الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

دروس وعبر من أزمة طاعون عمواس

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف المرسلين.

وبعد: فلقد وقعت كثير من الأحداث الضِّخام في هذه الأمَّة الميمونة عبر تاريخها الطَّويل، بهدف تربية أفرادها على الصَّبر والجلد وتحمُّل أقدار الله تعالى، فليست الدُّنيا بدار صفاء من الأكدار والابتلاءات، ووقوعها في أزمان الخيريَّة لأجيال الإيمان من الصَّحب الكرام أعظم ما يُسلِّي قلوب المتأخِّرين من هذه الأمَّة ليصبروا على مرِّ الابتلاءات وقساوتها؛ فهي محلُّ الاختبار والتَّمحيص؛ قال تعالى: {وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمۡحَقَ ٱلۡكَٰفِرِينَ * أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ} [آل عمران: 141-142] ومن أعظم ما وقع من ابتلاء في العهد الأوَّل كثرة الموت الذي كان بسبب طاعون عمواس.

إنَّ من الأزمات الكبيرة التي وقعت في عهده طاعون عمواس ببلاد الشَّام؛ يقول ابن كثير رحمه الله: "وقع سنة ثماني عشرة، وهو منسوب إلى بُلَيدة صغيرة يُقال لها: ‌(عمواس) وهي بين القدس والرَّملة؛ لأنَّها كان أوَّل ما نجم هذا الدَّاء بها، ثمَّ انتشر في الشَّام منها فنُسِب إليها، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون" [1]

ملمح الفاروق للصَّحابة رضي الله عنهم في إدارة الأزمة

قبل مقدَّم عمر رضي الله عنه لزيارتها في السَّنة السَّابعة عشر وما بعدها من الهجرة [2]، فلمَّا أُخبر بذلك استشار الصَّحابة رضي الله عنهم من المهاجرين والأنصار فاختلفوا فيما بينهم، فخصَّ مشيخةَ قُريش من مُهاجرَة الفتح فاتَّفقوا على الرُّجوع فرارًا إلى قدر الله تعالى بالسَّلامة والعافية، وبهذا الرَّأي أخذ عمر رضي الله عنه للبُعد من مَواطن الهلَكة؛ فإنَّ الأخذ بأسباب الوقاية وأساليب الأمان ووسائل السَّلامة لا يتعارض أبدًا مع الإيمان بالقضاء والقدر؛ فإنَّ الأقدار مجهولة للإنسان لا يمكن توقُّعها أو قراءتها أو التَّنبُّؤ بها، والمرء متعبَّد شرعًا بالبُعد عن أسباب العطب ومكامن الشَّرِّ؛ قال تعالى: {وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ‌ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوٓاْۚ} [البقرة: 195] وقال سبحانه: {وَلَا ‌تَقۡتُلُوٓاْ ‌أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا} [النساء: 29] وقال جلَّ وعزَّ: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ‌خُذُواْ ‌حِذۡرَكُمۡ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا} [النساء: 71] فالأخذ بالأسباب جزء لا يتجزَّأ من قدر الله تعالى، فإن تحقَّقت السَّلامة والنَّجاة معه فهو قدر الله تعالى، وإن لم تتحقَّق مع السَّلامة فلا يُغني حذر من قدر؛ قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ ‌بِقَدَرٖ} [القمر: 49] 

الأخذ بالأسباب من الإيمان

وإنَّما كان الأخذ بالأسباب من معاني الإيمان التي يلزم الأخذ بها حتَّى لا يُعرِّض المرء نفسه إلى الهلكة، ولا يندم حين تقع الأقدار على غير ما تمنَّى؛ فقدر الله تعالى يشمل العجز والكيس؛ فمن تنشَّط للأخذ بالأسباب فسلِم فبقدر، ومن عجز عن الأخذ بها فهلك فبقدر؛ فعن طاوس أنَّه قال: "أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله ، يقولون كلُّ شيء بقدر، قال: وسمعت عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله : «كلُّ شيء بقدر ‌حتَّى ‌العجزِ ‌والكَيس، أو الكَيس والعجز» [3]

جهود الفاروق في إدارة الأزمة

ومن السُّبل التي تعامل بها الفاروق عمر بن الخطَّاب مع هذه النَّازلة أن أمر أنَّ من كان في بلاد الشَّام فلا يخرج منها، وهو ما يُعرَف بالحجر الصِّحِّيِّ الذي سبق به الفاروق المنظَّمات الصِّحِّيَّة العالميَّة، ومع هذا التَّحرُّر والاحتياط فقد مات عدد كبير في هذه المحنة العظيمة تجاوز عشرين ألفًا، وكان يزيد إذا قدِم عمرُ رضي الله عنه وأكمل مسيرته دون اتِّخاذ هذا القرار الحكيم، ولم يتوقَّف عمر رضي الله عنه عند هذا الحدِّ، بل انتقل إلى بلاد الشَّام وقام بتقسيم الميراث، وتحصين الحدود، وتعيين الولاة، وجنَّد الجنود، وهذا من حكمته العالية وحسن سياسته للأمور؛ يقول ابن كثير رحمه الله: "قدم عمر بعد ذلك إلى الشَّام فقسَّم مواريث الذين ماتوا لـمَّا أشكل أمرها على الأمراء، وطابت قلوب النَّاس بقدومه، وانقمعت الأعداء من كلِّ جانب لمجيئه إلى الشَّام" [4]

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله