الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

تذكير بالعهد الأوَّل:

أيا طالب المعالي، لقد خرجت من بيتك الذي فيه نشأت - على خير ما ينشأ الرِّجال - منذ مدَّة طويلة تعلمها ولا تجهلها، وودَّعت أبويك وأهلك وصِحابك ومواطن صِباك ومواقع طفولتك، إلى المركز القرآنيِّ الذي فيه تبني مجدك، وتُصقل معارفك، وتُنمِّي مهاراتك، وتصنع خبراتك، في رحلة إيمانيَّة قرآنيَّة اشترطت فيها على نفسك ألَّا ترجع إليهم وإليها إلَّا بعد أن يُصيب سهمك كبد هدفك النَّبيل، فمثلك كجنديٍّ مقاتل جسور في صفِّ أمَّة مكلومة أنهكتها سهام العدوِّ وأهلكتها نباله وسيوفه ومضاربه، ولم يعد في هذه الأمَّة ما يحفظ لها كرامتها وحياتها إلَّا تُخرج طليعة من خيار جنودها وتشترط شرطة للموت لا ترجع إلَّا غالبة منتصرة مُظفَّرة، فكانت الأمَّة هي بلادك وأمَّتك، والجيش هو أهلك وعشيرتك، والشُّرطة التي اشترطت النَّصر هي نفسك الطَّموحة الأبيَّة العصيَّة على الذِّلَّة والمهانة.

ارتقاء وصعود ثمَّ هاوية ورقود:

أيا صاحِ، لقد كانت بداياتك قويَّة، ونيَّاتك نقيَّة، وأهدافك زكيَّة، وهمَّتك فتيَّة، وطموحاتك عليَّة، ففتح الله تعالى عليك في العلم والإيمان حتى تحقَّقت لك كثير من المكاسب، فارتقيت بين المدارج والمراتب، وحصَّلت المعارف والمواهب، حتى إذا أوشكت أن تبلغ العُلا، وتثبت على طريق الأُوْلى، وتنال ما ناله ذوو النُّهى؛ نزعت من بيئة الإيمان بسوء نيَّة، وفساد طويَّة؛ فدبَّ في القلب العجب والرِّياء، واغترَّت النَّفس بزغل العلم والعطاء، فانحدر المستوى، واتُّبع الهوى، وضعُف التَّمسُّك بالعُرى، ونُسي العهد، وخُلف الوعد، واقتُرفت المعاصي، وهُجر الدَّاني والقاصي، فعدتَّ إلى محلِّ الجهل، ونزلت من القمَّة إلى السَّهل، وبذلك تحقَّقت خيبة الآمال فيك، فلم يعد العتاب يكفيك، ولا العلم يجري بفيك، وهذه مرحلة انتكاسة، يفقد المرء فيها إحساسه.

أهانت عليك فلسطين؟!:

أيا ابن الإسلام، إنَّ أمَّتك اليوم أحوج إلى عطائك وتضحياتك من أيِّ وقت مضى؛ فقد طال سواد اللَّيل واشتدَّ البلاء، والقدس الأسير تحت يد المحتلِّ أصابه العناء، وإخوانك مِن حوله: يُذبَّحون ويُقصفون ويُقتلون صباح مساء، وعلى ثرى فلسطين الطَّاهر تنزف الدِّماء، وتُشتَّت الأشلاء، ويُهدَّم البناء، فأهلها يُهجَّرون قسرًا، ويُجوعون فقرًا، وينامون قهرًا، ويُواجهون عُسرًا، قد حبسهم الحصار، ولفَّهم الجدار، وعزلهم الأقذار، وتخلَّى عنهم الرَّفيق والجار، وحقيقة أمرهم الصَّبر والرِّضاء، والإيمان بالقدر والقضاء، والثَّبات على حرِّ الرَّمضاء، وهم يُدافعون عن مُقدَّس الإسلام، ويُذبُّون الدَّنس عن حرمه الحرام، ويصمدون في وجه الغضب والانتقام، وهذا  حالهم منذ ما يزيد عن السَّبعين خرِيفًا، حتَّى أصبح جسدُهم نحيفًا، وعزمُهم ضعيفًا، وسكوتُنا سخيفًا، وقدرُنا في العُيون خفيفًا، أبعد هذا ترضى بالهوان، وتُكمل مسيرة العِصيان، وتتخبَّط كالسَّكران، وتترك الأقصى كالجبان، ليس هذا ظنِّي بك أيُّها المغوار؛ فقم وانفُض عن ثوبك الغبار، وصحِّح الطَّريق والمسار، واستعدَّ بقوَّة تُزيل العار، وتجلب العزَّ والفخار، وهذا عهد أشهدنا عليه الملكَ الجبَّارَ.

هذا أوان اليقظة والوثوب:

أيا حفيد العلماء، لقد حرَّكت فيك هذه الكلمات همَّتك التي علاها تراب الكسل، وسيطر عليها مارد الخمول والفشل، فرحت تبحث عن سبيل الرُّجوع إلى حِياض العلم والعمل، فالعود خير من التَّمادي، والذِّكر خير من التَّنادي، فاجتهد في ترتيب أوراقك، واسترجع ما فقدتَّ من أصول أخلاقك، وأدم مصاحبة العلماء، وابذل الوسع والطَّاقة في الارتقاء؛ ففي صدق نيَّتك رفعتُك، وفي الأخذ بالأسباب رفعة أمَّتك، فكن على العهد الذي قطعته بينك وبين ربِّك لا ترجع من رحلتك إلَّا وقد ظفرت بخاتمة صالحة، ونفس فالحة، وعلوم رافعة، وفهوم واقعة.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله