الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

ترجمة الإمام أبي جعفر النَّحَّاس رحمه الله

أبو جعفر النَّحَّاس رحمه الله: أحمد بن محمَّد بن إسماعيل المراديُّ المصريُّ النَّحويُّ، وكان من أئمَّة النَّحو والعربيَّة والقرآن الكريم؛ قال الزُّبَيدىُّ رحمه الله: "وكان واسع العلم، غزير الرِّواية، كثير التَّأليف، ولم يكن له مشاهدة، وإذا خلا بقلمه جوَّد وأحسن، وله كتب في القرآن مفيدة" [1]

قصَّة ابن النَّحَّاس مع قاضي قضاة الأندلس رحمهما الله:

قال الزُّبَيديُّ رحمه الله: "حدَّثني قاضي القضاة منذر بن سعيد [البلوطيُّ الأندلسيُّ] قال: أتيتُ ابنَ النَّحَّاس في مجلسه، فألفيتُه يُملي في أخبار الشُّعراء شِعر قَيس بن معاذ المجنون، حيث يقول:

خَلِيلَيَّ هَل بِالشَّامِ عَينٌ حَزِينَةٌ تُبَكِّي عَلَى نَجدٍ لَعلِّي أُعِينُهَا

قَدَ اسْلَمَهَا البَاكُونَ إِلَّا حَمَامَـةً مُـطَوَّقَةً بَاتَت وَبَاتَ قَرِينُهَا

فلمَّا بلغ هذا الموضع قلتُ: "باتا يفعلانِ ماذا؟ أعزك الله!" فقال لي: "وكيف تقول أنت يا أندلسيُّ؟" فقلتُ: "بانت وبان قرينها" فسكت. قال القاضي: "فما زال يستثقلني بعدها حتى منعني (العين)، وكنتُ ذهبتُ إلى الانتساخ من نسخته، فلمَّا قطع بي قيل لي: أين أنتَ من أبي العباس بن ولَّادٍ؟ فقصدتُّه فوجدتُ رجلًا كامل العلم والأدب، حسن المروءة، وسألته الكتاب، فأخرجه إليَّ، ثمَّ تقدَّم أبو جعفر النَّحَّاس حين بلغه إباحة أبي العباس كتابه إليَّ، وعاد إلى ما كنت أعرفه منه" قال الزُّبَيديُّ معلِّقًا: "وكان أبو جعفر لئيمَ النَّفس، شديدَ التَّقتير على نفسه، وكان ربَّما وُهِبت له العمامة، فيقطعها على ثلاث عمائم، وكان يلي شراء حوائجه بنفسه، ويتحامل فيها عن أهل معرفته" [2]

وهذه القصَّة التي ذكرها الزُّبَيديُّ رحمه الله فيها فوائد كثيرة، من أعلاها ما يُدركه المطالع من تأثُّر الإمام أبي جعفر النَّحَّاس رحمه الله بما وقع من القاضي أبي الحكم منذر بن سعيد البلوطيِّ الأندلسيِّ رحمه الله من استدراك عليه، حمله بعد ذلك على منع كتاب: (العين) للخليل بن أحمد عنه فلم يتمكَّن من نسخه، وهذا التَّصرُّف مع حسن عبارة القاضي منذر بن سعيد رحمه الله في الاستدراك والتَّصحيح، ويظهر لي من نصِّ الرِّواية أنَّ ذلك وقوع أمام الجمع؛ فقد كان في مجلس إملاء يحضره النَّاس، ولم ينتظر القاضي منذر بن سعيد رحمه الله حتى ينحلَّ المجلس وينصرف من فيه ليستدرك، وإنَّما جاء الاستدراك على ملأ من النَّاس، وهذا من أعظم الفتن التي يُختبر بها العالم؛ فتصويب الخطأ على انفراد أنفع من تصويبه على جمع لأهل الشَّأن والعلم والوجاهة؛ لأنَّ الاستدراك في العلن كاسر للهيبة، ومسقط للحشمة؛ فكان استثقال الإمام أبي جعفر النَّحَّاس رحمه الله له ردَّة فعل على ما اعتبره تعدِّيًا في حقِّه من القاضي منذر بن سعيد رحمه الله، وكان يمكن تفادي الموقف إذا كان الرَّدُّ في ورقة أو بعد المجلس؛ وإعطاء الشَّيخ حقَّه من الهيبة والإجلال.

والحقُّ أنَّ الرِّواية على ما ذكره القاضي منذر بن سعيد رحمه الله، لا على ما أملاه الإمام أبو جعفر النَّحَّاس رحمه الله، والأبيات لقيس بن الملوَّح بن مزاحم بن عدس بن ربيعة العامريِّ الهوزانيِّ المضريِّ العدنانيِّ مجنون ليلى بنت مهديِّ بن سعد بن مُزاحم بن ربيعة العامريَّة، والعجيب أنَّهما كانا في عهد الصَّحابة رضي الله عنهم؛ حيث أدركا زمن خلافة عثمان رضي الله عنه، وكلٌّ يشتغل بليلاه ويبكي عليها، يقول هذا العاشق المتيَّم المتغزِّل في هذه الأبيات:

خَلِيلَيَّ هَل بِالشَّامِ عَينٌ حَزِينَةٌ تُبَكِّي عَلَى نَجـدٍ لَعلِّـي أُعِينُهَا

قَدَ اسْلَمَهَا البَاكُونَ إِلَّا حَمَامَـةً مُطَـوَّقَـةً بَانَت وَبَـانَ قَـرِينُهَـا

تُجَاوِبُهَا أُخرَى عَلَى خَيزُرَانَــةٍ يَكَادُ يُدنِّيهَا مِنَ الأَرضِ لِينُهَـا

ولعلَّ الدَّافع للقاضي منذر بن سعيد رحمه الله على المبادرة بطرح الاستدراك في صورة سؤال أنَّه أراد ضبط النَّقل في مجلس الرِّواية؛ لأنَّه مجلس تحمُّل ونقل؛ فكان من الأمانة حصول الضَّبط للمادَّة المنقولة قبل انصراف النَّاس، وهذا أنسب ما يُوجَّه به موقف الإمام أبي جعفر النَّحَّاس رحمه الله، وأحسن ما يُعتذر به للقاضي منذر بن سعيد رحمه الله؛ ويُرجِّح هذا الدَّافع ما عُرف من شخصيَّة القاضي منذر بن سعيد رحمه الله، فقد كان لا يخشى في الله لومة لائم، يأمر بالخير، ويُوجِّه من غير تراجع؛ قال الذَّهبيُّ رحمه الله: "قال ابن بشكوال في بعض كتبه: منذر بن سعيد خطيب بليغ مُصقع، لم يكن بالأندلس أخطب منه، مع العلم البارع، والمعرفة الكاملة، واليقين في العلوم، والدِّين، والورع، وكثرة الصِّيام، والتَّهجُّد، والصَّدع بالحقِّ؛ كان لا تأخذه في الله لومة لائم، وقد استَسقى غير مرَّة فسُقِي" [3] فقد كان القاضي منذر بن سعيد الأندلسيُّ عالي القدر في العلم والعبادة وجهيًا في قومه، له من التآليف والتَّصانيف ما يدلُّ على علمه وفضله، فلا يُستنكر عليه ردُّه وتصويبه، ترجمته عامرة في سير أعلام النُّبلاء، فراجعها. 

ويُستفاد من هذه الرِّواية أن يحرص السَّامع على عدم نقد المتكلِّم أمام الحاضرين؛ لما في ذلك من إعانة النَّفس والشَّيطان عليه؛ فلم يسلم من حظِّ النَّفس أحد، وهضم النَّفس أمام الغير شديد؛ والمرء بطبعه لا يُحبُّ التَّشهير وإظهار المثالب والأخطاء أمام الآخرين؛ وإنَّما يكون النُّصح في الخفاء بعيدًا عن عيون وأسماع النَّاس؛ لإعانة المرء على تقبُّله والانتفاع به؛ قال مسعر بن كدام رحمه الله: "‌رحم ‌الله ‌مَن ‌أَهدى ‌إليَّ ‌عُيوبي ‌في ‌سرٍّ ‌بيني ‌وبينه؛ فإنَّ النَّصيحة في الملأ تقريع" [4] وقال الشَّافعيِّ رحمه الله: "مَن وعظ أخاه سرًّا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وخانه" - حلية الأولياء لأبي نُعيم، طبقة: (ذكر طوائف من جماهير النُّسَّاك والعبَّاد) الإمام: (الشَّافعيُّ) - وقال أيضًا:

تَعَهَّدنِي بِنُصحِكَ فِي انفِـرَادِي وَجَنِّبنِي النَّصِيحَةَ فِي الجَمَاعَةْ

فَإِن النُّصحَ بَينَ النَّاسِ نَـــوعٌ مِنَ التَّوبِيخِ لَا أَرضَى استِمَاعَهْ

فَإِن خَالَفتَنِي وَعَصَيتَ قَـولِي فَلَا تَغضَب إِذَا لَم تُعطَ طَاعَـةْ

وما ذكره الزُّبَيديُّ رحمه الله ممَّا يُحمل على التَّنقُّص والتَّنزيل من شأن أبي جعفر النَّحَّاس رحمه الله ورد من باب التَّحليل للشَّخصيَّة بما يُفسِّر صنيع الإمام ابن النَّحَّاس رحمه الله من خلال الاعتماد رواية القاضي الأندلسيِّ منذر بن سعيد رحمه الله؛ حيث اتَّهمه بالبخل على نفسه، والتَّقتير الشَّديد، وخدمة نفسه، وتحامله على من يعرف؛ فقال: "وكان أبو جعفر لئيمَ النَّفس، شديدَ التَّقتير على نفسه، وكان ربَّما وُهِبت له العمامة، فيقطعها على ثلاث عمائم، وكان يلي شراء حوائجه بنفسه، ويتحامل فيها عن أهل معرفته" فهذا الكلام من الزُّبَيديِّ رحمه الله مجرَّد تحليل لمضمون القصَّة المنقولة عن القاضي رحمه الله؛ فإنَّه لم يلق ابن النَّحَّاس رحمه الله - مع إمكانيَّة اللِّقاء لحصول المعاصرة فقد توفِّي ابن النَّحَّاس (ت: 338ه) وولد الزُّبَيديُّ (316ه) فكان ابن 22 سنة وقتها - ولم يرحل إلى مصر للقائه، بل ولد في إشبيليَّة ومات بها، ولم تكن له رحلة إلى خراجها، وبالتَّالي فالحكم لا يُسلَّم به على الإطلاق؛ لأنَّ قائله لم يُعاشر من قيل فيه القدح، ولم يثبت أنَّه لقيه أو تعامل معه، فالحكم ناتج عن تأثُّر الزُّبَيديِّ رحمه الله بمجريات قصَّة الإمام ابن النَّحَّاس مع القاضي مندر بن سعيد رحمهما الله، وعليه قد تكون الصِّفات المذكورة طارئة وناتجة عن النُّفرة التي حصلت بين الإمام ابن النَّحَّاس والقاضي منذر بن سعيد رحمهما الله لما جرى من موقف، ولا يعني أنَّه متطبِّع متخلِّق بهذه الصِّفات، ولو كان كذلك لوردت قصص أو نُقول تُشير إلى ما وقع مع غير القاضي الأندلسيِّ رحمه الله، وعدم الثُّبوت دليل عدم اللُّزوم، فلا يُساء الظَّنُّ بالإمام ابن النَّحَّاس من أجل موقفه مع القاضي منذر بن سعيد رحمهما الله وفقًا لتحليل الزُّبَيديِّ للقصَّة؛ لعدم العموميَّة.

إنَّ المرء لا ينتفع بالتَّعرُّض لذكر مساوئ العلماء بقدر ما يتضرَّر، فضرره على النَّاس أظهر من مجرَّد التَّنبيه، ولذلك كان من مناهج المترجمين الأوَّلين= السُّكوت عن النَّقائص في التَّراجم، وخاصَّة ما تعلَّق بالشَّخص ممَّا لا يُؤثِّر على علمه وما يُتلقَّى عنه من منقول، والسِّرُّ في التَّنبيه على هذه الفائدة في ترجمة الإمام النَّحَّاس التَّأكيد على إجلال أهل العلم وتقدير مكانتهم، فلا يُوجَّه إليهم نقد ذاتيٌّ شخصيٌّ يتعلَّق باختياراتهم لأنفسهم؛ فلا سلطان لأحد على اختيارات الآخرين، وكلُّ امرئ يختار لنفسه ما لا يخرج عن حدود ما شرعه الله تعالى، ولا تتوجَّه إليه أقلام النَّقد وألسنة التَّجريح لمجرَّد الاختلاف والتَّفاوت في الاختيارات معه، وحفظ جناب أهل العلم أولى وأعظم من التَّعرُّض له؛ لحمايتهم من السُّقوط من نظر جماهير المسلمين، وصيانة لما معهم من العلم والمعرفة، ولا يعني هذا التَّعصُّب للعلماء بإقرار الهفوات المعرفيَّة، أو السَّقطات العلميَّة، بل تُذكر على سبيل البيان بأدب وإنصاف وتجرُّد، مع حفظ المقام وإجلال الرُّتبة؛ امتثالًا لقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ ‌رَبَّنَا ‌ٱغۡفِرۡ ‌لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10]

ويمكن أن يكون النَّصُّ  الوارد عن الزُّبَيديِّ للمدح لا القدح إذا حملنا أمثال هذه التَّصرُّفات - في غير هذا الموقف - على معنى الزُّهد والتَّقشُّف والتَّقلُّل من حظوظ النَّفس، وهو منهج تربويٌّ إصلاحيٌّ يأخذ المرء به نفسه لتهذيبها وامتلاكها وإحكام القبضة عليها لئلَّا تطغى، وعليه سار كثير من صالحي هذه الأمَّة، وهو من التَّصوُّف المحمود إذا لم يُلحق الأذى بالنَّفس أو الآخرين، فإنَّ التَّقليل من الملذَّات من أعظم سبل النَّجاة والسَّلامة من تسلُّطها وجموح شهوتها، ولا يُلام من أخذ نفسه بالتَّقشُّف، وليس بلازم أن يختار الآخرون ما اختاره المرء لنفسه، ولكنَّه لا يُنتقد لمثل هذا.

ذكر قصَّة وفاته رحمه الله:

وقد ذكر أهل التَّراجم والسِّير في ترجمته رحمه الله قصَّة عجيبة تُؤكِّد على خطورة الجهل وسوء الظَّنِّ على الفرد والمجتمع؛ قال القفطيُّ رحمه الله: "وذُكر أنَّه جلس على درج ‌المقياس - قال ياقوت الحمويُّ: "المقياس: هو عمود من رخام قائم في وسط بركة على شاطئ النِّيل بمصر، وله طريق إلى النِّيل، يدخل الماء إذا زاد عليه، وفي ذلك العمود خطوط معروفة عندهم، يعرفون بوصول الماء إليها مقدار زيادته" [5] بمصر على شاطئ النِّيل وهو في مدِّه وزيادته، ومعه كتاب العَروض - علم من العلوم المتعلِّقة بالشِّعر، يختصُّ بدراسة أوزان الشِّعر العربيِّ عن طريق تفعيلات البحور الشِّعريَّة، لمعرفة الموزون من المكسور - وهو يقطِّع منه بحرًا، فسمعه بعض العوامِّ، فقال: "هذا يسحر النِّيل، حتى لا يزيد، فتغلو الأسعار" ثمَّ دفعه برِجله، فذهب في المدِّ، فلم يُوقَف له على خبر" [6]

وفي هذه القصَّة من العِبر ما يُبكي الحجر، ومن أعظم ما فيها ما وقع من قتل إمام جليل من أئمَّة العربيَّة والقرآن الكريم - الأمَّة إلى طول بقائه للانتفاع به أحوج - بسبب الجهل والتَّشاؤم وسوء الظَّنِّ لدى القاتل؛ ولو أدرك القاتل الجاهل حقيقة ما يُمارسه الإمام النَّحَّاس رحمه الله من قراءة الشِّعر على طريقة العروضيِّين لتقطيعه ومعرفة موزونه ومكسوره لما أقدم على ارتكاب تلك الجريمة النَّكراء التي تحمل معنى الخيانة والجبن عن المواجهة، فقد بادر بدفعه برجله من وراء ظهره، ولو ملك الشَّجاعة للمواجهة لكان في المواجهة استفهام وسؤال ونقاش وإدراك لحقيقة ما يُقال عن طريق الحوار والمناقشة، ولكنَّ الجاهل بعيد عن كلِّ هذه المعاني، حيث يفرض سوء الظَّنِّ في عموم المواقف، ثمَّ يبني بتهوُّر وعجلة وتسرُّع على قناعاته الفاسدة سلوكًا فاسدًا، وما وقع بلاء في الأمَّة إلَّا من وراء الجهل والحماقة وسوء الظَّنِّ بالآخرين، وما واقع المخالفين عنَّا ببعيد؛ فقد ساق التَّعصُّب الأعمى البغيض للأفراد والآراء والمذاهب كثيرًا من النَّاس إلى كثير من الجرائم التي ارتجَّت لها الدُّنيا، وإدراك عواقب تمكُّن الجهلة من التَّصرُّف واتِّخاذ القرار يحمل العقلاء على الحجر عليهم ومنعهم من التَّصرُّف في حدود مسئوليَّاتهم وقدارتهم.

ومضمون القصَّة يُشير إلى حرص الإمام النَّحَّاس رحمه الله على العزلة والخلوة بنفسه بالبعد عن النَّاس ما أمكنه، فكان يجلس على النِّيل بعيدًا عن صخب الحياة للمذاكرة والاطِّلاع والتَّرقِّي في العلم والمعرفة، وهذا موضَّح في قول الزُّبَيدىُّ رحمه الله: "ولم يكن له مشاهدة، وإذا خلا بقلمه جوَّد وأحسن، وله كتب في القرآن مفيدة" وهذا درس عظيم لطالب العلم أن تكون له خلوة في الأماكن التي يجد فيها نفسه بعيدًا عن ضوضاء الحياة وزخمها، لينفرد بكتابه قراءةً وتأليفًا وتحريرًا؛ فالمشتِّتات البصريَّة والسَّمعيَّة والفكريَّة والنّفسيَّة من أعظم ما يحرم المرء من التَّوفيق والإبداع والمواصلة في ميدان العلم والمعرفة.

وللفائدة في ترجمة الزَّبِيديِّ: بعض النَّاس يخلط بين العلماء الزَّبِيديِّين والزُّبَيديِّين، وهم كثيرون، وعلى رأسهم ثلاثة:

الأوَّل: الزُّبَيديُّ الأندلسيُّ الإشبيليُّ اللُّغويُّ النَّحويُّ الأديب الشَّاعر رحمه الله: وهو أبو بكر محمَّد بن الحسن بن عُبيد الله بن مَذحِج الزُّبَيديُّ، ولد سنة: (316ه) وتوفِّي سنة: (379ه) وهو صاحب: (طبقات ‌النَّحويِّين واللُّغويِّين)، و: (لحن العامَّة) و: (مختصر العين) في اللُّغة، و: (الاستدراك على سيبويه في كتاب الأبنية).

ويمتاز هذا بالشَّكل، فينطق بضمِّ الزَّاي وفتح الباء وسكون الياء؛ قال عزُّ الدِّين ابن الأثير رحمه الله: "الزُّبَيديُّ - بضمِّ الزَّاي وفتح الباء وسكون الياء المثنَّاة من تحتها وفي آخرها دال مهملة - هذه النِّسبة إلى ‌زُبَيد، ‌وهي قبيلة من مَذحِج واسم زُبَيد مُنبَّه ابن صعب ابن سعد العشيرة بن مالك بن أدد، وإنَّما قيل له زُبَيد لأنَّه قال: "من يَزبِد لمن رفده" فأجابه أعمامه، فقيل لهم جميعًا زُبَيد، وينسب إليها خلق كثير من الصَّحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من العلماء منهم عمرو بن معدي كرب الزُّبَيديُّ" [7]

الثَّاني: الزَّبِيديُّ اليمنيُّ الحنفيُّ المحدِّث رحمه الله: شهاب الدِّين أحمد بن أحمد بن عبد اللَّطيف الشَّرجيُّ - إلى شَرجة (حيس في جنوبي زَبيد) - الزَّبيديُّ - لم يخرج من زَبِيد فتوفِّي فيها -: محدِّث الدِّيار اليمنيَّة في عصره، ولد سنة: (812ه) وتوفِّي سنة: (893ه)، قال ابن الفرضيِّ: "كان واحد عصره في علم النَّحو، وحفظ اللُّغة" [8] وهو صاحب: (‌التَّجريد ‌الصَّريح لأحاديث الجامع الصَّحيح) وهو مختصر صحيح البخاريِّ، ويُعرَف بمختصر الزَّبيديِّ، و: (طبقات الخواصِّ)، في سير أولياء اليمن، و: (الفوائد)، و: (نزهة الأحباب) أدب" [9]

الثَّالث: الزَّبِيديُّ الواسطيُّ ثمَ اليمنيُّ ثمَّ المصريُّ المعجميُّ المعروف بالمرتضى رحمه الله: أبو الفيض محمَّد بن محمَّد بن محمَّد بن عبد الرَّزَّاق الحسينيُّ الزَّبيديُّ، علَّامة باللغة والحديث والرِّجال والأنساب، وهو من كبار المصنِّفين، ولد سنة: (1145ه) وتوفِّي سنة: (1205ه)، صاحب: (‌تاج ‌العروس في شرح القاموس) و: (إتحاف السَّادة المتَّقين) في شرح إحياء العلوم للغزاليِّ، و: (عقود الجواهر المنيفة في أدلَّة مذهب الإمام أبي حنيفة)، و: (كشف اللِّثام عن آداب الإيمان والإسلام)، و: (رفع الشَّكوى وترويح القلوب في ذكر ملوك بني أيُّوب).

تنبيه: وقد وهم الزِّركليُّ فنسب إليه كتاب: (مختصر العين) ؛ فقال رحمه الله: "محمَّد بن محمَّد ابن محمَّد بن عبد الرَّزَّاق الحسينيُّ الزَّبيديُّ، أبو الفيض، الملقَّب بمرتضى... من كتبه: (‌تاج ‌العروس في شرح القاموس...، و: (مختصر العين - خ) في اللُّغة، اختصر به كتاب: (العين) المنسوب للخليل بن أحمد" [10] والصَّواب أنَّه ليس له، بل هو للزَّبيديِّ الإشبيليِّ، وقد نسبه الزِّركليُّ لصاحبه في موضع آخر: "محمَّد بن الحسن بن عبيد الله بن مذحج الزُّبَيديُّ الأندلسيُّ الإشبيليُّ، أبو بكر، عالم باللُّغة والأدب، شاعر، أصل سلفه من حمص (في الشَّام)، ولد ونشأ واشتهر في إشبيليَّة... من تصانيفه: (الواضح - خ) في النَّحو... و: (‌مختصر ‌العين - خ) في اللُّغة" [11] فكان الخطأ في موضع المرتضى الزَّبيديِّ؛ لعدم ثبوت كتاب له بهذا الاسم، ولثبوته للزَّبيديِّ الأندلسيَّ.

إلحاق: ولا ينفي هذا نسبة كتاب: (مختصر العين) لغير الزُّبَيديِّ الأندلسيِّ؛ فهناك: (مختصر العين) للسِنجانيِّ؛ قال ياقوت الحمويُّ رحمه الله: "عليُّ بن القاسم السِّنجانيُّ أبو الحسن، - وسنجان قصبة خواف - ذكره الباخرزيُّ فقال: هو صاحب كتاب: (‌مختصر ‌العين) ومحلُّه من الأدب محلُّ العين من الإنسان، ومحلُّ الإنسان من العين، وقد سهَّل طريق اللُّغة على طالبيها، وأدنى قطوفها من متناوليها باختصاره كتاب: (العين)" [12]

والخلاصة: يُفرَّق بين هؤلاء الأعلام بالاسم الكامل، والموقع، والقبيلة، والكنية، والتَّخصُّص، واسم الكتاب، ومضمون النَّقل عنهم؛ فمن كان من مَذحِج منتسب إلى قبيلة زُبَيد بن سعد العشيرة فهو زُبَيديٌّ، ومن كان من بلد اليمن أو منتسبًا إليها لمرحلة سكنها فيها فهو زَبِيديٌّ؛ قال ابن الأثير رحمه الله: "الزَّبِيديُّ - بفتح الزَّاي، وكسر الباء الموحَّدة، وسكون الياء المثنَّاة من تحتها، ومن آخرها دال مهملة - هذه النِّسبة إلى ‌زَبِيد، ‌وهي مدينة باليمن، يُنسَب إليها جماعة من العلماء كثيرون، منهم: أبو قرَّة موسى بن طارق الزَّبِيديُّ قاضيها" [13]

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله