الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

[ظاهرة الانتحار: الخطورة، والآثار]

مقدِّمة

الحمد لله لا يُشاركه في خلقه شريك أو إلاه، ولا يُنازعه في ملكه ملك ذو جاه، ولا يخفى عليه شيء ولو كان تحت المياه، ولا يعجزه أحد ولو كان من الجبابرة العتاه، ولا يجحد وجودَه إلَّا ملاحدة العصاة، قد سبقت رحمتُه غضبَه وانتقامه، وظهرت حكمته مطلع كلِّ أمر وختامَه، سبحانه في طاعته النَّجاة والسَّلامة، وفي معصيته الهلكة والنَّدامة، وفي الرِّضا بأقداره العطاء والكرامة، وفي الضجر بقضائه الخسارة والغرامة، قد فاز أنبياؤه برضوانه، وظفر أولياؤه بإحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصَّالحين، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبد ورسوله النَّبيُّ الأمين ﷺ، صلَّى الله عليه ما تنفَّس الصَّباح، وأضاء المصباح، وظهر النُّور ولاح، وعلى آله وأصحابه ومن تبع نهجه الوضَّاح، وعلى كلِّ صابر ومجاهد وعالم وصاح.

انتشار الانتحار في أوساط الكفَّار

وبعد: فغير خاف على العقول والأبصار والأسماع ما يقع في واقعنا المعاصر من تفشِّي ظاهرة الانتحار وقتل النَّفس في المجتمعات الكافرة واللَّادينيَّة الإلحاديَّة والعلمانيَّة والشُّيوعيَّة؛ فقلوبهم خاوية من الإيمان، ونفوسهم خالية من الاطمئنان، وعقولهم سكرى من الهذيان، يتخبَّطون في الضغوط النفسيَّة، ويترنَّحون في المشكلات المجتمعيَّة، ويهربون من واقعهم الأليمِ يبحثون عن سند وباب، فلا يجدون أمامهم إلَّا السَّراب، فليس لهم إله مجيب دعوة المضطرِّ، يكشف ما ألمَّ بهم من ضرٍّ، أو يعدهم بعظيم الثَّواب والأجر، على ما يكون منهم من رضاء أو صبر، فتضيق بهم نفوسُهم، وتسودُّ أمامهم حياتُهم، وتصغر المجرَّات في عيونهم، ومع تفكُّك تلك المجتمعات، واشتغال النَّاس فيها بالشَّهوات، وارتفاع رايات المادِّيَّات، وانعدام أنوار الرَّوحانيَّات، لا يجد هؤلاء أحدًا ممَّن حولهم يسمعهم، أو يسعى لبذل الطَّاقة في دفع الضُّرِّ عنهم، أو يقدر على استنقاذهم وإعانتهم، فيُلقي الشَّيطان في رُوعه اليأس من الحياة بصوت، ويدفعه بقوَّة إلى التَّخلُّص منها بتعجُّل الموت، ويمنِّيه بأنَّه للرَّاحة مالك، ويعده بالنَّجاة من المهالك، ويغلق في وجهه كلَّ المسالك، وتُعينه النَّفس على ذلك، فلا إيمان يُثنيه، ولا إله يُنجيه، ولا عون من أقربيه، كلُّ هذا مع ضعف فيه، فيُقدم على قتل نفسه بحديده، أو يتردَّى من فوق جبال وطيدة، أو يتحسِّى سمومًا تأثراتها شديدة، وآثارها عليه أكيدة، فيهلك بذلك.

تصدير الانتحار لبلاد الإسلام

إنَّ وقوع هذا في المجتمعات الكافرة التي لا تعبد الإله الحقَّ، ولا تؤمن بالرَّبِّ الخالق، ولا تدين بدين الحقائق، ولا ترجو الجزاء يوم تتَّضح الطَّرائق، أمر حتميٌّ حين تصل النَّفس إلى حدِّ الضِّيق الذي معه تضيق الأرض عليه بما رحبت ولا يرى معه نورَ القمر ولا يشعر بحرارة الشَّمس؛ فقد وقع في بئر عميقة مظلمة لا أمل له في نجاته منها، لكنَّ وقوع مثل هذا في المجتمعات المسلمة من المسلمين مؤشِّر خطر دقَّ جرس تنبيه قادة المجتمع من الحكَّام والعلماء والمصلحين قبل فساد البلاد والعباد؛ فكيف يُقدم على قتل نفسه من له إله عظيم، ودين كريم، واعتقاد جازم بالبعث والنُّشور والحساب والجزاء يوم التَّكريم؟! المقروء من وراء هذا الفعل= ضعفُ اليقين، وفسادُ الدِّين، وتهميشُ الصَّالحين، وتقصيرُ المصلحين، وجهالةُ المسلمين.

آثار المجاهرة بالانتحار

إنَّ حصول المجاهرة بالانتحار عن طريق نشره وتصويره ونقله عبر بثِّه على العالمين من خلال وسائل النَّقل المرئيَّة والسَّمعيَّة يفتح على الأمَّة باب شرٍّ عظيم؛ حيث يُضعف في النَّفس الهيبة من الإقدام عليه، ويبعث في النَّاس الجرأة على تحطيم القيود الإيمانيَّة الملجمة للنَّفس البشريَّة من التَّمادي في التَّعدِّي على ما حرَّم الله التَّعدِّي عليه، ويُقنِّن للخطوات الأخيرة، ويسقط هيبة الموت من النَّفوس، فيُصبح المنتحر قدوة لمن وراءه، ويتبعه على فعله ألوف النَّاس؛ فليس في الدُّنيا من صفت له الحياة من الأكدار.

لقد حذَّرنا الإسلام من المجاهرة بالذَّنب لما لها من أثر عظيم على العاصي ومجتمعه بنشر الجرأة على الله تعالى بفعل ما نهى عنه، ففي الصَّحيحين قال النَّبيُّ ﷺ: «كلُّ أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه» » [1] فالعاصي حين يذكر معصيته لإخوانه يتأثر بها كلُّ من يسمعه، فقد تُرتكب المعصية بسبب إدمان سماع أخبارها من فاعليها؛ فبذا تنتشر الفواحش في المجتمعات، من أجل هذا كان النهي عن المجاهرة؛ لما تحمله من الجرأة على الحرام، والاستهانة بالحدود، والاستخفاف بمقام الله تعالى، ولما لها من أثر سيٍّء على المجتمعات.

آثار التَّعاطف مع المنتحر

وأقبح من ذلك ما يُحدثه التَّعاطف المجتمعيُّ من عوامِّ النَّاس ومدَّعي الثَّقافة مع القاتل لنفسه أو لغيره من تهوين الحرام في نفوس الأجيال الصَّاعدة؛ فقد ذمَّ الله تعالى من: {كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ} [المائدة: 79] لمجرَّد السُّكوت عن الإنكار على الفاعل، فكيف والحال أنَّنا نبرِّر للقاتل قتلَه، وللزَّاني زناه، وللسَّارق سرقتَه، وللكاذب كذبَه، وللخائن خيانتَه، وللفاجر فجرَه، وللظالم ظلمَه، وللمنحرف انحرافَه، فتجميل المعصية بتبريرها والدِّفاع عن فاعلها، والسُّكوت عن إنكارها يفتح بابًا لا يُغلَق بتكرارها والجرأة عليها.

لا تكسر باب المعصية

إنَّ أعظم ما في المعصية أوَّلُها، حين ينكسر باب الهيبة منها بفعلها، فتقع الجرأة على حِماها، وتُرتكب المعاصي على مرآى ومَسمع المجتمع المتخاذل عن إنكار المنكر، وكم من معصية كان بينك وبينها مفاوز وحدود جعلتك لا تُحدِّث نفسك بها قطُّ، فلمَّا اقتربت منها جُذبت إليها، ثمَّ غُصتَ في أعماقها وسبَرتَ أغوارها؟! فالقلوب ضعيفة، والفتنة خطَّافة؛ ولهذا نُهينا عن الاقتراب في قوله تعالى: {‌وَلَا ‌تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام: 151] وقال تعالى: {‌وَلَا ‌تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥ} [الأنعام: 152] وقال سبحانه: {‌وَلَا ‌تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا} [الإسراء: 32]

انتشار ظاهرة الانتحار ودور المؤسَّسات والأفراد

ولا يخفى على مطالع ما يجري من انتشار ظاهرة الانتحار في مجتمعنا، ففي شهر واحد سمعنا من أخبار المنتحرين ما تشيب له الرُّؤوس، وتحطَّم لمثله الفؤوس، فهذا شاب قتل نفسه بحبل مُعلَّقٍ على جسر من الجسور بعد تراكم الدُّيون، وذاك رجل يُعلِّق نفسه على بوابة مركز طبِّيٍّ بعد تعنُّت الإجراءات، وهذه امرأة ترمي بنفسها بعد ضغوط نفسيَّة ومشكلات أسريَّة، وما خفي كان أعظم ممَّا ظهر في العدد والهيئات.

ومن أجل هذا أردنا في المعهد القرآنيِّ العالي أن نقف مع أمَّتنا الميمونة العريقة وقفة نؤدِّي فيها واجب المسئوليَّة ببيان خطورة هذه الظَّاهرة، وذكر أسبابها، والإشارات إلى علاجها، وعلى الله قصد السَّبيل.

حرمة التَّعدِّي على النَّفس

أيُّها الكرام، إذا كان التعدي على الغير محرَّم بالشَّرع، ومجرَّم بالقانون، فهو على النفس آكد في الحرمة، وأغلظ في الجريمة؛ لأن العاقل لا يقع منه الاعتداء على الغير، ولا على نفسه من باب أولى، من أجل هذا نهانا الشارع عن التعدي على النفس بأي وسيلة تؤدِّي إلى ضياعها وإتلافها؛ فحدَّ الحدود التي تحفظها؛ فالقاتل يُقتل بمن قتله قصاصًا وقودًا، والمعتدي بشيء يُقابل بمثل اعتدائه مثلًا وعدلًا، وحفظها من كلِّيَّات الشَّريعة الخمس؛ قال تعالى: {‌وَلَا ‌تَقۡتُلُوٓاْ ‌أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا * وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ عُدۡوَٰنٗا وَظُلۡمٗا فَسَوۡفَ نُصۡلِيهِ نَارٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا}  [النِّساء: 29، 30] ولعظيم جرم قتل النَّفس يرى بعض المفسِّرين أنَّ المقصود بالنَّفس هنا الغير من باب قوله تعالى: {لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ} [النور: 12] وقوله: {وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ} [الحجرات: 11] لاستحالة أن يقتل المرء نفسه عند العقلاء الأسوياء؛ لما في ذلك من مشقَّة لا تُطاق؛ فقتل الغير ثقيل، وقتل النَّفس أثقل، ولما جبلت عليه النَّفس من حبٍّ الحياة والرَّغبة في الخلود والبقاء: "وتبنون مصانع لعلكم تخلدون"؛ قال الطَّاهر بن عاشور رحمه الله: "لا تقتلوا أنفسكم نهي عن أن يقتل الرَّجل غيره... إذ قد عُلِم أنَّ أحدًا لا يقتل نفسه فيُنهى عن ذلك، وقتل الرَّجل نفسه داخل في النَّهي، لأنَّ الله لم يبح للإنسان إتلاف نفسه كما أباح له صرف ماله، أمَّا أن يكون المراد هنا خصوص النَّهي عن قتل المرء نفسه فلا" [2] فهذا العجب الظَّاهر من الشَّيخ الطَّاهر بن عاشور رحمه الله مسلك كثير من العلماء؛ كيف يقتل نفسه مَن جُبل على حبِّ الحياة والتَّعلُّق بأسباب البقاء؟!

وعلى الطَّرف الآخر نرى من المفسِّرين من فسَّرها بحقيقة اللَّفظ تفسيرًا أوَّليًّا دون تأويلها بالغير؛ قال الإمام الرَّازيُّ رحمه الله: "واختلفوا في أنَّ هذا الخطابَ هل هو نهي لهم عن قتلهم أنفسهم؟ فأنكره بعضهم وقال: إنَّ المؤمن مع إيمانه لا يجوز أن يُنهى عن قتل نفسه، لأنَّه مُلجأٌ إلى أن لا يقتل نفسه، وذلك لأنَّ الصَّارف عنه في الدُّنيا قائم، وهو الألم الشَّديد والذَّمُّ العظيم، والصَّارف عنه أيضًا في الآخرة قائم، وهو استحقاق العذاب العظيم، وإذا كان الصَّارف خالصًا امتنع منه أن يفعل ذلك، وإذا كان كذلك لم يكن للنَّهي عنه فائدة... ويمكن أن يُجاب عنه بأنَّ المؤمن مع كونه مؤمنًا بالله واليوم الآخر، قد يُلحقه من الغم والأذية ما يكون القتل عليه أسهل من ذلك، ولذلك نرى كثيرا من المسلمين قد يقتلون أنفسهم بمثل السبب الذي ذكرناه، وإذا كان كذلك كان في النهي عنه فائدة" [3]

قتل النَّفس توبة بني إسرائيل

لقد جعل الله تعالى قتل النَّفس توبة لبني إسرائيل من عبادة العجل كعقوبة لهم على كفرهم، في قوله تعالى: {فَتُوبُوٓاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمۡ فَٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ عِندَ بَارِئِكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۚ} [البقرة: 54] فكان كلٌّ منهم يقتل نفسه كدليل على صدق توبته، وقيل أُمر من لم يعبد العجل بقتل من عبدوه كحدٍّ يطهر به المقتول ويتنظَّف به المجتمع، فلا يجوز إزهاق النَّفس إلَّا بأمر من وهبها، ولهذا يحرم الانتحار لما فيه من الجرأة على التَّصرُّف في اختصاص الله العظيم.

قتل النَّفس كبيرة من الكبائر

نعم، لقد عدَّ الإسلام قتل النَّفس كبيرة من الكبائر، لما تتضمَّنه من معالجة الاعتداء على صنعة الله تعالى بغير أمره، وفي ذلك ما لا يخفى من الجرأة والاستخفاف وادِّعاء القدرة على سلب ما لم يأذن الله بسلبه، فلمَّا عظمت الدَّلالات والآثار كبرت المعصية؛ بل حرص الإسلام على نهي المسلم عن مجرَّد تمنِّي الموت وطلب الفناء ولو من أجل ضيق الحياة وحصول الابتلاءات؛ لما فيه من تعجُّل الأقدار من غير إحاطة بالغيب؛ فنهاه عن الطَّلب وأرشده إلى إرجاع الأمر لعلم الله تعالى وإحاطته واختياره ما ينفع العبد؛ فقال النَّبيُّ ﷺ: «لا ‌يتمنَّينَّ ‌أحد ‌منكم الموت لضرٍّ نزل به، فإن كان لابدَّ متمنِّيًا للموت فليقل: اللَّهمَّ أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» [4] بل إنَّ المطالع لحديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصَّحيحين أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تقوم السَّاعة حتى يمرَّ الرَّجل بقبر الرَّجل فيقول يا ليتني مكانه» [5] يُدرك توجيهًا خفيًّا إلى المنهج الأمثل في أزمان الفتن من جواز تمنِّي الموت دون تعجُّله لغلبة الشَّرِّ والهلكة وتعرُّض الدِّين للأذى في أزمان الفتن، فليس في ذلك خفاء أو لبس كما يُحمل عليه حديث النَّهي عن تمنِّي الموت، وهذا لا يقع إلَّا من الصَّالحين؛ قال ابن بطَّال رحمه الله: "تغبيط ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻘﺒﻮﺭ ﻭﺗﻤﻨِّﻲ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﻋﻨﺪ ﻇﻬﻮﺭ ﺍﻟﻔﺘﻦ ﺇﻧَّﻤﺎ ﻫﻮ ﺧﻮﻑ ﺫﻫﺎﺏ ﺍﻟﺪِّﻳﻦ ﺑﻐﻠﺒﺔ ﺍﻟﺒﺎﻃﻞ ﻭﺃﻫﻠﻪ، ﻭﻇﻬﻮﺭ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﻲ ﻭﺍﻟﻤﻨﻜﺮ، ﻭﻟﻴﺲ ﻫﺬﺍ عامًّا ﻓﻲ ﺣﻖِّ ﻛﻞِّ ﺃﺣﺪ، ﻭﺇﻧَّﻤﺎ ﻫﻮ ﺧﺎﺹٌّ ﺑﺄﻫﻞ الخير، ﻭﺃﻣَّﺎ ﻏﻴﺮﻫﻢ ﻓﻘﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﻟﻤﺎ ﻳﻘﻊ لأﺣﺪﻫﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺼﻴﺒﺔ ﻓﻲ ﻧﻔﺴﻪ ﺃﻭ ﺃﻫﻠﻪ ﺃﻭ ﺩنياه، ﻭﺇﻥ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺷﻲﺀ ﻳﺘﻌﻠَّﻖ ﺑﺪﻳﻨﻪ، ﻭﻳﺆﻳِّﺪﻩ ﻣﺎ ﺃﺧﺮﺟﻪ ﻓﻲ ﺭﻭﺍﻳﺔ ﺃﺑﻲ ﺣﺎﺯﻡ ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﻫﺮﻳﺮﺓ ﻋﻨﺪ ﻣﺴﻠﻢ: «لا ﺗﺬﻫﺐ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﺣﺘﻰ ﻳﻤﺮ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﺒﺮ ﻓﻴﺘﻤﺮﻍ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﻳﻘﻮﻝ: ﻳﺎ ﻟﻴﺘﻨﻲ ﻣﻜﺎﻥ ﺻﺎﺣﺐ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻘﺒﺮ, ﻭﻟﻴﺲ ﺑﻪ ﺍﻟﺪِّﻳﻦ إلا البلاء» [6] وقال ﺍﺑﻦ ﻋﺒﺪﺍﻟﺒﺮِّ رحمه الله: "ﻇﻦَّ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﺃﻥَّ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻣﻌﺎﺭﺽ ﻟﻠﻨَّﻬﻲ ﻋﻦ ﺗﻤﻨِّﻲ ﺍﻟﻤﻮﺕ، ﻭﻟﻴﺲ ﻛﺬﻟﻚ، ﻭﺇﻧَّﻤﺎ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺃﻥَّ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻘﺪﺭ ﺳﻴﻜﻮﻥ ﻟﺸﺪَّﺓ ﺗﻨﺰﻝ ﺑﺎﻟﻨَّﺎﺱ ﻣﻦ ﻓﺴﺎﺩ ﺍﻟﺤﺎﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﺪِّﻳﻦ ﺃﻭ ﺿﻌﻔﻪ ﺃﻭ ﺧﻮﻑ ﺫﻫﺎﺑﻪ ﻟﺎ ﻟﻀﺮﺭ ﻳﻨﺰﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺴﻢ" [7] فأشار الحديث إلى جواز التمنِي عند وقوع الفتن وفساد الدِّين وعدم التأثير في النَّاس بالإصلاح.

وإذا كان الإسلام ينهى عن قتل الغير وطلب الموت ما لم تقع الفتنة فقد نهى - من باب أولى - عن قتل الإنسان لنفسه ومبادرته إلى الموت بأشدَّ ألفاظ النَّهي وأعظم معاني التَّحذير؛ فعند مسلم من حديث هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ: "من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجَّأ بها في بطنه في نار جهنَّم خالدًا مخلَّدًا فيها أبدًا، ومن شرب سمًّا فقتل نفسه فهو يتحسَّاه في نار جهنَّم خالدًا مخلَّدًا فيها أبدًا، ومن تردَّى من جبل فقتل نفسه فهو يتردَّى في نار جهنَّم خالدًا مخلَّدًا فيها أبدًا" [8] ياله من عقاب!

قتل النَّفس هروب من المواجهة

أيُّها الكرام، لم تكن الرَّاحة أبدًا في الفرار من مواجهة المشكلات، ولا السَّعادة في الهرب من أزمات الحياة، فإنَّ المنتحر الذي يُقدم على قتل نفسه وإنهاء حياته لا يجد بعد موته ما كان يظنُّ تحقُّقه بعد التَّخلُّص من الحياة، بل إنَّه يفتح على نفسه باب كبيرة من أكبر الكبائر، مع تكرار طريقة القتل والشُّعور بالألم في كلِّ مرة إلى يوم القيامة، مع تعرُّضه للعذاب في الآخرة كما في الحديث، ولم يجد الرَّاحة التي كان يسعى لها من وراء قتله لنفسه، فتعظم النَّدامة دون جدوى.

عدم التَّعاطف لا يعني التَّحامل

إنَّ الحديث عن قتل النَّفس لا يعني أنَّ نخرج فاعله من الإيمان، كما لا يعني أن نُضفي عليه وصف الشُّجعان، فالكبائر لا تنفي وصف الإيمان عمَّن تحقَّق به، ولا يخرج المرء بكبيرته من الإسلام إلَّا بجحود وإنكار أو جرأة واستحلال، ومن أقدم على الانتحار هربًا من مواجهة الحياة فهو أضعف من مواجهة ما يلقاه في الآخرة جزاء فعله ما نهاه الله تعالى عنه في قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا * يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا} [الفرقان: 68-69] وفي الحديث أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا يحلُّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلَّا الله وأنِّي رسول الله إلَّا بإحدى ثلاث: الثيِّب الزَّاني، والنَّفس بالنَّفس، والتَّارك لدينه المفارق للجماعة" [9]

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله