ثناء العلماء على الإمام يحيى بن معين، ومكانته بينهم
لقد أِشرت إلى عِظم مكانة الإمام الجبل يحيى بن معين رحمه الله، وأنَّه من كبار الأئمَّة؛ فهو من كبار الآخذين عن تبع الأتباع، ممَّا أنتج ذيوع صيته، وانتشار شهرته، وجعله حديث النَّاس في مجالسهم، فتناولوا سيرته بين راو لأخباره، ومادح لخصاله، وسائل عن أحواله، ويجمع كلَّ المجالس تناولُهم سيرته بالثَّناء وذكر جميل الأخبار، ومن عظيم المدح والثَّناء ما يرد على لسان الكبار من أهل النَّقد والرِّواية؛ قال عليُّ بن المدينيِّ رحمه الله: "انتهى العلم بالبصرة إلى يحيى بن أبي كثير، وقتادة، وعلم الكوفة إلى أبي إسحاق، والأعمش، وانتهى علم الحجاز إلى ابن شهاب، وعمرو بن دينار، وصار علم هؤلاء السِّتَّة بالبصرة إلى سعيد بن أبي عروبة، وشعبة، ومعمر، وحمَّاد بن سلمة، وأبي عوانة، ومن أهل الكوفة إلى سفيان الثَّوريِّ، وسفيان بن عيينة، ومن أهل الحجاز إلى مالك بن أنس، ومن أهل الشَّام إلى الأوزاعيِّ، وانتهى علو هؤلاء إلى محمَّد بن إسحاق، وهُشيم، ويحيى بن سعيد، وابن أبي زائدة، ووكيع، وابن المبارك - وهو أوسع هؤلاء علمًا -، وابن مهدي، ويحيى ابن آدم، وصار علم هؤلاء جميعاً إلى يحيى بن معين" [1] وكان ربَّانيًّا ثقة عالمًا بما يقول؛ قال الخطيب البغداديُّ رحمه الله: "كان إمامًا ربَّانيًا عالِمًا، حافظًا، ثبتا، متقنًا" [2]
ولعظيم همَّته اجتهد في كتابة الحديث حتى رصد كثيرًا من النُّصوص وحفظها وعلم ما تعلَّق بها من علوم الرِّواية والدِّراية، حتى ثبت أنَّه كتب بيده ستِّمائة ألف حديث يحفظ بذلك النُّصوص على المسلمين؛ قال ابن المدينيِّ رحمه الله: "ما أعلم أحدًا كتب ما كتب يحيى بن معين" [3] وقال أيضًا رحمه الله: "لا نعلم أحدًا من لدن آدم كتب من الحديث ما كتب يحيى" [4] وقال أحمد بن عقبة رحمه الله: "سألت يحيى بن معين كم كتبت من الحديث يا أبا زكريا قال: كتبت بيدي هذه ستِّمائة ألف حديث" [5]
ولعلوِّ كعبه في علوم الرِّواية كان يقصده أهل الشَّأن لاستفتائه فيعطيهم ما يجعلهم يطربون له من جميل الأخبار، وخالص العلوم، وما فتح عليه فيه؛ حتى قال أحمد بن حنبل رحمه الله: "كلُّ حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس هو بحديث" وقال رحمه الله: "صاحبنا رجل خلقه الله لها الشَّأن، ويُظهر كذب الكذَّابين". [6]
ولذكائه وانتباهه لم يتمكَّن أحد من المحدِّثين في زمانه أن يُغرِب عليه، أو يلبِس عليه في صنعة الإسناد والرِّواية؛ قال عمرو النَّاقد: "ما كان في أصحابنا أعلم بالإسناد من يحيى بن معين، ما قدر أحد يقلب عليه إسنادًا قطُّ" [7] ومع هذه المكانة كان يُعقد له اختبار وامتحان، فتُركَّب أسانيدٌ لمتون فما كان يعجز عن التَّفطُّن لهذا، ويُعالِج ما حصل قصدًا أو خطأ؛ قال العجليُّ رحمه الله: "ما خلق الله تعالى أحدًا كان أعرف بالحديث من يحيى بن معين، ولقد كان يجتمع مع أحمد وابن المدينيِّ ونظرائهم فكان هو الذي ينتخب لهم الأحاديث لا يتقدَّمه منهم أحد، ولقد كان يؤتى بالأحاديث قد خُلطت وتلبَّست فيقول هذا الحديث كذا، وهذا كذا، فيكون كما قال" [8]
ولهذا كان يفخر طلَّابه به، ويخلعون عليه من ألقاب المدح والثَّناء ما هو به جدير وحقيق؛ قال عبد الخالق بن منصور قلت لابن الرُّوميِّ: "سمعت بعض أصحاب الحديث يحدِّث بأحاديث يحيى ويقول: "حدَّثني من لم تطلع الشَّمس على أكبر منه" فقال: "وما يُعجَب، سمعت بن المدينيِّ يقول: "ما رأيت في النَّاس مثله" [9]
ومع هذه الشُّهرة التي طبَّقت العالمين فقد كان له أعداء؛ فما من أحد إلَّا وله أعداء يظهر من خلالهم كونه يسير على الحقِّ أو الباطل؛ وقد تحدَّد أعداؤه في الكذَّابين الدَّجَّالين الذين بيَّن كذبهم، وجرَّحهم بما يستحقُّون من شديد القدح والتَّجريح؛ ولقد كانوا يتبيَّنون كذب الرُّواة من وقوعهم فيه؛ قال محمَّد بن هارون الفلَّاس: "إذا رأيت الرَّجل يقع في ابن معين فاعلم أنَّه كذَّاب إنَّما يُبغضه لما بيَّن من أمر الكذَّابين" [10]
ولولا خشية الإطالة لأكثرت في هذا المطلب، لكن أكتفي بهذا القدر للانتقال السَّريع إلى جوهر الموضوع؛ وهو: (منهج الإمام العلم يحيى بن معين في نقد الحديث).
(1) وفيات الأعيان، لابن خلكان (6/140).
(2) تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي (16/263).
(3) سير أعلام النبلاء، للذهبي (9/129).
(4) تهذيب التهذيب، لابن حجر (11/282).
(5) الكامل في ضعفاء الرجال، لابن عدي (1/123).
(6) تاريخ دمشق، لابن عساكر (65/24).
(7) تهذيب التهذيب، لابن حجر (11/282).
(8) المرجع السابق (11/288).
(9) تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي (14/183).
(10) تهذيب التهذيب، لابن حجر (11/286).