متَّجهين إلى مصر، ويُساعدهم على ذلك عدم استقرار الحكم في القاهرة بسبب المناوشات على الحكم، وإرادة التَّخلُّص من صلاح الدِّين؛ قال ابن الأثير : "في هذه السَّنة في صفر نزل الفرنج على مدينة دمياط من الدِّيار المصريَّة، وحصروها، وكان الفرنج بالشَّام لـمَّا ملك أسد الدِّين شيركوه مصر قد خافوه وأيقنوا بالهلاك، وكاتبوا الفرنج الذين بصقلِّيَّة والأندلس وغيرهما يستمدُّونهم ويعرِّفونهم ما تجدَّد من ملك الأتراك مصر، وأنَّهم خائفون على البيت المقدَّس منهم، فأرسلوا جماعة من القساوس والرُّهبان يحرِّضونهم على الحركة؛ فأمدُّوهم بالأموال والرِّجال والسِّلاح، واتَّعدوا للنِّزول على دمياط ظنًّا منهم أنَّهم يملكونها، ويتَّخذونها ظهرًا يملكون به الدِّيار المصريَّة: {وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيۡظِهِمۡ لَمۡ يَنَالُواْ خَيۡرٗاۚ} [الأحزاب: 25] فإلى أن دخلوا كان أسد الدِّين قد مات وملك صلاح الدِّين، فاجتمعوا عليها وحصروها وضيَّقوا على مَن بها، فأرسل إليها صلاح الدِّين العساكر في النِّيل، وحشر فيها كلَّ مَن عنده، وأمدَّهم بالأموال والسِّلاح والذَّخائر... وكانت مدَّة مقامهم على دمياط خمسين يومًا أخرج فيها صلاح الدِّين أموالًا لا تُحصَى" - الكامل في التَّاريخ، لابن الأثير، (9/350) - فلم يقف صلاح الدِّين مكتوف اليدين حيال هذا الخطر الذي نزل بالبلاد، بل خطَّط ودبَّر، وأنفق وكثَّر، وأمدَّ الجيش بالعدد والعتاد والعدَّة، وكان مغتمًّا لما حلَّ ونزل؛ قال أبو شامة: "وقال العماد: "أقام صلاح الدِّين بالقاهرة في دار مُلكه ومدار فلكه يُنهِض إليها المدد بعد المدد، ويُرسل إليها العدد بعد العدد، ويسهر ليله، ولا يقيل نهاره، وقد أخلص لله سرَّه وجهاره، ولا ينام ولا يُنيم، وعنده من ذلك المقعد المقيم" الرَّوضتين في أخبار الدَّولتين النُّوريَّة والصَّلاحيَّة، لأبي شامة، (2/ 142).
وممَّا يصوِّر المشهد بوضوح ويُجلِّي حقيقة ما وقع من تكالب العدوِّ الدَّاخليِّ والخارجيِّ على مصر في هذه المرحلة الحرجة من تاريخها رسالة الملك النَّاصر صلاح الدِّين الأيوبيِّ للمك العادل نور الدِّين محمود، وفيها: "إن تأخَّرت عن دمياط ملكها الإفرنج، وإن سرت إليها خلفني المصريُّون في أهلها بالشَّرِّ، وخرجوا عن طاعتي، وساروا في أثري، والفرنج أمامي؛ فلا يبقى لنا باقية" فسيَّر نور الدِّين العساكر إليه أرسالًا يتلو بعضها بعضًا، ثمَّ سار هو بنفسه إلى بلاد الفرنج الشَّاميَّة، فنهبها، وأغار عليها واستباحها، فوصلت الغارات إلى ما لم تكن تبلغه قبل لخلوِّ البلاد من مانع" - الكامل في التَّاريخ لابن الأثير (9/350) - وقد بلغ الحزن والهمُّ بنور الدِّين مبلغًا عظيمًا قال أبو شامة: "وكان لـمَّا وصل الخبر إلى نور الدِّين بوصولهم واجتماعهم على دمياط ونزولهم اغتمَّ واهتمَّ واستصعب الملمَّ، وأنهض مِن عنده عسكرًا ثقيلًا مقدَّمه الأمير قطب الدِّين خسرو الهذبانيُّ - وكان مِقدامًا مُقدَّمًا وهمامًا معلَّمًا - وأمره أن يسير بالعسكر ويخوض بهم بحر العجاج الأكدر، فوصل في النِّصف من ربيع الأوَّل قبل رحيل الفرنج بأسبوع، فوقع روعه من الكفر في كلِّ روع. وبلغني من شدَّة اهتمام نور الدِّين رحمه الله بأمر المسلمين حين نزل الفرنج على دمياط أنَّه قرِئ عليه جزء من حديث كان له به رواية، فجاء في جملة تلك الأحاديث حديث مُسلسل بالتَّبسُّم فطلب منه بعض طلبة الحديث أن يتبسم لتتمَّ السَّلسَلة على ما عرُف من عادة أهل الحديث، فغضب من ذلك وقال: "إنِّي لأستحيي من الله تعالى أن يراني مُتبسمًا والمسلمون محاصرون بالفرنج" - الرَّوضتين في أخبار الدَّولتين النُّوريَّة والصَّلاحيَّة، لأبي شامة المقدسيِّ، (2/143) - ولم يقف نور الدِّين مكتوف اليدين - فإنَّهم رجال لا يعرفون اليأس - حيث قام بشنِّ غارات على حصون الصَّليبيِّين في بلاد الشَّام؛ حتى يُخفِّف ضغطهم عن مصر، وهذه سياسة عسكريَّة حكيمة تؤتي ثمارها، ولكنِّي هنا أريد الإشارة إلى أنَّه قد حصل في هذه الأثناء ما يدلُّ على لطف الله تعالى بصلاح الدِّين وجنده ومصر؛ حيث سقطت أمطار غريزة حوَّلت المعسكر الصَّليبيَّ إلى وحل وطين بحيث لم يتمكَّنوا من الحركة فغادروا وتراجعوا، وهبَّت الرِّياح العنيفة التي أسقطت جنود الرَّومان في البحر فلك كثير منهم، ومن نجا وجد الجيش في انتظاره على السَّاحل فلم يخرجوا من البحر، فكانت الأمطار والرِّياح من جنود الله تعالى تقاتل مع الجنود؛ {وَمَا يَعۡلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَۚ} [المدثر: 31] وهذا درس عظيم من دروس المعارك يتلخَّص في ضرورة أن يبذل المرء طاقته في الأخذ بالأسباب؛ قال تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ} [الأنفال: 60] ثمَّ يطلب العون من الله تعالى في الظَّفر والنَّصر، فقد بذل صلاح الدِّين جهده في حماية مصر والبقاء في القاهرة لحفظ الأمن فيها، وأرسل جيشه إلى دمياط لمواجهة الزَّحف الصَّليبيِّ، وشنَّ نور الدِّين في الشَّام الغارات والمناورات لتخفيف الضَّغط عن مصر، وقاتلت الحامية في دمياط ببسالة وقوَّة؛ فنتج عن كلِّ هذه الجهود أن تعاونت الأمطار والرِّياح معهم في هذه المواجهة التي كان من المخطَّط له أن تستولي على مصر بلا مواجهة، لكن الظَّفر والنَّصر مع المؤمنين؛ {وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} [آل عمران: 139]
(5) قال أبو شامة : "كان النَّاصر صلاح الدِّين قد تولَّى الوزارة ولم يتمكَّن من ضبط أمور الدَّولة؛ لكثرة الصِّراعات والخلافات والأطماع، مع تربُّص العدوِّ بالخارج والدَّاخل وعلى الحدود، فقصد تأخير الدُّعاء للخليفة العبَّاسيِّ حتَّى يستتبَّ الأمان، وتقع الأمان، وتسلم مصر له من كلِّ عدوٍّ معاند؛ قال أبو شامة: "ولـمَّا قدم الأمير نجم الدِّين حداه على فعل ذلك، فاعتذر إليه بأنَّ أحواله لم تستقرَّ بعد، وأموره مضطربة، وأعداؤه كثيرون، وأنَّ المصريِّين لهم جماعة كبيرة متفرِّقة في بلاد مصر من السُّودان وغيرهم، وأنَّ هذا الأمر وإن لم يُؤخذ على التَّدريج وإلَّا فسدت أحواله... فلمَّا رأى أموره مواتية، وأعداؤه قليلون، شرع حينئذ في الخطبة لبني العبَّاس، ولـمَّا عوَّل على ذلك أمر والده الأمير نجم الدِّين بالنُّزول إلى الجامع في جماعة من أصحابه وأمراء دولته، وذلك في أوَّل جمعة من السَّنة، وأمره أن يحضر الخطيب إليه ويأمره بما يختاره، وإنَّما فعل الملك النَّاصر ذلك ووكل الأمر إلى غيره؛ استظهارًا وخوفًا من فادحة ربَّما طرأت أو عدوٍّ ربَّما ثار فيكون هو مُعتذرًا من ذلك، ولـمَّا حصل نجم الدِّين بالجامع أحضر الخطيب وقال له: "إن ذكرت هذا المقيم بالقصر ضربتُ عنقك" فقال: "فلمن أخطب؟" قال للمستضيء العبَّاسيِّ فلمَّا صعد المنبر وخطب ووصل إلى ذكر العاضد لم يذكر أحدًا لكنَّه دعا للأئمَّة المهديِّين وللسُّلطان الملك النَّاصر ونزل، فقيل له في ذلك فقال: "ما علمت اسم المستضيء ولا نعوته ولا تقرَّر معي في ذلك شيء قبل الجمعة، وفي الجمعة الثَّانية أفعل إن شاء الله ما يجب فعله في تحرير الاسم والألقاب على جاري العادة في مثل ذلك" الرَّوضتين في أخبار الدَّولتين النُّوريَّة والصَّلاحيَّة، لأبي شامة، (2/198).
(6) قال أبو شامة : "وضعف أمر العاضد وهو الخليفة بها، ولم يبق من العساكر المصريَّة أحد، كتب إليه الملك العادل نور الدِّين محمود يأمره بقطع الخطبة العاضديَّة وإقامة الخطبة العبَّاسيَّة فاعتذر صلاح الدِّين بالخوف من وثوب أهل مصر وامتناعهم من الإجابة إلى ذلك؛ لميلهم إلى العلويِّين، فلم يصغ نور الدِّين إلى قوله، وأرسل إليه يلزمه بذلك إلزامًا لا فُسحة له فيه، واتَّفق أنَّ العاضد مرض وكان صلاح الدِّين قد عزم على قطع الخطبة له، فاستشار الأمراء كيف يكون الابتداء بالخطبة العبَّاسيَّة، فمنهم من أقدم على المساعدة وأشار بها، ومنهم من خاف ذلك إلَّا أنَّه لم يمكنه إلَّا امتثال أمر نور الدِّين وكان قد دخل إلى مصر إنسان أعجميٌّ يعرف بالأمير العالم - وقد رأيناه بالموصل كثيرًا - فلمَّا رأى ما هم فيه من الإحجام قال: "أنا ابتدئ بها" فلمَّا كان أوَّل جمعة من المحرَّم صعد المنبر قبل الخطيب، ودعا للمستضيء بأمر الله، فلم يُنكر أحد ذلك عليه، فلمَّا كان الجمعة الثَّانية أمر صلاح الدِّين الخطباء بمصر والقاهرة بقطع خُطبة العاضد، وإقامة الخطبة للمستضيء بأمر الله، ففعلوا ذلك ولم ينتطح فيها عَنزان، وكتب بذلك إلى سائر الدِّيار المصريَّة، وكان العاضد قد اشتدَّ مرضه فلم يُعلِمه أهله وأصحابه بذلك، وقالوا: "إن سلم فهو يعلم، وإن تُوفِّي فلا ينبغي أن ننغِّص عليه هذه الأيَّام التي قد بقيت من أجله" فتوفِّي يوم عاشوراء ولم يعلم" الرَّوضتين في أخبار الدَّولتين النُّوريَّة والصَّلاحيَّة، لأبي شامة، (2/190).
لقد فرح الملك العادل نور الدِّين محمود، والخلافة العبَّاسيَّة ببغداد، وعموم المسلمين بهذا التَّحوَّل الكبير الذي حصل في مصر، وهو بمثابة إعلان لتنقية مصر من التَّشيُّع وكونها وجهة خالصة للمسلمين السُّنَّة، وهو فتح عظيم كان من خلاله فتح بيت المقدس على يد صلاح الدِّين الأيُّوبيِّ، والذي بينه وبين التَّحرُّر من تبعيَّة مصر للفاطميِّين قرابة 15 سنة، وهي إشارة ظاهرة إلى قوَّة مصر وأهمِّيَّتها في معادلة التَّحرير، فلابدَّ أن يكون لها دور رياديٌّ فيه؛ قال ابن كثير : "في أوَّل جمعة منها - سنة سبع وستِّين وخمسمئة - أمر صلاح الدِّين بإقامة الخطبة لبني العبَّاس بمصر، وفي الجمعة الثَّانية بالقاهرة، وكان ذلك يومًا مشهودًا، ولـمَّا انتهى الخبر إلى الملك نور الدِّين بالشَّام أرسل إلى الخليفة يُعلمه بذلك مع ابن أبي عصرون شهاب الدِّين أبي المعالي المطهِّر، فزيِّنت بغداد، وغُلِّقت الأسواق، وعُملت القباب، وفرح المسلمون فرحًا شديدًا، وكانت الخطبة قد قُطعت من ديار مصر سنة تسع وخمسين وثلاثمئة في خلافة المطيع العبَّاسيِّ حين تغلَّب الفاطميُّون عليها أيَّام المعزِّ الفاطميِّ باني القاهرة إلى هذا الأوان، وذلك مائتا سنة وثمان سنين" البداية والنِّهاية، لابن كثير، (16/450).