أهمِّيَّة العمل الصَّالح وأثره في تهيئة النَّفس للمناسك
ومن أهمِّ الأعمال الصَّالحات الموصِّلة إلى التَّهيئة الإيمانيَّة الذكر عامَّة، والاستغفار خاصَّة؛ ذلك لأنَّ المرء يُحرم الرِّزق بالذنب يُصيبه، والاستغفار يُذهبه ويمحوه؛ فليُكثر الرَّاغب في الرِّزق المعنويِّ الإيمانيِّ والحسِّيِّ الماليِّ من الاستغفار؛ فإنَّه حبل نجاة، وسرُّ سعادة، وسبيل فوز، ومكمن سلامة؛ وبه تنشط النَّفس، وتنظُف الصَّحيفة، ويقوى الإيمان، ويكثر المال، وتحلُّ البركات.
ولايزال القرآن الكريم أصلَ الذِّكر، وأعظمَ ما يحصِّل به المرء الأجر، فمهما تقرَّبتم إلى الله تعالى بصنوف الطَّاعات وأنواع القربات فاعلموا أنَّ أعظم طاعة وأنفس قربة= ما تعلَّق بالقرآن الكريم تلاوة، وحفظًا، وتدبُّرًا، وفهمًا، ومذاكرة، وتعليمًا، ونشرًا، وعملًا، فإنَّها أفضل الأعمال الإيمانيَّة، وأسرع القُرُبات الموصِّلة إلى ربِّ البريَّة؛ فالسَّعيد الفائز من تعلَّق بأيِّ فرع متعلِّق بالقرآن الكريم، ففيه عظيم الأجور، والتَّجارة التي لن تبور، وتيسير الأمور، وجبر الكسور؛ قال الله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ يَرۡجُونَ تِجَٰرَةٗ لَّن تَبُورَ ٢٩ لِيُوَفِّيَهُمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ غَفُورٞ شَكُورٞ} [فاطر: 29-30]
فليجتهد النَّاسك المهاجر إلى الله في كلِّ عمل صالح في طريقه، فليست أعمال البرِّ مقصورة أو محصورة؛ فكلُّ ما يُتقرَّب به إلى الله تعالى فهو من الطَّاعات، فالزموا منها ما تطيقون، واحرصوا على شغل الوقت بذلك حتى يضيق عن اللَّهو والفجور والمعصية؛ فالنَّفس إن لم تشغلها بالحقِّ شغلتك بالباطل؛ وأسباب الحرام ووسائله لا يخلو منها زمان ولا مكان ولا بنيان؛ لأنَّ الحرمة أسلوب خاطئ في استعمال الأشياء؛ ففي المسجد الحرام نجد رجلًا يثرثر بالكذب، أو يختلس النَّظرات المحرَّمة، وهكذا، فانتبهوا لإيمانكم.
عرفت فالزم واعمل على نحو ما تعلَّمت
أيا أرواح الرُّوح، أدُّوا العمرة كما عُلِّمتم متَّبعين في أدائها النَّبيَّ الكريم ﷺ؛ فهو القائل ﷺ: «صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي» [4] وقال ﷺ: «لتأخذوا عنِّي مناسككم؛ فإنِّي لا أدري لعلِّي لا أحجُّ بعد حجَّتي هذه» [5] فقد اعتمر النَّبيُّ ﷺ وعلَّم الصَّحابة رضي الله عنهم كيف يعتمرون، بل لقد رأوا النَّبيَّ ﷺ وهو يعتمر، ونقلوا إلينا ما تعلَّق بذلك نقلًا كاملًا لا تشوبه شبهة، ولا يحوم حوله شكٌّ، وعلى المسلم أن يؤدِّي العمرة على الوجه الأكمل الموافق لهدي النَّبيِّ ﷺ، من حيث الطَّريقة والكيفيَّة والأذكار والدعاء - ما أمكن -، فمن النَّاس من يهجر الأدعية الثَّابتة متمسِّكًا بأدعية مختلقة مسجوعة متكلَّفة مصنوعة، ويظنَّ أنَّها خير من طريقة النَّبيِّ ﷺ، والخير كلُّه في اتِّباع نهج النُّبوة، فلا يزهدنَّ عاقل ناسك في سنَّته العامَّة .
تجنَّبوا المحاذير الشَّرعيَّة التي تقع أثناء أعمال النُّسك؛ فإنَّ المسجد الحرام لا يكاد يفرغ من النَّاس، فيذهب قوم ويأتي أقوام - أدام الله عمارته وكثَّر عُمَّاره - وهذا الإقبال يُسفر عن زحام شديد لدرجة التَّلاحم في بعض المواسم، مما يُنتِج بعض المحاذير الشَّرعيَّة.
(1) صحيح: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (الأذان) باب: (الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة) برقم: (631) وكتاب: (الأدب) باب: (رحمة النَّاس والبهائم) برقم: (6008) وكتاب: (أخبار الآحاد) باب: (ما جاء في إجازة خبر الواحد) برقم: (7246).
(2) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (الحجِّ) باب: (استحباب رمي جمرة العقبة يوم النَّحر راكبًا) برقم: (1297) وأبو داود في سننه، كتاب: (المناسك) باب: (في رمي الجِمار) برقم: (1971).
(3) متَّفق عليه: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (الصُّلح) باب: (إذا اصطلحوا على صلح جور فالصُّلح مردود) برقم: (2697) ومسلم في صحيحه، كتاب: (الأقضية) باب: (نقض الأحكام الباطلة وردُّ محدثات الأمور) برقم: (1718).
(4) صحيح: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (الأذان) باب: (الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة) برقم: (631) وكتاب: (الأدب) باب: (رحمة النَّاس والبهائم) برقم: (6008) وكتاب: (أخبار الآحاد) باب: (ما جاء في إجازة خبر الواحد) برقم: (7246).
(5) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (الحجِّ) باب: (استحباب رمي جمرة العقبة يوم النَّحر راكبًا) برقم: (1297) وأبو داود في سننه، كتاب: (المناسك) باب: (في رمي الجِمار) برقم: (1971).