أثر الإخلاص على قبول العمل
أيُّها النَّاسكون، إذا نويتم بالنُّسك فأخلصوا نيَّتكم، وأصلحوا الطَّويَّة، وهذِّبوا النَّفس؛ فإنَّ العمل لا يُقبَل إلَّا إذا كان خالصًا لوجه الله تعالى من كلِّ شائبة تخرج به عن حدود الإخلاص والصِّدق والتَّجرُّد والاحتساب، فلا تستنطقوا ألسنة النَّاس بالثَّناء عليكم، ولا تطلبوا عيونهم لرؤية أعمالكم، ولا تُجاملوا أو تُجمِّلوا بالطَّاعات، واعلموا أنَّ العمل لوجوه النَّاس وأعينهم وألسنتهم هدر لا كرامة له في ميزان العبد: {وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} [الزمر: 65] فمن عمل للنَّاس لا يتعنَّ فلا أجر له، فالأجر من الله تعالى لمن عمل العمل له، ومن عمل لغيره فليطلب ممَّن عمل من أجلهم الأجر إن استطاعوا.
أثر الاستعداد المعرفيِّ في تصحيح النِّيَّة
إنَّ نيَّة الدُّخول في النُّسك تستلزم استعدادًا علميًّا بالمعرفة الكاملة والإحاطة التَّامَّة بما يجب فعله وما لا يجب؛ فلا يكفي أن ينوي العبدُ فعل الطَّاعة جريًا على طريقة النَّاس، بل لابدَّ أن يتعلَّم كلَّ ما يتعلَّق بالعبادة من معلومات تتحوَّل إلى معمولات على وِفق ما قام به النَّبيُّ ﷺ؛ فهو القائل ﷺ: «صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي» [1] وقال ﷺ: «لتأخذوا عنِّي مناسككم؛ فإنِّي لا أدري لعلِّي لا أحجُّ بعد حجَّتي هذه» [2] و: «مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ» [3] فلا تجهلوا مع الجاهلين بترك التَّفقُّه في الدِّين، وتعلَّموا على سبيل الإلزام كلَّ ما يلزم تعلُّمه ممَّا له أثر وتعلُّق بالعبادة، وعلى سبيل الاستحباب كلَّ ما زاد عن ذلك ممَّا يُحسِّن أداء العابد بالعبادة؛ قال : {قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} [يوسف: 108]
لقد أدركتُ في ميدان العبادة الفسيح مَن يعمل بعشوائيَّة وجهل وتخبُّط وبدعة وضلالة بسبب جهله بما ينبغي أن يكون عليه العابد، فأجهدوا الأعضاء ولم يقوموا بالعمل على الوجه المرضيِّ الحسن، ومن كان هذا حاله لم تُؤثِّر فيه العبادة إيمانيًّا، ولا يُظنُّ أنَّ الفرضيَّة سقطت عنهم بمجرَّد الفعل على سبيل التَّخلُّص؛ فإن الذَّمَّة لا تبرأ ولا تسلم إلَّا بقيام العمل على الوجه المأمور به والكيفيَّة الثَّابتة عن النَّبيِّ ؛ وهذا معنى قوله : {قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا} [الكهف: 110] فلا تبدِّدوا جهودكم في عمل ليس على مراد الشَّارع أمرًا أو فعلًا، وإنَّما تعلَّموا ما يرفع عنكم الجهل، ويُحقِّق لكم القيام بالعبادة على الوجه الأحسن.
خطوات إصلاح النِّيَّة
واعلموا أيُّها الصَّالحون الأخيار أنَّ النِّيَّة أعظم مطلوب، وأفضل مرغوب، وبها تكون البدايات، وتتمُّ إلى النِّهايات، وبدونها فلا بركة ولا تمام، ولا أجر ولا إكرام؛ فاطلبوا نيَّة حسنة في رحلتكم، واجعلوها لله وآخرتكم، ولا تحرموا أنفسكم الأجور بالرِّياء والعجب، ولا تُضيِّعوا أعمالكم بأفعال العطب، فأحسنوا النِّيَّة، وأصلحوا الطَّويَّة، وسبيل ذلك بإدراك الآتي:
1 - لا تصرفوا العبادة إلَّا لله تعالى وحده فهو المستحقُّ لها دون غيره.
2 - كلُّ نيَّة لغير الله تعالى أعمالها هدر وردٌّ؛ فالله لا يقبل الإشراك، ولا يرضى بغير الإخلاص.
3 - إنَّما تحصل النَّجاة بالإخلاص، فبه يكون الخلاص، فافعلوا ما يخلِّصكم، واحذروا ممَّا يُرديكم.
4 - لا يستحقُّ الخلق أن تعملوا لأجله؛ فالجزاء - ثوابه وعقابه - ليس بيده؛ فاعملوا لمن بيده الجزاء؛ فهو أهل الاستحقاق والثَّناء.
5 - أعمال الآخرة لا تُزاحم؛ فاجعلوا الأمر في موضعه، ولا تكونوا كالأحول يضرب بسهم في عدوِّه فيقع في أحبِّ النَّاس إليه.
6 - معالجة النِّيَّة أمر شديد، وتخليصها من شوائبها فعل رشيد، فاعمدوا إلى قلوبكم وأصلحوا خللها، واطلبوا عطاء الله وفضله.
ومن النَّوايا الحسنة التي ينوي بها المرء النًّسك
1 - امتثال أمر الله تعالى بأداء النُّسك.
2 - متابعة النَّبيِّ ﷺ في فعل العبادة على وجهها الأكمل.
3 - التَّفرغ للعبادة والصَّالحات في أطهر مكان، وأشرف زمان.
4 - تجديد التَّوبة وإعلان العودة إلى الله تعالى بالاستغفار والانكسار بين يديه في بيته الحرام.
5 - الهجرة بالقلب والبدن إلى الله من بيئة التَّشتُّت الإيمانيِّ الدُّنيويَّة إلى الانحصار بين أعمال الآخرة والتَّقلُّب في نعيم الطَّاعات.
6 - إفراد الرِّحلة بعمل صالح يغلب عليها ممّا يحتاجه المرء؛ فأعمال الطَّاعات كثيرة، والمفاضلة بينها إنَّما تكون لحسب حاجة الإنسان؛ فمن النَّاس من يحتاج إلى الاستغفار أكثر من غيره؛ لكثرة ذنوبه، فيأتي صنوف العبادات، ويُخصِّص الاستغفار بمزيد عناية.
7 - القيام بالعبادات المكانيَّة والزَّمانيَّة الخاصَّة التي لا تكون إلا في الحرمين الشَّريفين؛ كالطَّواف، والنَّظر للكعبة، وتكثير الثَّواب بالصَّلاة، وتقبيل الحجر الأسود، والتزام الملتزم، ونحوها.
ونسأل الله تعالى أن يُصلح نوايانا ويرزقنا عملًا صالحًا مباركًا مقبولًا يُقرِّبنا إليه