الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

خطَّة للفوز بيوم عرفة

إنَّ يوم عرفة خير يوم طلعت شمسه، وهو يوم الدُّعاء الأعظم، والعتق الأكثر؛ فاحرصوا فيه على صنوف الطَّاعات، سواء كنتم في الحجيج أو قعدتم عنه، ومن أجلِّ ما يُحرَص عليه في هذا اليوم: التَّوبة والنَّدم، والاستغفار والذِّكر، وقراءة القرآن، والدُّعاء، والصَّلاة فرضها مع الجماعة، ونفلها في خلوتك وخاصَّة نفسك، والصِّيام والإمساك عن كلِّ مفطر من طعام وشراب وشهوة لغير الحاجِّ، ولا تنسوا عبادة الافتقار والمذلَّة والمسكنة بين يدي الله تعالى بالبكاء وإظهار الحاجة والإلحاح في الطَّلب، وكونوا على يقين من تحصيل المغفرة؛ فإنَّ اليقين رأس مال الصَّالحين، وبه يُحصِّل المرء ما لا يبلغه بعمله من الدَّرجات والرُّتب، والخاسر فيه من ظنَّ أنَّ الله تعالى لن يغفر له؛ فما ظنُّكم بربِّ العالمين؛ فجهِّزوا حاجاتكم واقصدوا ربًّا كريمًا لا يردُّ قاصديه.

وهذه خطَّة مقترحة للفوز بنفحات وكرامات يوم عرفة، من خلالها يستطيع المسلم الاستفادة والانتفاع بهذه الفرصة العظيمة، والتي ينبغي ألَّا تمرَّ مرور الكِرام حتى يبذل فيها المرء من المجهود الأكبر ما يضمن انتفاعه وارتفاعه؛ فقد لا تتكرَّر هذه الفرصة في حياته مرَّة أخرى؛ ولمَّا كانت الخطَّة تسبق التَّنفيذ وضعت رؤوس أقلام في خطَّة تعبُّديَّة إجماليَّة تتمثَّل في تقسيم يوم عرفة إلى ثلاثة أثلاث:

الثُّلث الأوَّل: الإصلاح والتَّخلية: ويكون في أوَّل النَّهار، من خلال صلاة الفجر، وقراءة الأذكار، والإكثار من الاستغفار حتى شروق الشَّمس وما بعدها؛ فالتَّوفيق كالرُّؤية البصريَّة الكاملة للسَّائق على الطَّريق، فلا يتمكَّن من الرُّؤية المنهجيَّة من المهالك مع الضَّبابيَّة وفساد الوجهة، فمن أراد التَّوفيق في هذا اليوم فليعمل أوَّلًا على إصلاح المحلِّ بالتَّنظيف والتَّطهير والاستغفار؛ فالذَّنب مانع من التَّوفيق، والاستغفار يذهبه، ويُصلِح شأنَ المرء توبةٌ صادقة.

الثُّلث الثَّاني: التَّهيئة والتَّحلية: ويكون في وسط النَّهار وحتى قُبيل صلاة العصر، وفيه يجتهد الإنسان في تقديم صنوف الطَّاعات، والإكثار من العبادات التي تبعث في النَّفس الأمل، والتَّفاؤل، وتُسهم بدور كبير في ثبات القلب، وإيجاد شعور بالقرب من الله تعالى؛ كقراءة القرآن الكريم، والتَّسبيح، والتَّكبير، والتَّهليل، والذِّكر عامَّة؛ فهذا ممَّا يُعين على تهيئة النَّفس إيمانيًّا.

الثُّلث الثَّالث: الانطلاق والحصاد: ويكون في آخر النَّهار وحتى أذان المغرب ونهاية اليوم، وفيه يبذل المرء جهده كلَّه في الدُّعاء والتَّضرُّع والانكسار والمسكنة بين يدي الله تعالى، من خلال تجهيز الدَّعوات والطَّلبات والأمنيَّات وسكب العبرات، وطلب ما يحتاجه المرء في قابل أيَّامه وآخرته، مع اليقين بتحقق الإجابة وحصول الاستجابة، وأعظم ما يطلب النَّجاة والسَّلامة في الدَّارين، وبذلك يكون المرء متدِّرجًا في الدَّرجات والمناقل بما يتحقَّق معه تحقيق المقصود؛ فالإصلاح أوَّلًا بالتَّوب والاستغفار وقراءة الأذكار التي تُحصِّن المرء من شياطين الإنس والجنِّ، ثمَّ التَّهيئة وإعداد النَّفس مع التَّحفيز إلى الارتقاء عن طريق العمل الصَّالح؛ وهذان السَّبيلان يُمثِّلان التَّخلية والتَّحلية، ثمَّ تأتي المرحلة الأخيرة وهي حصد الزَّرع وجني الثِّمار عن طريق الدُّعاء والطَّلب ورفع أكفِّ الضَّراعة إلى الله تعالى لتحقيق الأمنيات والرَّغبات؛ فيتحقَّق المأمول إن شاء الله.

وفلسفة هذا التَّقسيم: أنَّ العبد مذنب مقصِّر بطبعه وحاله، فلم يكن مؤهَّلًا للطَّلب قبل الاعتراف والاعتذار، ثمَّ إحلال عمل صالح يؤكِّد به على صدق توبته، وقوَّة عزيمته، ورغبته الحقيقيَّة في التَّغيُّر للأفضل، حينها فقط يمكنه أن يطلب مع حسن ظنِّه في الله تعالى بأنَّه يقبله ولا يردُّه؛ لمحو الذَّنب بالتَّوبة، والتَّدليل على الصِّدق بالعمل، والطَّمع في سعة الرَّحمة؛ فيقع الطَّلب موقع الرِّضا بإذن الله تعالى، ولو تقدَّمت خطوة من هذه الخطوات على الأخرى لم يكن الأمر نافعًا، ولم تكن الأهداف متحقِّقة، فترتيبها مقصود ومراد.

وهذه جملة من الوصايا التَّكميليَّة:

1 - استروا أعمالكم ما أمكنكم من خلال الخلوة بالنَّفس في جميع هذه المراحل؛ فالظُّهور أقرب إلى الرِّياء والعجب وأبعد عن الإخلاص والقرب، كما أنَّ الخلوة تعين على البكاء والانكسار بين يدي الله تعالى.

2 - في يوم عرفة أكثروا من عموم أبواب الخير؛ فتصدَّقوا على الفقراء، وأطعموا الصَّائمين، وأحسنوا إلى الوالدين، وأكرموا إخوانكم وأرحامكم، واعلموا أنَّ عبادة الوقت= الوقوف بعرفة للحجيج، والذِّكر والدُّعاء والصِّيام لغيرهم.

3 - اغتنموا يوم عرفة في الطَّلب والسُّؤال؛ فإنَّ الله تعالى أكرم وأعظم وأرحم من أن يردَّ لكم دعوة، فلا يُعجزه شيء، ولا يصعب عليه أمر، فاطلبوا ما شئتم ولا تعجزوا؛ فليس أعجز ممن عجز عن السُّؤال والطَّلب من ربٍّ خالق قادر يبسط يده لعباده.

4 - أعظم الدُّعاء ما اشتمل على آداب الإعداد من وضوء، واستقبال القبلة، وآداب البدء بالحمد والثَّناء على الله المنعم الجليل، ثم الصلاة والسَّلام على رسول الله ، وآداب الثَّنايا بتقديم الطَّلب بما لا يكون معه إثم أو قطيعة رحم، وترك التَّكلُّف في الدُّعاء من حيث الموضوع أو السَّجع أو الصَّوت، وآداب الختم بالتصلية ثمَّ بالحمد والثَّناء، فخذوا بمجامع الأدب تفوزوا.

واعلموا أنَّ الله تعالى ما عُبد في هذا اليوم الطَّيِّب المبارك - وغيره - بمثل التَّضرُّع، والانكسار، والإخبات، مع حسن الظَّنِّ به، وصدق السُّؤال، وصحَّة التَّوجُّه، وسلامة النِّيَّة؛ فليُشمِّر الموفَّق الحريص عن ساعد الجدِّ والاجتهاد فقد أقبلت فرصة ثمينة لا يُضيِّعها عاقل لبيب فطن، وأسأل الله تعالى أن يتكرَّم علينا بالعِتق من النَّار.

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله