من أسرار الذِّكر الحكيم
السُّؤال:
ما حكم الوقف على قوله تعالى: {كُن} والابتداء بقوله: {فَيَكُونُ} على اختلاف القراءتين رفعًا ونصبًا؟
وللجواب أقول:
في هذه المسألة الكريمة عدَّة مسائل، يُمكن بيانها فيما يلي:
المسألة الأولى:
ذكر اختلاف القرَّاء في ضمِّ النُّون وفتحها في: {فَيَكُونُ}:
اعلم - أيَّدني الله وإيَّاك بالحكمة - أنَّ جمهور القرَّاء على رفع قوله تعالى: {فَيَكُونُ} في عموم مواضعه في القرآن الكريم، ويُستثنى من ذلك ما قرأه ابن عامر الدِّمشقيُّ رحمه الله بالنَّصب بدل الرَّفع، وهو ما يلي:
1 – قوله سبحانه وتعالى: {بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ} [البقرة: 117]
2 - وقوله تعالى: {قَالَتۡ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ} [آل عمران: 47]
3 - قوله تعالى: {إِنَّمَا قَوۡلُنَا لِشَيۡءٍ إِذَآ أَرَدۡنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ} [النحل: 40] ووافقه الكسائيُّ فيه.
4 - قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٖۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ} [مريم: 35]
5 - قوله تعالى: {إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيۡـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82] ووافقه الكسائيُّ رحمه الله.
6 - قوله تعالى: {إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيۡـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82]
قال الشَّاطبيُّ رحمه الله:
عَلِيمٌ وَقَالُوا الْوَاوُ اْلاُولَى سُقُوطُهَا وَكُنْ فَيَكُونُ النَّصْبُ في الرَّفْعِ كُفِّــلَا
وَفي آلِ عِمْرَانٍ في الاُولَى وَمَـرْيَمٍ وَفِي الطَّوْلِ عَنْهُ وَهْوَ بِاللَّفْظِ أُعْمِــلَا
وَفي النَّحْلِ مَعْ يس بِالْعَطْفِ نَصْبُهُ كَفَـــى رَاوِيًـا وَانْقَــادَ مَعْنَــاهُ يَعْمَـلَا
وقال ابن الجزريِّ رحمه الله:
وَاوًا كَسَا كُنْ فَيَكُونُ فَانْصِبَا رَفْعًــا سِــوَى الْحَــقِّ وَقَـوْلُهُ كَبَـا
وَالنَّحْلُ مَعْ يَس رُدْ كَمْ تُسْئَلُ لِلضَّمِّ فَافْتَحْ وَاجْزِمَنْ إِذْ ظَلَّلُـوا
المسألة الثَّانية:
ذكر توجيه الإعراب على القراءتين:
ووجه نصبهما في موضعي النَّحل ويس ظاهر وهو العطف على المنصوب قبله بأن؛ فالفعل فيهما مضارع منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظَّاهرة على آخره؛ لوقوعه بعد أن النَّاصبة للفعل المضارع.
وأمَّا وجه نصبه لبقيَّة المواضع فوقوعه بعد فاء السَّببيَّة التي دخلت على الفعل الواقع في جواب الأمر والطَّلب، فيكون الفعل المضارع منصوبًا بأن المضمرة وجوبًا بعد فاء السَّببيَّة، وهي عبارة عن حرف عطف يدخل على الفعل فيُفيد الارتباط بين ما قبلها وما بعدها لعلاقة أنَّ ما بعدها مسبَّب عمَّا قبلها، وشرطه أن تأتي الفاء في جواب نفيٍ محض أو طلب محض؛ وفي ذلك يقول ابن مالك رحمه الله:
وَبَعدَ فا جَــوابِ نفــي ٍ أو طَلَب مَحضينِ أنْ وستـرُها حتمٌ نَصَبْ
وأمَّا وجه الرَّفع فيها جميعًا وغيرها فعلى الاستئناف بجعل الفاء استئنافيَّة لا عاطفة؛ وعليه يكون الفعل مضارعًا مرفوعًا وعلامة رفعه الضَّمَّة الظَّاهرة على آخره؛ لأنَّه لم يُسبَق بناصب أو جازم.
والمقصود بالفاء الاستئنافيَّة: حرف العطف الذي يدخل على الكلمة المفصولة عن سابقتها فلا يقتضي العطف أو التَّشريك في الحكم والعامل، وإنَّما يُفيد معنى القطع بين السَّابق واللَّاحق، فيكون ما بعد حرف الاستئناف مستقلًّا في الحكم الإعرابيِّ، وقد يكون حرف الاستئناف واوًا أو فاءً، ويكون مبنيًّا على الفتح لا محلَّ له من الإعراب.
والفرق بين فاء العطف والاستئناف أنَّ العاطفة تُفيد التَّعقيب والتَّرتيب بين المعطوفات، وأمَّا الاستئنافيَّة فتفيد الفصل بين الجملتين في الإعراب، ويكون ما بعدها مرتبط بما قبلها برابط تفسير أو تعليل.
المسألة الثَّالثة:
ذكر أوجه الوقف والابتداء في الجملة الشَّريفة:
اعلم - أيَّدني الله وإيَّاك - أنَّ مدار الحكم في هذه الجملة القرآنيَّة على معنى الفاء؛ وهي على معنيين:
الأوَّل: أن تكون عاطفة نسقيَّة، ومعها يكون الوصل أولى، وهذا في مواضع الرَّفع في المرفوع، ومواضع النَّصب في المنصوب، فالعطف فيها يقتضي الوصل، وعليه يكون المعنى: (فإنَّما يقولُ فيكونُ) أو: (أن يقولَ فيكونَ) وفي الوصل دلالة سرعة الاستجابة.
وعلى هذا تُقاس مواضع النَّصب على جواب الأمر؛ فالوصل أولى لقوَّة التَّعلُّق بين الأمر وجوابه الواقع بعده، وعليه فإنَّ مواضع النَّصب وصلها أولى على العطف، وكذا مواضع الرَّفع إن اعتُبرت الواو عاطفة، ويكون الوقف كافيًا؛ قال أبو عمرو الدَّانيُّ رحمه الله: "قوله: {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن} كافٍ إذا رُفع {فَيَكُونُ} على الاستئناف بتقدير: فهو يكون ولم يُنسَق على: {يَقُولَ} ومن قرأ: {فَيَكُونَ} بالنَّصب على جواب الأمر بالفاء لم يقف على: {كُن} لتعلُّق ما بعده به من حيث كان جوابًا له" [1]
الثَّاني: أن تكون ابتدائيَّة استئنافيَّة، ومعها يكون الوقف أولى من الوصل، ويكون المعنى: (فإنَّما يقولُ) فهو: {فَيَكُونُ} وفيه معنى التَّفرقة بين مقول القول ونتائجه؛ فنهاية مقول القول: {كُن} وما بعدها ناتج عن القول، وفيه اختلاف في الجهة؛ فالأوَّل أمر من الله سبحانه وتعالى، والثَّاني استجابة من المأمور بأمره تعالى.
وبناءً عليه: فإنَّ الوقف على: {فَيَكُونُ} تامٌّ في القراءتين، وإنَّما يختلف حكم الوقف على قوله: {كُن} على رعاية معنى العطف أو الاستئناف، والعطف أظهر في السِّياق؛ قال أبو جعفر النَّحَّاس (ت: 338ه) رحمه الله: "وقف جيِّد، وأجود منه {فَيَكُونُ}، وإن جعلت: {فَيَكُونُ} معطوفًا على: (يقول) فالوقف {فَيَكُونُ}، وإن جعلته مُستأنفًا وقفت على: {كُن}" [2]
(1) المكتفى في الوقف والابتدا، للدَّاني، ص: (25).
(2) القطع والإتناف، لأبي جعفر النَّحَّاس، ص: (80).