الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

مراحل صناعة حافظ

ما أنسب سنٍّ لبدء حفظ القرآن الكريم؟

الحمد لله رب العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.

سؤال:

وبعد: فقد وجَّه إليَّ بعض الفضلاء سؤالًا مضمونه: ما أنسب سنٍّ للبدء بحفظ القرآن الكريم؟

وللجواب أقول:

إنَّ حفظ القرآن الكريم مشروع العمر، وقد أدرك العقلاء أهمِّيَّة ربط الأجيال به منذ نعومة أظفارهم؛ فجاءت جهود مُضنية من علماء كلِّ جيل تحثُّ وتدفع، وتقنِّن وتُنظِّم، من أجل تحقيق هذا الهدف النَّبيل.

وهذه المسألة من المسائل المهمَّة التي يسأل عنها الحريص على استقامة ولده منذ الصِّغر؛ فإنَّ من أجلِّ معاني التَّربية رعاية قلب الولد بمدِّه بمادَّة الغذاء الإيمانيَّة، وعلى رأسه القرآن الكريم.

واعلم يا راعي الأجيال ومربِّي الأبطال أنَّ العناية بالولد قرآنيًّا تبدأ قبل وجوده من ناحيتين:

1 - حسن اختيار الزَّوجة الصَّالحة التي تُعنى بالقرآن الكريم قراءة وتعاملًا، فإن ظفرت بالحافظة فقد فزت بكنز فعضَّ عليه بالنَّواجذ لا بمقدَّم الأسنان، فلها دور كبير في إعداده وتأهيله ومتابعته.

2 - كثرة إسماعه القرآن الكريم وهو في بطن أمِّه قبل الولادة، من خلال توجيه الأمِّ إلى إدمان الاستماع المتواصل للقرآن الكريم؛ فإنَّ أثره على المولود عظيم جدًّا، والتَّاريخ يذكر لنا ما يُبهر في هذا الصَّدد.

وبعد الولادة يحسن الاستمرار معه في تنمية التَّعلُّق بالقرآن الكريم من خلال كثرة إسماعه عن عمد وقصد، بجعل القرآن الكريم مادة سماع في غالب الوقت في البيت، فيستيقظ على الاستماع للقرآن الكريم في الصَّباح، وينام على ذلك في المساء، وهو بينهما لا يكاد يتوقَّف عن ذلك، ويستمرُّ إلى تمام مدَّة الرَّضاعة - حولان كاملان بعد الولادة - ثم تأتي المرحلة الأهمُّ في صناعة الولد القرآنيِّ بعد الفطام من خلال الخطوات التَّالية:

أوَّلًا: التَّهيئة والتَّعويد:

وتبدأ من بعد الفطام إلى نحو سنة كاملة حتى يصبح ابن ثلاث سنوات، وفيه يتمُّ ما يلي:

1 - بدء الحفظ التَّدرُّجيِّ التَّلقينيِّ التَّرديدي مع حسن القراءة وجودة الإدخال، ويبدأ من سورة الإخلاص، ثمَّ الكوثر، ثمَّ العصر، ثمَّ النَّصر، ثمَّ سورة الفاتحة؛ للانتقال به من السَّهل لما فوقه حتى يتعوَّد.

2 - تقليل مجلس التَّعلُّم زمنًا ومقدارًا؛ ففي البداية لا يزيد عن 10 دقائق زمنًا، ولا عن آيتين مقدارًا، ثمَّ تأتي الزِّيادة التَّدريجيَّة بقدر ما لا يصل بالولد إلى الملل.

ثانيًا: الإعداد والتَّجهيز:

وتبدأ من سنِّ ثلاث سنوات وحتى خمس سنوات، وفيها يتعلَّم الولد فنون ومهارات الحفظ والاعتماد على الذَّات في الحفظ من خلال الخطوات التَّالية:

1 - تعليمه القراءة من خلال رسم الحروف والتَّعرُّف عليها في بدء الكلام ووسطه ونهايته قراءة وشكلًا إفرادًا للحرف وجمعه في كلمة، ثمَّ الحركات وأشكالها ونطقها، ثمَّ المخفَّف والمشدَّد، ثمَّ الكلمات مجموعة متوالية مع ربط ذلك كلِّه بالقرآن الكريم.

2 - تعليمه الكتابة وفنون الخطِّ والصَّبر عليه في ذلك حتى يُتقن رسم الحروف والكلمات مفردة ومجموعة، مع تعويده على رسم المصحف الشَّريف من خلال توجيهه إلى تقليد خطِّه ورسمه قدر الإمكان، وتحفيزه وتشجيعه حتى يتمكَّن.

ملحوظة 1: ينبغي أن يعتني المربِّي في هذه المرحلة بصناعة مخارج الحروف عمليًّا لا نظريًّا، من خلال التَّنبيه على ما يحتاج إلى تقويم.

ملحوظة 2: في هذه المرحلة تستمرُّ سابقتها مع الزِّيادة في القدر والزَّمن، ومحاولة الانتقال السلس من التَّلقين إلى الاعتماد على الذَّات تدريجيًّا.

ملحوظة 3: هاتين المرحلتين يقوم بهما الوالدان في البيت إلَّا إن عجزا عن شيء فيستعينان بمن يقدر عليه مع المساعدة وحسن المتابعة.

ثالثًا: البدء والتَّنفيذ:

وتبدأ من سنِّ 5 سنوات فما فوقها وحتى يختم الولد كامل القرآن الكريم، وذلك من خلال توجيهه إلى معلِّم حاذق ماهر يُجيد التَّعامل التَّربويَّ التَّعليميَّّ، ويبدأ معه في تنفيذ منهجيَّة علميَّة زمنيَّة تُناسب مستواه العقليَّ والوقتيَّ، وذلك من خلال الخطوات التَّالية:

1 - تحديد مقدار الجديد المناسب لقدرات الطَّالب، مع التَّسلسل والمتابعة وعدم التَّوقف.

2 - إلزام الطَّالب بقدر المراجعة المناسب للمحفوظ حتى لا يتفلَّت، مع التَّكرار والدَّوران كلَّما ختم عاد إلى أوَّله.

3 - شرح حكم تجويديٍّ يسير بطريقة تُناسب مع التَّطبيق بإلزامه بالقراءة الصَّحيحة على نحو ما تعلَّم.

4 - الانتقال بالطَّالب من الحفظ إلى الإجازة والإقراء من خلال عرض ختمة أو أكثر ليحصِّل الإجازة والإسناد.

ملحوظة 4: دور الوالدين في هذه المرحلة المتابعة القبليَّة وقت التَّجهيز والتَّحضير للمقرَّرات التي يعرضها الطَّالب على شيخه، ثمَّ بعد العرض يُتابع بالواجبات والمطلوب.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله