وجوب الحجِّ والعمرة
لقد فرض الله تعالى الحجَّ والعمرة على عباده بأن يأتوا إليه في بيته ولو مرَّة واحدة في العمر، وجعل وجوبهما على كلِّ مكلَّف، وهو على الفور من تحقُّق الاستطاعة لا على التَّراخي، فمن بادر بهما فأدَّاهما في زمن الشَّباب اكتسب من الآثار والعوائد الإيمانيَّة ما لا يكون لمن تكاسل حتى وصل إلى زمن المشيب؛ ففعل العبادات العمريَّة - التي لا تكون في العمر إلَّا مرَّة واحدة - في زمن الشَّباب أكثر نفعًا، وأعظم أجرًا، وأفضل أداءً؛ ولهذا كانت المبادرة بها وقت الشَّباب من علامات التَّوفيق وأمارات الإعانة.
جهل النَّاس بأحكام الحجِّ والعمرة
ولـمَّا يسَّر الله تعالى لعبده أداء المناسك رأيت من جهل النَّاس بالأحكام المتعلِّقة بالعبادة ما أحزنني وأطفأ فرحتي؛ فكثير منهم يجمع المال الذي يبلِّغه الدِّيار المقدَّسة حتى تمرَّ زهرة شبابه، فتضعف قوَّته، وينقص عقلُه، وتتراخى همَّته، ويُصبح عالة يحتاج إلى غيره في الحركة والمعرفة وأداء المناسك، وربَّما كان بعضهم معذورًا لقلَّة ما في يده من مال، لكنَّ كثيرًا منهم يملك الزَّاد والرَّاحلة والاستطاعة منذ زمن ليس بالقريب، ومع ذلك لم يسع للزِّيارة وأداء المناسك إلَّا بعد أن ثقلت قدمُه، وخفَّ عقلُه، وكثرت على بدنه الأمراض، فليحرص الشَّباب على المبادرة قبل بلوغ الكبر.
ولـمَّا وقفتُ على أداء كثير من الحجيج والعمَّار للمناسك هالني جهل كثير منهم بالأحكام المتعلِّقة بالمناسك، فقد جاء بعضهم من بلده وبذل المال والجهد ولم يتعلَّم شيئًا قطُّ من أحكام الحجِّ والعمرة، فيأتي إلى الدِّيار المقدَّسة وهو في حالة من الذُّهول لجهله بما ينبغي أن يقوم به، فيسير مع النَّاس مقلِّدًا لهم دون إدراك أو وعي أو فهم للأحكام والحكم، فيقع في كثير من المخالفات، ولا تتحقَّق له ثمرات العبادة؛ لأنَّ العلم بالعبادة يُكسب المرء لذَّة لا تعدلها لذَّات الدُّنيا مجتمعة، ولا يشعر الجاهل بحلاوة اتِّباع النَّبيِّ في أداء العبادة؛ لأنَّه لم يعرف كيف أدَّاها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم.
نداء لمكاتب وحملات الحجِّ والعمرة
وممَّا يُلام عليه شركات السِّياحة الدِّينيَّة ومكاتب الحجِّ والعمرة عدم عنايتهم بتعليم المناسك للحجيج والعمَّار، فعنايتهم الأعظم موجَّهة إلى التَّنظيم الماليِّ والإداريِّ والسَّكنيِّ والغذائيِّ، وهذا لا يكفي لخلوصهم من المسئوليَّة بين يدي الله تعالى يوم القيامة؛ فإنَّ توفير الإشراف الدِّينيِّ المتميِّز الذي يأخذ بيد النَّاس إلى الله تعالى من أولى أولويَّات الرِّحلة الإيمانيَّة التي يقصد فيها النَّاس بيت الله تعالى للحجِّ والعمرة، فليحرص القائمون على الأمر على رعاية هذا الأمر وحسن الاختيار له ديانة وأمانة واحتسابًا.
القيام بواجب المسئوليَّة
من هنا بدأت في تعليم من قدرت على تعليمه كيفيَّة أداء المناسك من خلال الشَّرح الصَّوتيِّ في الخطب والمحاضرات، ثمَّ أنشأت مجموعة افتراضيَّة على وسائل التَّواصل الحديثة للوصول إلى أكبر عدد من الأفراد في وقت واحد؛ استثمارًا لهذه النِّعمة وتطويعها لخدمة ضيوف الرَّحمن بتعليم المناسك، وأصبحت وأمسيت وهمِّي الشَّاغل أن أبلِّغ أكبر عدد من النَّاس الطَّريقة الصَّحيحة والكيفيَّة النَّبويَّة لأداء المناسك؛ فنشرت على المجموعات العامَّة والخاصَّة الفقرات الكتابيَّة وأتبعتها بالمقاطع الصَّوتيَّة؛ حرصًا على أداء الأمانة من باب الشُّعور بالمسئوليَّة لا الأهليَّة.
المصباح الوهَّاج في تبيين المناسك للعمَّار والحجَّاج
وبعد أن كثرت الرَّسائل الموجَّهة إلى الحجيج والعمَّار في تعليم المناسك هُديتُ إلى فكرة جمع المادَّة العلميَّة التَّعليميَّة في صورة كتيِّب يُنشر بين قاصدي بيت الله الحرام للحجِّ والاعتمار بهدف تكوين ثقافة تعبُّديَّة إيمانيَّة تُعين على أداء المناسك على الوجه الصَّحيح، وسمَّيته: (المصباح الوهَّاج في تبيين المناسك للعمَّار والحجَّاج) ورجوت أن يقبل الله تعالى ذلك في الأعمال الصَّالحة الخالصة المقبولة عنده سبحانه، وأعوذ بالله من أن تكون نيِّتي فيه لغيره سبحانه وتعالى.
مقترح للقائمين على السِّياحة الدِّينيَّة
ثمَّ رغبت من خلال هذا المقترح أن أكتب رسالة إلى أصحاب مكاتب الحجِّ والعمرة وشركات السِّياحة الدِّينيَّة العاملين في هذا الميدان العظيم، جاءت من قلم محبٍّ حريص يرجو تقديم العون النَّاتج عن خبرة ودراسة للواقع والميدان والشَّريعة للارتقاء بالخدمة المقدَّمة للحجَّاج والعمَّار والزُّوَّار ضيوف الملك الغفَّار، وأرجو من كلِّ من يُطالعها أن ينظر فيها بعين الجدِّيَّة والحرص للأخذ بما يراه نافعًا في تقديم الخدمة الرَّاقية لقاصدي الحرمين الشَّريفين، فهم أولى النَّاس بالرِّعاية والعناية.
ما يتمنَّاه قاصدو البيت الحرام من مكاتب وحملات الحجِّ والعمرة:
1 - العناية بالتَّسويق للحملة وتوسيع دائرة تعرف النَّاس بها من خلال الإعلانات المموَّلة، وإنشاء صفحة نشطة على أكثر وسائل التَّواصل التي يعتمدها السَّواد الأعظم من الجماهير، فمن الحملات من يكتفي بتطبيق أو برنامج واحد يُوثِّق وجوده من خلاله، وكلُّ تطبيق وبرنامج له روَّاده وجماهيره، فالتَّواجد عبر أكثر المنصَّات يضمن انتشارًا واسعًا، وأقترح تخصيص موظَّف (للميديا) دوره القيام بنشر مواعيد الرَّحلات، والتَّرويج للحملة عن طريق ذكر الفروقات بينها وبين غيرها، وتسليط الضَّوء على كوادرها الإداريَّة والعلميَّة والإشرافيَّة.
2 - السِّعر المناسب نسبيًّا بجوار الخدمة المقدَّمة، مع مراعاة سعر السُّوق عند الحملات المماثلة، ولا تكون الزِّيادة عن السُّوق إلَّا مقرونة بزيادة في الخدمة المقدَّمة، أمَّا الاتِّفاق في الخدمات مع تفاوت الأسعار فمدعاة للانصراف إلى السِّعر الأدنى، وأكثر النَّاس يسعى للظَّفر بالسِّعر الأقلِّ لأنَّه الأنسب لظروفه وأحواله، والتَّيسير في هذا الجانب أعظم في الإقبال والانتشار والأجر واستقطاب الجماهير.
3 - الوسيلة النَّقليَّة البرِّيَّة الحديثة والمريحة والآمنة، والمشتملة على الخدمات التي يحتاجها النَّاس في طريقهم؛ كدورة المياه، ومنفذ شحن الهواتف، والإضاءة المناسبة، وعازل الشَّمس أو السَّتائر؛ وسعة المقاعد لتناسب الجميع، لتجنُّب الأعطال وزيادة المشقَّة بتكدُّس الأعداد في حافلة لا تسمح بالزِّيادة؛ فطول الطَّريق يدعو إلى مراعاة حال المسافرين بتوفير أعظم سبل الرَّاحة.
4 - العناية باختيار قائد الحافلة ليكون على قدر كبير من الخلق والرَّحمة والأدب والبشاشة في وجوه العمَّار والزُّوَّار، مع خبرته بالطَّريق وخريطته ومسالكه وعقباته، وحسن قيادته للمركبة في الطُّرق الوعرة؛ لئلَّا يتأذَّى ضيوف الرَّحمن، مع حرصه على الوصول السَّريع الآمن.
5 - التَّوفير الجادُّ لوسائل الحديث من ناقل ومكبِّرات الصَّوت؛ لأنَّ أكثر العمَّار والزَّوَّار يأتون لأداء المناسك لأوَّل مرَّة، وهم في حاجة إلى شرح المناسك والمواقع والآداب والإجابة عن الأسئلة والاستفسارات، وتغذيتهم بالمعلومات العامَّة، والعقليَّة، والإيمانيَّة، والوعظيَّة، والتَّوجيهات الإشرافيَّة، وهذا كلُّه يحتاج إلى وسيلة تبليغ وتوصيل لضمان وصول المتكلَّم به إلى الجميع.
6 - الخدمة طويلة النَّفس التي تبدأ من ما قبل الانطلاق بالتَّواصل وتأكيد الموعد وما يحتاج إليه المسافر، وفي أثناء الرِّحلة بالتَّعاون والتَّفاعل وحسن الاستماع للمشاكل ومعالجتها، والقيام على خدمة العمَّار، وتقديم ما يحتاجونه من طعام وشراب وصلاة ودورات مياه، والطواف مع الجدد، والاستعداد لاستقبال أسئلتهم، ولا تنقطع بعد العودة بحسن التواصل ولو بضمهم لمجموعة عامة تسمى: (أسرة حملة .... الإيمانيَّة) ينضم إليها بعد الرِّحلة كلُّ الأفراد باختيارهم.
7 - العمل على توفير إشراف واع وخبير ورحيم ومتواضع ومسئول ومدرك لعظم المسئوليَّة الملقاة على عاتقه، وقادر على الاجتهاد في معالجة الطارئ من الأمور، ومتمكِّن من رعاية الفروق بين النَّاس، مع قدرته على التَّعامل مع كلِّ شريحة عمريَّة وعقليَّة بما يتناسب معها، فالعوارض كثيرة لا تنقضي، وأقترح عقد دورة تدريبيَّة للمشرفين المعتمدين في كلِّ حملة لتناول أشهر المسائل في هذا الجانب، مع وضع الاستراتيجيَّات المناسبة لمعالجة كلِّ مشكلة تقع؛ فإنَّ حسن التَّصرُّف في وقت نزول الملمَّات والعوارض جاذب للجماهير؛ إذ يُبيِّن قدرة إدارة الحملة على خدمتهم وتوفير البيئة الآمنة لهم.
8 - العمل الدَّؤوب على توفير إرشاد ديني وعظيٍّ متخصِّص يقدر على الإعداد الإيمانيِّ في الطَّريق، ومتابعة أداء المناسك في الحرم، ورعاية المعتمرين في طريق العودة، مع تمام القدرة على الإفتاء الرَّشيد للمعتمرين فيما يسألون عنه من مسائل في أثناء الرِّحلة، مع الإحاطة بالمفتى به والرُّخص لمن احتاجها، مع تقديره مادِّيًّا من قِبل إدارة الحملة؛ لما يقوم به من اقتطاع وقته لإفادة العمَّار والزُّوَّار، وهذا من أعظم أبواب الارتقاء بسمعة الحملة في سوق الحملات وميدان المنافسة، وكثير من الحملات لا تعتني بوضع مرشد على رأس الحملة، وإن وضعت فإنَّها تكتفي باختيار قصاص أ واعظ ضعيف المستوى العلميِّ؛ وينعكس هذا سلبًا على المعتمرين وسمعة الحملة، وأقترح عقد دورة تدريبيَّة للمشرفين والمرشدين المعتمدين لتناول أشهر المسائل في هذا الجانب.
9 - الحرص على اختيار أقرب نقطة سكنيَّة من الحرم قدر الإمكان؛ لحفظ الوقت والجهد للعبادة والتَّفرُّغ لها، وعدم المشقَّة على الضُّعفاء وكبار السِّنِّ بالتَّعرُّض للزِّحام في الانتقال أو المشي في بعض الأحيان لمسافات طويلة؛ لأنَّ هذا ممَّا يتسخَّط منه النَّاس، وهو من أعظم مقاييس التَّفاضل بين الحملات، وكثير من النَّاس يتوقَّف في اختيار الحملة على معرفة سكناتهم في مكَّة المكرَّمة، وأعقل الحملات من تختار الأماكن الأقرب ولو زادت التَّكلفة عليه؛ لأنَّها يربح عميلًا يحرص عليه دون غيره في المرَّات القادمة، بل ويُسوِّق له.
10 - العناية بالطَّعام والشَّراب على مدار الرَّحلة، والتَّنويع في الأنواع المقدَّمة، واختيار أطيبه وأحلاه بما يتماشى مع أذواق المجموع، والعمل على توفير الكفاية منه لئلَّا ينفد طعام الوجبة الغذائيَّة قبل أن يتناول الجميع حظَّهم بسبب قلَّة الطَّعام المتعاقد عليه مع المطعم، وهذا أمر يعكِّر صفو النُّفوس، ويجعل البطون ساخطة، ويجعل الانطباع عن الحملة انطباع بخل وتقتير، وهذا أسوء ما يكون.
11 - المحاولة الحقيقيَّة لتوفير الكادر الطِّبِّيِّ الدَّائم في الرِّحلة بوجود طبيب أو من له دراية بالأدوية والعلاجات من الخبراء، أو تدريب المشرف الإداريِّ على مهامِّ الإسعافات الأوَّليَّة؛ تفاديًا لما يمكن أن يقع من عوارض في الطَّريق، مع توفير بعض الأدوية اللَّازمة التي يُحتاج إليها في الغالب لنزلات البرد والزُّكام والبلاعيم، فهذا أمر يُعظَّمه النَّاس ويرون فيه اهتمامًا بالغًا من إدارة الحملة.
12 - الالتزام بالمتَّفق عليه في الإعلان المنشور من زيارات أو عدد أيَّام دون ربط هذا بالعدد الراغب فيه، والاعتناء بتوفير أطيب المأكولات والمشروبات طوال فترة الرِّحلة ليأمن المرء التَّفكير في هذه الجوانب، مع عمل تغذية راجعة للمسافرين للوقوف على سلبيَّات الرِّحلة بأكملها للحصر والعمل الجادِّ على معالجتها في الاجتماعات الدَّوريَّة وتجنُّبها في الرِّحلات القادمة، مع إشعار الجميع بأهمِّيَّة مقترحاتهم وأفكارهم.
13 - المحاولة الصَّادقة لاعتماد ليلة في المدينة أو أكثر من ذلك بدلًا من الزِّيارة السَّريعة التي لا تروي الظَّمأ ولا تشبع العاشق النَّهم، ويُفاضل النَّاس بين الحملات من هذا الجانب، فاعتماد محاور التَّمايُز بين الحملات أجلب للعملاء، وأنفع للزُّوَّار، وأصلح للقلب.
14 - زيارة أكثر المعالم الإيمانيَّة بمكَّة المكرَّمة والمدينة المنوَّرة مع إعطائه حقَّها من الوقت والبيان واكتساب نفحاتها الإيمانيَّة المباشرة.
15 - حسن متابعة المعتمرين بعد عودتهم من خلال بيان ما وراء العمرة من الثَّبات على الطَّاعة والعمل الصَّالح، عن طريق الوعظ في الحافلة، ونشر ما ينفع في المجموعات لعدم انجرافهم إلى ما كانوا عليه قبل العمرة.
والله من وراء القصد وهو يهدي السَّبيل
وأسأل الله التَّوفيق والسَّداد لهذه الصُّروح المباركة