الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

ما دلالة عطف: [قل سيروا] بـ ثمَّ في الأنعام؟

سؤال:

وجَّه إليَّ بعض الفضلاء سؤالًا مضمونه: وردت آيات تحثُّ على السَّير في الأرض مع النَّظر في عاقبة السَّابقين، وبالتَّدقيق في متشابه قوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ} نجد أنَّه جاء رباعيًّا، وجميعه مواضعه عطف (بالفاء) إلَّا الموضع الأوَّل فعُطِف (بثم) فما وجه ذلك؟

وللجواب أقول:

إنَّ كلَّ حرف في القرآن الكريم مقصود لذاته؛ لما يترتب عليه من المعاني التي لا تكون إلا معه، فبدونه تختلف المعاني، ولا يفيد المعنى تشابه المباني، وهذه الألغاز المعنوية متعلقة بالمدلولات البيانية، فالحرف وموقعه من الجملة القرآنية يؤثر في الدلالات المعنوية بطريقة كبيرة، ولا سبيل لمعرفة الدلالات إلا بالتعمق في دراسة بنية الكلمة القرآنية حرفا، وموقوعا، ومدلولا، من خلال دراسة النحو، والبلاغة، والتفسير، فكلما قوي حظ الباحث من هذه العلوم والمعارف كثر نصيبه وزاد سهمه من الفوائد والفرائد.

وقد أهمل كثير من الباحثين المعاصرين في مجال التشابه القرآني قضية التشابه المعنوي، فغاية عنايتهم = التشابه اللفظي، الذي يُكتفى فيه بحصر رؤوس المسألة المتشابهة دون استثمار أصل المسألة وما نتج عنها من حصر للمواضع في الوقوف على أسرار التَّشابه اللَّفظيِّ من خلال النظر العميق في مضامين السِّياق القرآنيِّ في المواضع المتشابهة، بهدف الوصول إلى المغزى من وراء التكرار؛ لأننا نؤمن إيمانا عميقا تتزلزل الجبالُ الشوامخُ ولا يتزلزل بأن تكرار الحكيم لا يخلو من حكمة، ولا مانع أبدا من طلب الحكمة في النَّصِّ، فهي حاصلة كائنة فيه، لكنها قد تخفى، ولا سبيل لظهورها واعتمادها إلَّا بالبحث والتَّنقيب عنها بعد تحصيل الأدوات والملكات التي تعين على ذلك.

والناظر إلى العلماء القدامى يُدرك البون الشاسع بينهم وبين المتأخرين من العلماء، فقد حرص القدامى على البحث في علم المتشابهات القرآنية اللفظية بهدف مزدوج؛ حيث قصدوا الحصر والتعديد، ولم يحرموا أنفسهم من طلب الفوارق بين المتشابه من خلال النظر إلى المعاني والمدلولات اللفظية والمعنوية بغية الوصول إلى الحكمة من التكرار؛ ليزداد الإيمان، ويرتقي اليقين، بصدق القرآن الكريم وعلوه وتفرُّده في باب الإعجاز والبيان.

ومن هذه الفوائد والفرائد ما ورد في قوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [الأنعام: 11] وقد وردت متقاربة مع هذا الموضع في ثلاثة مواضع، وبيانها كالتالي:

الأوَّل: قوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} [النمل: 69].

الثَّاني: قوله: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ} [العنكبوت: 20].

الثَّالث: قوله: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ ۚ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ} [الروم: 42].

فقد وردت هذه الجملة القرآنيَّة الشَّريفة عطفًا بالفاء في ثلاثة مواضع يمكن جمعها في جملة تضبطها وهي: (الرُّوم بعد النمل والعنكبوت) وقد أنشأت في ذلك أقول:

والأمر بالسير وضرب الأرض والفاء فانظر في جميل العرض

في سورة النمل مـع الإجـرام كــذا العنـاكب افهمــن كلامـــي

ومــوضع الـــروم أيَا سفيـانُ أتــاك نظـمـــي زانـــــه الأوزانُ

وأمَّا العطف بالفاء: فيدلُّ على أنَّ النَّظر مترتِّب على السَّير في الأرض؛ فهو موصِّلٌ إليه، ومؤكِّدٌ عليه، وقد وقعت في جواب الطَّلب لدلالة التَّعلُّق بين السَّير والنَّظر وجودًا وعدمًا، فالمقصود مع العطف بالفاء الدَّعوة إلى السَّير والنَّظر، فيكون النَّظر مرادًا ومتعيِّنًا، والفاء تفيد المصاحبة؛ أي مصاحبة السَّير للنَّظر والتَّأمُّل والتَّفكُّر.

وأمَّا العطف بثمَّ: فيدلُّ على أنَّ المقصود من الأمر كثرة السَّير في الأرض، وتعدُّد المواقع، وتنوُّع الأماكن؛ لمشاهدة آثار الهالكين، ولمَّا كان كثرة الانتقال بين المواقع والقرى هو المقصد الأسمى حتى يُشاهدوا بأعينهم مصارع الظَّالمين، حصل العطف بـ: (ثمَّ) ليفيد التَّرتيب مع التَّراخي ومهلة الزَّمان، الذي يدلُّ على أنَّ انفصال الجهتين، أي أنَّ الأمر بالسَّير الكثير، ثمَّ بالنَّظر بعد السَّير، حيث يحصل النَّظر بعد فترة من السَّير والبحث والتَّقصِّي.

ويرى بعض المحقِّقين: أن العطف (بثم) فيه دلالة على أن المقصود هو السير والضرب في الأرض، وأن العطف (بالفاء) مرتب على الموضع الأول؛ فالنظر يأتي بعد السير، فلما ساروا في موضع الأنعام، عطف النظر بالفاء المقتضية للبعدية والتعقيب؛ أي أنهم قد أمروا بالسير أولا، فساروا وامتثلوا فلينظروا متأملين في عاقبة من سبقهم من المكذبين المجرمين الجبابرة.

وفي هذا دلالة على أن الاتعاظ والتدبر له أسباب لابد أن يسلكها المرء حتى يتحقق، ويمكن استنباطها من خلال النص الشريف كالتالي:

الأوَّل: حصر الآيات المسطورة والدلائل المنظورة في موضوع معين، مع محاولة استيعاب الآيات والدلائل، وهذا ظاهر من الأمر بالسير في قوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ}.

الثَّاني: إعمال الفكر والنظر في مضمون ما تم حصره من الآيات المسطورة، والدلائل المنظورة من خلال الوقوف مع التفاصيل الحرفية والكلمية، والمشاهد والآثار والنتائج، لقراءة ما بين السطور والأحداث من حكم وعظات ودروس وهدايات؛ وهذا ظاهر من قوله تعالى: {فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ} فالنظر في المآلات والنهايات للسابقين كفيل بحصول العظة واستلهام الدروس.

الثَّالث: تحويل العبر والعظات والدُّروس المستفادة إلى رسائل تطبيقيَّة يمكن ترجمتها في الواقع من خلال العمل الصَّالح، وهذا مستفاد من دمج الخطوتين السَّابقتين، فإذا حصل السَّير حصل النَّظر، وإذا حصل النَّظر حصل الأثر.

والله أعلم وأحكم وهو أعز وأكرم

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله