الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

صفات الفاروق في زمن الخلافة الرَّاشدة

1 - النُّصرة والدَّعم والتَّأييد:

لم يدَّخر الفاروق وسعه في دعم الخلافة الرَّاشدة للصِّدِّيق رضي الله عنه منذ اللَّحظة الأولى التي نادى فيها في ملأ الأنصار باستحقاق أبي بكر رضي الله عنه لخلافة النَّبيِّ  مُستثمرًا فطنته وذكائه وسياسته وحسن إدارته وحرصه على وأد الفتنة بذكر أنَّ تقديم النَّبيِّ  لأبي بكر الصِّدِّيق ليُصلِّي بالنَّاس في مرضه دليل على ارتضائه له في قيادة الأمَّة من بعده  فقال قولته التي حسمت نصف النِّقاش: "ألستم تعلمون أنَّ رسول الله ، قد أمر أبا بكر أن يُصلِّي بالنَّاس؟ فأيُّكم تطيبُ نفسه أن يتقدَّم أبا بكر؟ قالوا: نعوذ بالله أن نتقدَّم أبا بكر" [1] وفي رواية فقال عمر رضي الله عنه: "مَن له مِثل هذه الثَّلاث: {إِذۡ ‌هُمَا ‌فِي ‌ٱلۡغَارِ} [التوبة: 40] من هما؟ {إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ} من هو؟ {لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ} من هما؟ ثمَّ بسط يده وبايعه النَّاس بيعة حسنة جميلة" [2] فالفاروق عمر رضي الله عنه هو مَن قام فأعطاه البيعةَ وتبِعه النَّاس؛ فكان مِن أعظم أسباب وأد الفتنة، واستتباب أمر الخلافة لأبي بكر رضي الله عنه بما فعله من موقف جليل في سقيفة بني ساعدة، ولم يتوقَّف دوره عند هذا الحدِّ، بل استمرَّ طِيلة فترة الخلافة في التَّأييد والدَّعم من خلال امتثال أمر الخليفة الرَّاشد أبي بكر رضي الله عنه، ومشاركته المشاهد كلَّها، وتنفيذ رأيه وتوجيهه.

2 - القرب من موقع الخلافة بالاستشارة:

لم يكن الفاروق عمر بعيدًا على الصِّدِّيق رضي الله عنهما في فترة خلافته المباركة، بل كان مُلازمًا له كظلِّه؛ لإدراكه أهمِّيَّة هذه المرحلة من تاريخ الأمَّة الإسلاميَّة؛ فإنَّ موت النَّبيِّ  كانت أعظم فتنة مرَّت بالأمَّة، وقد ترتَّب على ذلك ردَّة كثير من العرب، وادِّعاء بعضهم النُّبوَّة، وبدأت الثَّورات والقلاقل، فأدرك عمر رضي الله عنه أنَّ وقوفه بجوار الصِّدِّيق رضي الله عنه واجب وضرورة حتميَّة، وهو ما حصل بالفعل، فقد كان حريصًا على تقديم المشورة والرَّأي والاقتراح، ومن أعظم مواقفه ما كان من الإشارة بجمع القرآن الكريم بعد موقعة اليمامة، ولقوَّة رأيه وقدرته على القضاء والحكم ولَّاه أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه القضاء، وكان يستخلفه على المدينة عند خروجه منها مُعتمرًا، وعهد إليه أن يُصلِّي بالنَّاس في مرضه رضي الله عنه، وكلَّفه أن يحجَّ بالنَّاس عام تولَّى الخلافة [3]، وغير ذلك من المواقف التي تأتي في طريق تثبيت قواعد الدَّولة الإسلاميَّة النَّاشئة، وبذل الجهد في المحافظة على سلامة الأمَّة ووحدتها وصيانة دينها وعقيدتها، وجمعها على قلب رجل واحد بالإعانة الكاملة التي تقتضيها البيعة والمسئوليَّة.

3 - المشاركة في صناعة القرار:

كان الفاروق رضي الله عنه حاضرًا في مجلس صناعة القرارات فكان مُستشارًا مُؤتمنًا صادقًا مقدَّرًا، وقُربه من أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه جعل له مشاركة في القرارات الكبيرة والمصيريَّة التي اتُّخذت في زمن أبي بكر رضي الله عنه، فهو من أهل مشورته المعاونيين له في قيادة الأمَّة وإدارة شئون الدَّولة، ولم يكن يقدر على قيادة العرب واحد إلَّا أن يكون نبيًّا يأتيه الوحي من السَّماء، ويُؤيِّده الله تعالى بالحكمة والنُّبوَّة؛ ولذلك اعتمد كلُّ خليفة جاء بعد النَّبيِّ  مبدأ الشُّورى واتِّخاذ المستشارين؛ لئلَّا ينفرد بقرار، ولكي يجد منهم عونًا وسندًا وقوَّة على ما يستجدُّ من أحداث ومشكلات ومواجهات، وعلى رأس من اتَّخذه الصِّدِّيق رضي الله عنه في الاستشارة والمناقشة في قضايا الخلافة= عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، بل إنَّ بعض ما أشار به عُمر رضي الله عنه كان دون استشارة من الصِّدِّيق رضي الله عنه؛ كجمع القرآن الكريم بعد قتل كثير من القرَّاء في موقعة اليمامة، وهذا الموقع الذي وُضع فيه الفاروق رضي الله عنه كان من أهمِّ عوامل إعداده ليُصبَح أولى النَّاس بتحمُّل المسئوليَّة بعد الصِّدِّيق رضي الله عنه، وهو ما حصل في نهاية الخلافة البكريَّة الرَّاشدة حين عهد الصِّدِّيق رضي الله عنه بالخلافة إليه بعد مشاورة الصَّحابة رضي الله عنهم فلم يُقدِّم أحدٌ أحدًا عليه؛ لثقته وصلاحه، وعلوِّ مكانته بين الصَّحابة رضي الله عنهم، وقربه من النَّبيِّ  ثمَّ من الصِّدِّيق أبي بكر رضي الله عنه، وقوَّة إدارته وخبرته بشئون الحكم وسياسة الرَّعيَّة رضي الله عنه، فكان بالخلافة جدير وحقيق.

4 - المشاركة في تثبيت دعائم الخلافة:

لم يترك الفاروق وسيلة من وسائل تثبيت أركان الدَّولة الإسلاميَّة بعد موت النَّبيِّ ﷺ وفي زمن الخلافة البكريَّة الرَّاشدة إلَّا واتَّخذها؛ لأنَّ سقوط الخلافة الرَّاشدة بعد موت النَّبيِّ  أمر لا يُمكن أن يرضى به أحد فضلًا عن أن يكون فاروقًا ملهمًا ومحدَّثًا صادقًا، وقد وقعت اضطرابات كثيرة في زمن الخلافة إبَّان موت رسول الله  من ردَّة العرب عن الإسلام، وادِّعاء كثير منهم النُّبوَّة، والامتناع عن أداء الزَّكاة، وإضعاف شوكة الإسلام بثورة في شبه الجزيرة العربيَّة، مع كثرة المتربِّصين بها من العدوِّ الخارجيِّ المتمثِّل في الفرس والرُّوم، فكانت بعض هذه الأسباب كفيلة وكافية في إسقاط أيِّ حكومة وقيادة بعد قيادة النُّبوَّة، ولكنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم وعلى رأسهم الفاروق عمر رضي الله عنه واجهوا كلَّ هذه التَّحدِّيات ببسالة وتضحية وفداء منقطع النَّظير، فقد التحموا بالجيوش الكافرة المقاتلة وجحافل المارقين عن الإسلام أصالة وتبعيَّة في المواقع المختلفة مع تعدُّد الجبهات الدَّاخليَّة والخارجيَّة، ولم يُثنهم كثرة المواقع القتالية وتتابعها مع قلَّة العدد والعدَّة من خوض غِمار المواجهة بقوَّة الإيمان، وصدق اليقين، حتَّى أقام الله تعالى بهم اعوجاج من انحرف عن الإسلام فعاد إليه، وأزال الله تعالى بهم ممالك الكفر والوثنيَّة والشِّرك، واستتبَّ الأمن والأمان لتلك الدَّولة التي كانت في طريقها إلى السُقوط والتَّلاشي بسبب كثرة أبواب الفتن، وجَلَد العدوِّ الغاشم في المواجهة والكيد من أجل إسقاطها، لكنَّ الله تعالى سلَّم وثبَّت أركان دولة الإسلام بأمثال الصِّدِّيق والفاروق رضي الله عنهما، ومن بعدهما من الصَّحب الكرام رضي الله عنهم الذين لم يألوا جُهدًا ولم يدَّخروا وسعًا في الحفاظ على الأمَّة الإسلاميَّة من التَّشتُّت والانقسام والتَّفتُّت، ولا سبيل لصلاح الأجيال المتأخِّرة إلَّا بالسَّير على طريقتهم.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله