الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

معركة ملاذكرد وجهود الدَّولة السَّلجوقيَّة

كانت دولة السَّلاجقة العِظام مسلمة تتوسَّع في منطقة الشَّرق الأدنى من أوروبَّا - منطقة بالأناضول، والهلال الخصيب الذي يضمُّ بلاد الشَّام: (الأردن، وسوريا، ولبنان، وفلسطين، وشبه الجزيرة العربيَّة، وبلاد الرَّافدين العراق، ومصر) - على حساب الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة الرُّومانيَّة الشَّرقيَّة النَّصرانيَّة، وفي عام: (463ه=1071م) قامت معركة ملاذكرد [1] بين السَّلاجقة والبيزنطيِّين، والتي انتهت بهزيمة ساحقة للأخير وأُسر قائدهم الإمبراطور رومانوس الرَّابع، ووصل المسلمون إلى الأناضول وفتحوا أغلب بلادها، فاستغاث الإمبراطور البيزنطيُّ الكسيوس الأوَّل بالغرب لإيقاف توسُّع المسلمين؛ فاستجاب لاستغاثته بابا الفاتيكان أوربان الثَّاني [1] ليُحقِّق أطماعه التَّوسُّعيَّة بصدِّ زحف المسلمين عن أروبَّا، واستحواذ البابويَّة على الكنيسة الأرثوذكسيَّة الشَّرقيَّة، وجعل روما مقرِّ الفاتيكان والبابويَّة حاضرة العالم وموقع قيادته، وبالفعل اتَّخذ البابا أوربان الثَّاني خطواته لتحقيق هذه الأهداف حين ألقى كلمته في المجمع الكنسيِّ الذي تجتمع فيه السُّلطات الكنسيَّة في مدينة كيلرمونت سنة: (1095م) حثَّ فيها أوروبَّا الكاثوليكيَّة على الحرب في منطقة الشَّرق الأدنى بهدف تخليص القبر المقدَّس - الذي يعتقدون زورًا أنَّ المسيح صُلب عليه، وهو في القدس، ومكانه بُنيت كنيسة القيامة أهمُّ كنيسة عند النَّصارى - وبشَّرهم بالغفران الكامل وبهدنة ورعاية كنسيَّة تحمي بيوتهم في مقابل الحرب.

لقد كانت هذه المعركة بحقٍّ من أعظم معارك التَّاريخ؛ حيث اجتمعت فيها جحافل الرُّوم على جيش المسلمين بقياد السُّلطان ألب أرسلان السُّلجوقيِّ رحمه الله، واختلَّت الموازنة العدديَّة بين الجيشين؛ إذ كان جيش الرُّوم مئتي ألف مقاتل، بينما جيش المسلمين خمس عشرة ألف مقاتل، وبالنَّظر المجرَّد إلى هذا العدد لا يُمكن توقُّع النَّصر لصفوف المسلمين، ومع انكسار كفَّة ميزان القوى لصالح الرُّوم إلَّا أنَّ الله تعالى نصر جيش المسلمين عليهم في هذه المعركة؛ قال ابن الأثير رحمه الله: "في هذه السَّنة خرج أرمانوس ملك الرُّوم في مئتي ألف من الرُّوم، والفرنج، والغرب، والرُّوس، والبُجناك، والكُرج، وغيرهم من طوائف تلك البلاد، فجاءوا في تجمُّل كثير، وزيٍّ عظيم، وقصد بلاد الإسلام، فوصل إلى ملازكرْد من أعمال خلاط، فبلغ السُّلطانَ ألب أرسلان الخبرُ وهو بمدينة خَويَّ من أذربيجان قد عاد من حلب، وسمع ما هو ملك الرُّوم فيه من كثرة الجموع، فلم يتمكَّن من جمع العساكر لبعدها وقرب العدوِّ، فسيَّر الأثقال مع زوجته ونظام الملك إلى همَذان، وسار هو فيمن عنده من العساكر، وهم خمسة عشر ألف فارس، وجدَّ في السَّير وقال لهم: "إنَّني أُقاتل مُحتسبًا صابرًا، فإن سلمت فنعمة من الله تعالى، وإن كانت الشَّهادة فإنَّ ابني ملكشاه وليُّ عهدي، وساروا" [2]

والمتأمِّل في موقف السُّلطان ألب أرسلان رحمه الله يرى حسن التَّصرُّف والتَّخفُّف من الأثقال والأحمال والنِّساء، والاكتفاء بالجنود الذين معه، والإقدام على القتال بكلِّ بسالة وتضحية وفداء، وحثِّ الجنود على المواجهة، مع حسن توكُّل على الله تعالى، وطلب النَّصر منه عزَّ وجلَّ، وهذه الأسباب هي التي قلبت موازين المعركة وأدَّت إلى الفتح والنَّصر بفضل الله تعالى؛ فالمعارك لا تعرف التَّراجع والهلع والخوف، وما انتصر المسلمون يومًا بعدد أو عدَّة، وإنَّما ينتصرون بإعانة الله تعالى لهم، ودحر عدوِّهم، وليت قادة اليوم يتعلَّمون الدَّرس من هذا السُّلطان العظيم صاحب هذا الموقف الذي خلَّده له التَّاريخ.

ومن المواقف الملهمة في موقعة ملاذكرد أنَّ السُّلطان ألب أرسلان كان يصحب العلماء معه ليستشيرهم وينزل على رأيهم؛ فقد ذكر ابن الأثير رحمه الله مقولة أبي نصر البخاريِّ له والتي سارع في امتثاله والعمل بها؛ فقال: "وقال له إمامه وفقيهه أبو نصر محمد بن عبدالملك البخاريُّ الحنفيُّ: إنَّك تقاتل عن دين وعَد الله بنصره وإظهاره على سائر الأديان، وأرجو أن يكون الله تعالى قد كتب باسمك هذا الفتح، فالقهم يوم الجمعة بعد الزَّوال في السَّاعة التي تكون الخطباء على المنابر، فإنَّهم يدعون للمجاهدين بالنَّصر، والدُّعاء مقرون بالإجابة، فلمَّا كانت تلك السَّاعة صلَّى بهم، وبكى السُّلطان، فبكى النَّاس لبكائه، ودعا ودعوا معه وقال لهم: "من أراد الانصراف فلينصرف، فما هاهنا سلطان يأمر وينهى، وألقى القوس والنِّشاب، وأخذ السَّيف والدَّبوس، وعقد ذنَب فرسه بيده، وفعل عسكره مثله، ولبِس البياض، وتحنَّط، وقال: إن قتلت فهذا كفني، وزحف إلى الرُّوم وزحفوا إليه، فلمَّا قاربهم ترجَّل وعفَّر وجهه على التُّراب، وبكى، وأكثر الدُّعاء، ثمَّ ركب وحمَل، وحمَلت العساكر معه، فحصَل المسلمون في وسطهم، وحجز الغبار بينهم، فقتل المسلمون فيهم كيف شاءوا، وأنزل الله نصره عليهم، فانهزم الرُّوم، وقُتل منهم ما لا يُحصى، حتَّى امتلأت الأرض بجثث القتلى، وأُسِر ملك الرُّوم" [3]

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله