الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

من أسرار الذِّكر الحكيم

السُّؤال:

ما سرُّ استعمال الملأ في القصص قوله تعالى: {إِلَىٰ ‌فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ} [القصص: 32] والقوم في سورة النَّمل قوله تعالى: {إِلَىٰ ‌فِرۡعَوۡنَ وَقَوۡمِهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ} [النمل: 12]؟

وللجواب أقول:

لاختلاف الاستعمال ظواهر وأسرار، ومن استنطق الآيات تنطق بكثير من المضامين والدَّلالات المعنويَّة، ولا تنتهي عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا يخلَق على كثرة الرَّدِّ وتغاير الأزمان، وكنوزه لا تنفد، ومَعينه لا ينضب، وبخصوص السُّؤال فجوابه كالتَّالي:

فأمَّا القصص فورد فيها الملأ مناسبة لسياق السُّورة من ناحيتين:

الأولى: سياق الآية يتناول الملأ من خلال شخصيَّات: (فرعون، وجنوده، وهامان، وقارون) وهم من الملأ بلا نزاع.

الثَّانية: أنَّ الموضع توسَّط بين موضعين استعمل فيهما الملأ، وهما:

1- قوله تعالى: {وَجَآءَ ‌رَجُلٞ مِّنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ ٱلۡمَلَأَ يَأۡتَمِرُونَ بِكَ لِيَقۡتُلُوكَ فَٱخۡرُجۡ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ} [القصص: 20]

2 - قوله تعالى: {وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي فَأَوۡقِدۡ لِي يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجۡعَل لِّي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ} [القصص: 38] فناسب استعمال الملأ في سورة القصص لمناسبة السِّياق العامِّ للسُّورة الكريمة.

وأمَّا استعمال القوم في النَّمل فمناسبة لسياق السُّورة من ناحيتين:

الأولى: ذكر السُّورة لأكثر من نبيٍّ؛ فبدأت بموسى عليه السَّلام، وأعقبته بداود وسليمان عليهما السَّلام، وختمت بمحمَّد ، وهؤلاء الأنبياء أُرسلوا إلى أقوامهم، ولم يُرسلوا إلى الملأ فقط، فناسب استعمال الأقوام لذكر الأنبياء في هذا السِّياق المبارك.

الثَّانية: كثرة استعمال القوم دون الملأ في السُّورة في أحد عشر موضعًا:

1 - قوله تعالى: {وَجَدتُّهَا وَقَوۡمَهَا يَسۡجُدُونَ لِلشَّمۡسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} [النمل: 24]

2 - قوله تعالى: {وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعۡبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ إِنَّهَا كَانَتۡ مِن قَوۡمٖ كَٰفِرِينَ} [النمل: 43]

3 - قوله تعالى: {قَالَ يَٰقَوۡمِ لِمَ تَسۡتَعۡجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبۡلَ ٱلۡحَسَنَةِۖ} [النمل: 46]

4 - قوله تعالى: {قَالَ طَٰٓئِرُكُمۡ عِندَ ٱللَّهِۖ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ تُفۡتَنُونَ} [النمل: 47]

5 - قوله تعالى: {أَنَّا دَمَّرۡنَٰهُمۡ وَقَوۡمَهُمۡ أَجۡمَعِينَ} [النمل: 51]

6 - قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ} [النمل: 52]

7 - قوله تعالى: {وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ} [النمل: 54]

8 - قوله تعالى: {بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ} [النمل: 55]

9 - قوله تعالى: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخۡرِجُوٓاْ ءَالَ لُوطٖ مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ} [النمل: 56]

10 - قوله تعالى: {أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ يَعۡدِلُونَ} [النمل: 60]

11 - قوله تعالى: {وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ} [النمل: 86]

فناسب كلَّ هذا أن يُستعمل القوم للتَّناسق في الاستعمال بين الكلمات الواردة في السُّورة، مع إرادة التَّمييز بين السُّورتين في الاستعمال.

تعقيب:

ويرى بعض أهل العلم أنَّ ذكر الملأ في القصص لعدم ذكر جملة: {فَلَمَّا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَٰتُنَا مُبۡصِرَةٗ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٞ} [النمل: 13] التي من أجلها استبدلت الكلمة في سورة النَّمل؛ فكان تشنيعًا عليهم، وسلبًا لهذه الكلمة التي تعني أشراف النَّاس؛ قال الكرمانيُّ: "قوله: {إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَقَوۡمِهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ} [النمل: 12] وفي القصص: {إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ} [القصص: 32] لأنَّ الملأ أشراف القوم، وكانوا في هذه السُّورة موصوفين بما وصفهم الله به من قوله : {فَلَمَّا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَٰتُنَا مُبۡصِرَةٗ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٞ} [النمل: 13] فلم يسمِّهم ملأ، بل سمَّاهم قومًا، وفي القصص لم يكونوا موصوفين بتلك الصِّفات فسمَّاهم ملأ، وعقبه: {وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي فَأَوۡقِدۡ لِي يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ} [القصص: 38]" ([1])

استدراك:

وفي الحقيقة لا أرى أنَّ عدم استعمال الملأ ينفي عنهم الشَّرف والعلوَّ؛ فهم أشراف قومهم وعِليتهم، سواء ذُكر ذلك أو لم يُذكر، وإنَّما كان استعمال الكلمتين لوضع الكلمة في موضعها المناسب لها من جميع الأوجه.

النَّمل مقام اختصار، والقصص مقام تبسُّط وإطناب؛ وهذا ظاهر في كامل القصَّة في السُّوريين؛ فقد أخذت قصَّة موسى في النَّمل نحو 8 آيات، بينما عمَّت القصَّة جميع السُّورة من أوَّلها إلى آخرها؛ فغالبها يُعدُّ فصولًا ومشاهد من قصَّته عليه السَّلام؛ ولمَّا كانت كذلك فصِّل فيها ما أُجمل في النَّمل من مشهد السَّير بالأهل وتكليم الله تعالى له عليه السَّلام.

ومن دلائل الإطناب في القصص زيادة: (أن) في قوله تعالى: {وَأَلۡقِ عَصَاكَۚ} [النمل: 10] وحذفها في النَّمل، وهي أن المفسِّرة، وتفيد أنَّ ما بعدها لم يرد بلفظه بل بمعناه، نحو: فقال: (أن الحمد لله) أي أنَّه قال كلمة مضمونها وفحواها يدلُّ على ما بعد أن المفسِّرة.

استعملت ألفاظ دلَّت على التَّبسُّط والإطناب والتَّطويل والتَّفصيل في القصص نحو: {أَن يَٰمُوسَىٰٓ} [القصص: 30] و: {وَأَنۡ أَلۡقِ عَصَاكَۚ} [القصص: 31] و: {يَٰمُوسَىٰٓ أَقۡبِلۡ وَلَا تَخَفۡۖ} [القصص: 31] وجمعيها ورد في النَّمل مختصرًا؛ لأنَّه مقام تعظيم وهيبة وتكليف وتكريم.


(1) البرهان في توجيه متشابه القرآن، لأبي القاسم الكرمانيِّ، ص: (143).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله