من أسرار الذِّكر الحكيم
السُّؤال:
ما الوجه الأقرب فى تشابه الآيات الثَّلاث بالأعراف ويونس والنَّحل؟
وللجواب أقول:
المراد بالمواضع المذكورة ما يلي:
1- قوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٞۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ} [الأعراف: 34]
2- قوله تعالى: {قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي ضَرّٗا وَلَا نَفۡعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌۚ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ فَلَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ} [يونس: 49]
3- قوله تعالى: {وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيۡهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ} [النحل: 61]
وأزيد عليه موضع سورة فاطر في قوله تعالى: {وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهۡرِهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِۦ بَصِيرَۢا} [فاطر: 45]
التَّوجيه والبيان:
من خلال النَّظر والتَّأمُّل في المواضع المتشابهة نلاحظ ما يلي:
الأوَّل: أنَّ جملة التَّشابه في جميع المواضع بدأت بالفاء في الشَّرط، وبدونه في جوابه: {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ} فقد وردت بالفاء في ثلاثة منها دون يونس، ولم تلحق الفاء في جواب الشَّرط في موضعي الأعراف والنَّحل، بينما لحقت الفاء جواب الشَّرط في يونس وفاطر.
الثَّاني: اختلاف سِياق سِباق جملة التَّشابه الواردة في سورة يونس عن سِباق سِياق المواضع الأخرى؛ فقد ورد سِباق يونس في معنى التَّحدِّي والتَّهكم والتَّكذيب باليوم الآخر والبعث والحساب، حيث نقل القرآن الكريم قولة الكفَّار: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} [يونس: 48]
الثَّالث: تشابه المخرج بين آية يونس والآية الأسبق في قوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولٞۖ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمۡ قُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ} [يونس: 47] ولئلَّا يتكرَّر استعمال الفاء مع حرف الشَّرط في هذه الآية وقد تمِّ مع الآية الأسبق كان التَّنويع بالثَّبات في الأوَّل، والحذف في الثَّاني.
الرَّابع: استعمال أسلوب التَّحدِّي في الآية الكريمة السَّابقة لآية السِّياق هو المؤثِّر في التَّغيُّرات التي وقعت لموضع سورة يونس؛ حيث وردت الآية لتُبيِّن ثلاثة أمور:
1- تحقُّق حصول الوعد الذي طلبوه فلا يتخلَّف؛ فهو منزلة الواقع على سبيل التَّأكيد، وهذا الأمر تتعاضد الآيات المتشابهة - محلُّ البحث - في بيانه وتأكيده.
2- سرعة حصول الوعد، وأنَّه أقرب إليهم من أيِّ وقت مضى؛ لأنَّ العجلة بالسُّؤال نابعة من الكبر والإنكار ولا يردُّهما إلَّا استعمال الفاء الدَّالَّة على السُّرعة، وتُعرف: (فاء الشَّبح أو السَّريعة).
3- التَّرابط بين شقَّي الجملة الشَّرطيَّة؛ وتعرف بالفاء الجوابيَّة ووظيفتها= الرَّبط بين فعل الشَّرط وجوابه، والعلاقة بينهما السَّببيَّة؛ أي أنَّ وقوع الفعل ناتج عن حصول سببه، وفيه ردٌّ على عجلتهم بنزول الأجل وتحقيق العذاب بأنَّ الله تعالى لا يعجل بعجلة أحد؛ وإنَّما ضرب الآجال وقدَّر الأقدار؛ فإذا جاء الموعد الذي أقَّته الله تعالى وقع العذاب، وتحقَّق الموت، وقامت السَّاعة، وكان البعث والنُّشور.
يرى كثير من المفسِّرين أنَّ الآية سِيقت جوابًا على استعجالهم فحذفت الفاء في الشَّرط لأنَّه جملته وقعت صفة لكلمة: (أجل) أي أنَّ الأجل موصوف بعدم التَّقدُّم أو التَّأخُّر، فهو محدود لا يتغيَّر سلبًا أو إيجابًا، وهذا للتَّهويل منه وبيان شأنه، ثمَّ ثبتت الفاء مع جواب الشَّرط لمعاملة الفعل العامل في: (إذا) معاملة جواب الشَّرط.