الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

من أسرار الذِّكر الحكيم

السُّؤال:

ما السِّرُّ في تغيير الأسلوب القرآنيِّ بين سورتي آل عمران في قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ ‌لِي ‌غُلَٰمٞ وَقَدۡ بَلَغَنِيَ ٱلۡكِبَرُ وَٱمۡرَأَتِي عَاقِرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ} [آل عمران: 40] ومريم في قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ ‌لِي ‌غُلَٰمٞ وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا وَقَدۡ بَلَغۡتُ مِنَ ٱلۡكِبَرِ عِتِيّٗا} [مريم: 8]؟

وللجواب أقول:

الجملة الكريمة في كليهما تعجُّبيَّة من البشارة لعدم مناسبة المحلِّ، ولهذا التَّعجُّب دافعان؛ أحدهما متعلِّق بزكريَّا عليه السَّلام، وهو كبر سنِّه وعدم قدرته على ما يقدر عليه الشَّباب من أمر الجماع، وثانيهما عقم زوجته وعدم وقوع الإنجاب منها.

ورد في موضع آل عمران تقديم علَّة كبره قبل علَّة زوجته لأمرين:

الأمر الأوَّل: الانشغال بالنَّفس قبل الآخر، وهذا مسلك الكرماء الأوفياء النُّجباء، فلا يُحمِّلون غيرهم ما هم سبب فيه، ولا يبدؤون بغيرهم في تبرير حالة سلبيَّة لهم فيها سهم، وإنَّما يبدؤون بأنفسهم تواضعًا واعترافًا، وهنا بدأ زكريَّا عليه السَّلام بنفسه لتحقُّق الكبر فيه.

الأمر الثَّاني: مناسبة البدء بما يتعلَّق به مع اسم السُّورة، فآل عمران علَم على رجل فقدَّم صفته وعلَّته على زوجته.

ورد في موضع مريم تقديم علَّة عقم زوجته قبل علَّته لأمرين:

الأوَّل: الإشارة السَّابقة إلى علَّة كبر سنِّه في قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ٱلۡعَظۡمُ مِنِّي وَٱشۡتَعَلَ ٱلرَّأۡسُ شَيۡبٗا وَلَمۡ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّٗا} [مريم: 4] فلم يحتج إلى التَّقديم، وإنَّما ذكره مؤخَّرًا للجمع بين العلَّتين جريًا على طريقة آية آل عمران، ومع أنَّه في موضع مريم ذكر ما يتعلَّق بالزَّوجة أيضًا في قوله تعالى: {وَإِنِّي خِفۡتُ ٱلۡمَوَٰلِيَ مِن وَرَآءِي وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا فَهَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا} [مريم: 5] لكنَّه لـمَّا كان أقرب مذكور بدأ به.

الثَّاني: مناسبة البدء بما يتعلَّق بها مع اسم السُّورة، فمريم علم على امرأة صدِّيقة أمُّ نبيٍّ كريم صالح عليه السَّلام، فقدَّم صفتها وعلَّتها على علَّة زوجها.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله