من أسرار الذِّكر الحكيم
السُّؤال:
ما السِّرُّ في تغيير التَّعبير القرآنيِّ في سور: الأعراف، وهود، والشُّعراء فى قوله تعالى: {وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَاب} حيث وردت فيها: {عَذَابٌ أَلِيمٞ} [الأعراف: 73] و: {عَذَابٞ قَرِيبٞ} [هود: 64] و: {عَذَابُ يَوۡمٍ عَظِيمٖ} [الشعراء: 156]؟.
وللجواب أقول:
إنَّ النَّظر في آيات القرآن الكريم بقصد الوقوف على أسراره وحِكمه من أعظم ما يعود على المرء بالنَّفع في حفظه وفهمه وعمله، ومن هذه المواضع التي تحتاج إلى تأمُّل وعُمق في إيجاد الرَّوابط والأسرار كالموضع الوارد في السُّؤال، وسوف أتناوله من جانبين:
الأوَّل: أوجه الاتِّفاق بينها:
1 - جميعها ورد في سياق الحديث عن ثمود قوم صالح عليه السَّلام؛ فالعذاب خاصٌّ بهم لا ينسحب على غيرهم بنصِّ الآية، والعبرة بعموم اللَّفظ؛ فمن وقع منهم مثلُ الذي وقع من ثمود يُخشى عليهم أن يحلَّ بهم ما حلَّ بالمكذِّبين من أمثالهم؛ قال تعالى: {أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡۖ وَلِلۡكَٰفِرِينَ أَمۡثَٰلُهَا} [محمد: 10].
2 - السِّياق فيها خرج مخرج التَّهديد والتَّخويف السَّابق بقدوم العذاب إن هم أقدموا على إيذاء النَّاقة، وقد فعلوا ما حُذِّروا منه من إيذاء النَّاقة فوقع عليه ما وُعدوا به من العذاب.
3 - التَّشابه بين الموضعين الأوليين في الأعراف وهود في جملة: {هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمۡ ءَايَةٗۖ فَذَرُوهَا تَأۡكُلۡ فِيٓ أَرۡضِ ٱللَّهِۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابٌ} واقتصر موضع الشُّعراء على ختام جملة التَّشابه: {وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابُ} وهذه قرينة يُفرِّق بها الحافظ بين جملة التَّشابة في مواضعها، ويُستفاد من ذلك في الأسئلة الإلغازيَّة بإخراج موضع الشُّعراء أو إدخاله على ما يتناسب مع رغبة المقيِّم، ويكون بتوجيه السُّؤال من بداية جملة التَّشابه إلى ما قبل موضع الشُّعراء: {هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمۡ ءَايَةٗۖ فَذَرُوهَا تَأۡكُلۡ فِيٓ أَرۡضِ ٱللَّهِۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابٌ} فيدخل موضعا الأعراف وهود، ويخرج موضع الشُّعراء.
4 - جميع السُّور التي وردت فيها جملة التَّشابه تزيد عن مئة آية؛ فموضعا الطَّرفين يزيدان عن مئتين الأعراف= (206) والشُّعراء: (227)، وموضع الوسط هود= (118) آية، ويُمكن الإلغاز بمثل هذا في نحو: اقرأ - أو اكتب - من قوله تعالى: {وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ} التي وردت في أكثر سور محلِّ التَّشابه عدد آيات، ويتعيَّن موضع سورة الشُّعراء.
5 - جملة التَّشابه في جميع مواضعها وردت في الوجه الأيمن، وهي إمَّا في أوَّل الوجه أو آخره، مع تفاوت الآيات طولًا وقصرًا على حسب ترتيب المواضع، ويُمكن اعتماد الفرق في المكان في الوجه في الأسئلة الإلغازيَّة بأن يُقال: اقرأ - أو اكتب - من قوله تعالى: {وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ} التي وردت في أعلى الوجه الأيمن، ويتعيَّن موضع سورة هود عليه السَّلام.
الثَّاني: وجه الاختلاف بينها:
استعمال ألفاظ مختلفة في كلِّ موضع لوصف العذاب؛ وهذا بيانه:
1 - في سورة الأعراف وُصف العذاب بالأليم لما يحمله اسم السُّورة من ألم أهل الأعراف الذين يُحبسون بين الجنَّة والنَّار وهم يرون نعيم أهل الجنَّة فيشتاقون له دون تحصيله فيتألَّمون، ويرون عذاب أهل النَّار ويخافون من الوقوع فيه فيتألَّمون فهم على جميع أحوالهم يتألَّمون، فهم في ألم إن نظروا إلى هؤلاء أو هؤلاء، فناسب أن يُذكر الألم هنا لبيان تألُّمهم وندمهم، وإن كان أمرهم يؤول إلى الجنَّة كما قال تعالى: {أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمۡتُمۡ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحۡمَةٍۚ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ} [الأعراف: 49].
2 - في سورة هود عليه السَّلام وصف العذاب بالقريب لمَّا ورد في السُّورة الكريمة من تحديد زمن انتظار العذاب قبل وقوعه؛ قال تعالى: {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمۡ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٖۖ ذَٰلِكَ وَعۡدٌ غَيۡرُ مَكۡذُوبٖ} [هود: 65] وهي مدَّة قليلة تبين عن قرب وقوع العذاب، فناسب أن يُستعمل القرب في وصف العذاب.
ويُضاف لذلك أيضًا علاقة المفردة القرآنيَّة: {قَرِيبٞ} باسم السُّورة؛ فهود نبيُّ أرسله الله تعالى لعاد، وهم أقرب إلى ثمود في المرحلة الزَّمنيَّة والحِقبة التَّاريخيَّة؛ قال صالح عليه السَّلام لقومه: {وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعۡدِ عَادٖ وَبَوَّأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورٗا وَتَنۡحِتُونَ ٱلۡجِبَالَ بُيُوتٗاۖ فَٱذۡكُرُوٓاْ ءَالَآءَ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ} [الأعراف: 74] وإلى هذا المعنى أشار قوله تعالى: {وَيَٰقَوۡمِ لَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شِقَاقِيٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثۡلُ مَآ أَصَابَ قَوۡمَ نُوحٍ أَوۡ قَوۡمَ هُودٍ أَوۡ قَوۡمَ صَٰلِحٖۚ وَمَا قَوۡمُ لُوطٖ مِّنكُم بِبَعِيدٖ} [هود: 89]
3 - في سورة الشُّعراء وصف العذاب بعظم يومه الذي يقع فيه جريًا على طريقة الشُّورة في إثبات عظمة أيَّام العذاب الذي حلَّ بالأقوام السَّابقة؛ ففيه تهلك أمَّة من الأمم، وتُباد دولتهم، ويزول ملكهم، ويُصبحوا أثرًا بعد عين، وعبرة للمعتبرين، وقد وقع ذلك في السُّورة في ثلاثة مواضع:
1 - قال تعالى: {إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ} [الشعراء: 135] مع عاد قوم هود عليه السَّلام.
2 - قال تعالى: {وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابُ يَوۡمٍ عَظِيمٖ} [الشعراء: 156] مع قوم صالح عليه السَّلام.
3 - وقال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمۡ عَذَابُ يَوۡمِ ٱلظُّلَّةِۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء: 189] مع أصحاب الأيكة قوم شعيب عليه السَّلام.
ويُمكن أن يُؤيَّد ذلك بتعظيم الله تعالى لما نتج عن آية شقَّ البحر من انفلاق عظيم أظهر شقَّي البحر كجبلين عظيمين كبيرين؛ قال تعالى: {فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقٖ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِيمِ} [الشعراء: 63]
والخلاصة: تعدَّدت المفردات القرآنيَّة في سياق عذاب ثمود قوم صالح عليه السَّلام للدَّلالة على أكثر من جانب في العذاب؛ فموضع الأعراف نبَّه إلى الألم، وموضع هود أشار إلى قرب زمن وقوع العذاب، وموضع الشُّعراء أظهر جانب العظمة في اليوم الذي وقع فيه العذاب؛ لما فيه من هول وهلاك وانتقام، وبذلك تتكامل المواضع في سورها.
ويُمكن الإلغاز في هذه المواضع بالاعتماد على قرينة الشَّكل والإعراب في التَّفرقة بينها، واختبار قدرة الحافظ على إدراك الفرق وتحديد الموضع المراد بقرينة الشَّكل، كأن يرد السُّؤال: اقرأ - أو اكتب - من قوله تعالى: {وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابُ...} فالضَّمَّة دون تنوين في كلمة: {عَذَابُ} مفرِّقة ومميِّزة لموضع الشُّعراء عن موضعي الأعراف وهود؛ لحصول الإضافة المانعة من بقاء التَّنوين؛ فحُذف لنيَّة الإضافة إلى كلمة: {يَوۡمٍ عَظِيمٖ} فحين يرد السُّؤال بهذه الصِّيغة القوليَّة أو الكتابيَّة يتعيَّن موضع سورة الشُّعراء بقرينة الشَّكل والإعراب.
كما يُمكن الإلغاز في هذه المواضع أيضًا بقرينة الموقع؛ فموضع الشُّعراء منفرد عن موضعي الأعراف وهود بأنَّ جملة التَّشابه فيه مفردة في الآية، وليست تابعة وردت في ختامها، فيُقال: اقرأ من قوله تعالى: {وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ...} ويتعيَّن موضع الشُّعراء بقرينة الموقع؛ فإنَّ الأسئلة التي تدور حول جملة تشابهيَّة يتعيَّن فيها الموضع الأنسب لصيغة السُّؤال؛ فإذا كانت الصِّيغة لرأس السُّؤال فيتعيَّن من مواضع التَّشابه ما ورد في أوَّل الآية، وإذا كانت الصِّيغة لذيل السُّؤال أو آخره تعيِّن الموضع الذي انتهت فيه الآية بجملة التَّشابه الموافقة للسُّؤال، وإذا كان موضع من مواضع جملة التَّشابه مستقلًّا كان هو الأقرب للمراد لقرينة الاستقلال، وهذا الوصف ينطبق على موضع الشُّعراء في هذا السُّؤال؛ كونه في أوَّل الآية.