نبذة عن فضل حامل القرآن وعزه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
وبعد: فهذا مختصر أُقدِّمه للحفاظ يتضمن جملة من الفضائل والمكرُمات التي يستحقها طالب القرآن الكريم؛ لتكون مُعينة على الاستمرارية والديمومة؛ فمن عرف قدر ما يطلب هان عليه ما يبذل؛ ولابد للمرء أن يتعرف على فضائل ومنح عنايته بالقرآن الكريم ليواجه نفسه بها حين يحصل له الملل أو الكسل الذي ينتابه بسبب الهموم أو الغموم أو مشاغل الحياة، وقد راعيت الاختصار وسهولة الألفاظ ليُطالعها جماهير المسلمين، وأسأله سبحانه وتعالى أن يتقبل هذه الكلمات، وأن ينفع بها من قرأها.
وأقول: لقد كرم الله تعالى حامل القرآن وحباه بكثير من الفضائل منها:
أوَّلًا: أنه مقدم في الدنيا، وعند الدفن في القبر، وعند البعث، ويوم القيامة على الرءوس:
1 - فأما تقديمه في الدنيا فإنه يقدم في الصلاة على غيره؛ فعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما، ولا يؤمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه» [1] وبوَّب الإمام ابن حبان البستي في صحيحه فقال: ذكر استحقاق الإمامة بالازدياد من حفظ القرآن على القوم وإن كان فيهم من هو أحسب وأشرف منه. [2]
وصاحب القرآن في رفعة إلى أن يلقى الله تعالى؛ فعن عامر بن واثلة رضي الله عنه أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعسفان فقال: من استعملت على أهل الوادي، فقال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى ؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله عز وجل، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما، ويضع به آخرين» [3]
2 - وأما تقديمه عند الدفن فالأحاديث كثيرة في هذا؛ فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: «أيهم أكثر أخذا للقرآن؟» فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد وقال: «أنا شهيد على هؤلاء» وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصل عليهم» [4]
3 - وأما تقديمه عند البعث؛ فعن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ فسمعتـه يقـول: «وإن القـرآن يلقى صاحبه يـوم القيامة حين ينشـق عنه القبـر كالـرجل الشاحب فيقول له: هل تعرفني ؟ فيقول: ما أعرفك، فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهـرت ليلك، وإن كل تاجـر من وراء تجارته، وإنك اليـوم من وراء كل تجـارة، فيعطـى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين لا يقوم لهما الدنيا، فيقولان: بم كسينا هذا ؟ فيقال لهما: بأخذ ولدكما القرآن، ثم يقال له: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها، فهو فـي صعود ما دام يقرأ هذا كان أو ترتيلا» [5]
4 - وأما تقديمه يوم القيامة على رءوس الأشهاد؛ فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عنـد آخر آية تقرؤها» [6]
قال الإمام الخطابي رحمه الله: جاء في الأثر أن عـدد آي القرآن على قدر درج الجنة، فمن استوفـى قراءة جميع القرآن، استولى على أقصى درج الجنة في الآخرة، ومن قرأ جزءا منه كان رقيه في الدرج على قدر ذلك فيكون منتهى الثواب عند منتهى القراءة. [7] والمعنيُّ بالفضل في هذا الحديث وغيره، حافظ القرآن عن ظهر قلب؛ فقد سئل الإمام ابن حجر الهيتمي عن قول النبي : «يقال لصاحب القرآن يوم القيامة...» من المخصوص بهذه الفضيلة، هل هم من يحفظ القرآن في الدنيا عن ظهر قلبه ومات كذلك؟ أم يستوي فيه هو ومن يقرأ في المصحف؟ فأجاب بقوله: الخبر المذكور خاص بمن يحفظه عن ظهر قلب لا بمن يقرأ في المصحف؛ لأن مجرد القراءة في الخط لا يختلف الناس فيها، ولا يتفاوتـون قلة وكثرة، وإنما الذي يتفاوتون فيه كذلك هو الحفظ عن ظهر قلب، فلهذا تفاوتت منازلهم في الجنـة بحسب تفاوت حفظهم، ومما يؤيد ذلك أيضا: أن حفظ القرآن عن ظهر قلب فرض كفاية على الأمة، ومجـرد القـراءة فـي المصحف من غيـر حفظ لا يسقط بها الطلب فليس لها كبيـر فضل كفضل الحفظ، فتعيـن أنه أعنـي الحفظ عن ظهر قلب هو المراد فـي الخبر، وهــذا ظاهر من لفظ الخبر بأدنى تأمل. [8]
وعن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «من قرأ عشـر آيات في ليلة كتب له قنطار، والقنطار خير مـن الدنيا وما فيها، فإذا كان يوم القيامة يقول ربك: اقـرأ وارق بكل آية درجة، فيقرأ آية ويصعد درجة، حتى ينجز ما معه ثم يقال له: اقبض فيقبض، ثم يقال له: أتدري ماذا في يديك؟ فإذا في يده اليمنى الخلد، وفي يده اليسرى النعيم» [9]
ثانيا: أنه مع الملائكة المقـربين في الحفـظ في درجة واحدة؛ فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه فله أجران» [10] والماهر هو الحافظ المتقن الذي لا يتـوقف ولا تشق عليه القراءة؛ لجودة حفظه وإتقانه، وهذه منزلة عظيمة لا يعدله شرف؛ قال المهلب: ومعنى كون الماهر بالقـرآن مع السفـرة أنه معهم في الحفـظ في درجة واحدة. وقال القاضي عياض: ويحتمل أن يكون معهم في منازلهم في الآخرة، أي يكون رفيقا لهم لاتصافه بصفتهم فـي حملهم كتاب الله، ويحتمل أن يكون المعنى عامل بعملهم كما يقال: معي بنــو فلان، أي في الرأي والمذهب.
وأما المتعتع فهو الذي يتكلف المشقة والتعب؛ قال القرطبي: التتعتع: التردد في الكلام عيا وصعوبة. ومن كان على هذا الحال فله أجران، أحدهما فـي تلاوته، والثاني في تعبه ومشقته، ولا يظنن أحد بذلك أن أجـر المتعتع أعظم من أجر الماهر؛ قال القاضي عياض: وليس المعنـى أنه أكثر أجرا من الماهر، بل الماهر أكثر؛ لأنه مع السفرة، وله أجور كثيرة، وكيف يلتحق من لم يعتن بكتاب الله تعالى بمن اعتنى به حتى مهر فيه. [11]
ثالثًا: أن القرآن يشفع له يوم القيامة؛ فعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرءوا الزَّهراوين: البقرة، وآل عمران فإنَّهما تأتيان يوم القيامة كأنَّهما غمامتان، أو كأنَّهما غيايتان، أو كأنَّهما فرقان من طير صواف تحاجَّان عن أصحابهما، اقرءوا البقرة؛ فإنَّ أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة» [12]
رابعًا: أنه من أهل الله المخصوصين بالعناية والمعية؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لله أهلين من الناس، قيـل من هم يا رسول الله ؟ قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته» [13]
خامسًا: رتب الشارع أجورا عظيمة على قراءة القرآن؛ فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال ﷺ: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، أما إني لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حـرف، ولام حرف، وميم حرف» [14]
سادسًا: شبه الشارع حامل القـرآن بأفضل تشبيه؛ فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن، مثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن، مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن، كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مر» [15]
سابعًا: بيَّن الشارع صاحب القرآن هو الأولى بالغبطة والحسد المحمود؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل، وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا، فهو ينفقه آناء الليل، وآناء النهار» [16]
والمراد بالحسد في الحديث، هو الحسد الشرعي المحمود (الغبطة) وهي تمني مثل ما عند الغير مع رجاء أن يحفظها الله على صاحبها؛ قال ابن كثير: "ومضمون هذا الحديث أن صاحب القرآن في غبطة وهي حسن الحال، فينبغي أن يكون شديد الاغتباط بما هو فيه، ويستحبُّ تغبيطه بذلك، يقال: غبطه يغبطه ـ بالكسر ـ غبطًا إذا تمنَّى مثل ما هو فيه من النِّعمة، وهذا بخلاف الحسد المذموم، وهو تمنِّى زوال نعمة المحسود عنه سواء حصلت هذه النِّعمة للحاسد أم لا، وهذا مذموم شرعًا ومهلك، وهو أوَّل معاصي إبليس حين حسد آدم على ما منحه الله تعالى من الكرامة والإعظام، والحسد الشَّرعيُّ الممدوح هو تمنِّى حالًا مثل حال ذلك الذي هو على حال سارَّة، ومما يدل على أن المراد بالحسد في الحديث الغبطة حديث يزيد بن الأخنس رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا تنافس بينكم إلا في اثنتين: رجل أعطاه الله عز وجل القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ويتبع ما فيه، فيقول رجل: لو أن الله تعالى أعطاني مثل ما أعطى فلانا فأقوم به كما يقوم به، ورجل أعطاه الله مالا، فهو ينفق ويتصدق، فيقول رجل: لو أن الله أعطاني مثل ما أعطى فلانا فأتصدق به» [17]
ثامنًا: حث الإسلام أتباعه من حملة القرآن أن يقوموا بواجب أداء الأمانة وتعليمه؛ فعن أبي عبد الرحمن السُّلميِّ عن عثمان بن عفان رضي الله عنه عـن النَّبيِّ ﷺ قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» قال أبو عبد الرحمن السُّلميُّ: وأقرأ أبو عبد الرَّحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجَّاج، قال: وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا. [18] ومكث أبو عبد الرَّحمن السُّلميُّ مع كثرة علمه، وحاجة النَّاس إليه يعلم القرآن في مسجد الكوفة أربعين سنة؛ لأجل سماعه لهذا الحديث. قال ابن كثير: "وهذه صفات المؤمنين المتبعين للرُّسل، وهم الكملة في أنفسهم المكمِّلون لغيرهم" وقال القرطبيُّ: "تعليم القرآن أفضل الأعمال؛ لأنَّ فيه إعانة على الدِّين فهـو كتلقين الشَّهادة".
تاسعًا: وجعل الإسلام قراءة القرآن سببًا في زيادة الإيمان وحياة القلوب؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2] وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد» قيل: يا رسول الله، فما جلاؤها؟ قال ﷺ: «تلاوة القرآن» [19] وقال بعض الحكمـاء: كما أنَّ الحديـد إذا لم يُستعمل غشيه الصَّدأُ حتى يهلكه، كذلك القلب إذا عُطِّل من الحكمة غلب عليه الجهل حتى يُميته. [20]
عاشرًا: يزداد الذَّكاء، وترتفع الملكات، وتعظم الحجَّة؛ وقد حدَّثنا التَّاريخ وما زال عن نماذج الحفظة المتفوِّقين في دراساتهم، وأعمالهم، وتجاراتهم؛ لأنَّ بركة القرآن حين تحلُّ في النَّفس تزكِّي القلب والعقل والجوارح.