اغتنام الوقت في السَّفر
يا عمَّار بيت الله الحرام، اغتنموا الطَّريق في التَّهيئة الإيمانيَّة؛ فالعاقل من حرِص في طريقه للطَّاعات مكانًا وزمانًا على استثمار الثَّواني واللَّحظات في تحصيل ما يُسهِّل الطَّاعة ويجعل النَّفس مرنة متفاعلة؛ فالأزمنة التي تسبق الطَّاعات زمانًا ومكانًا مباركة ومادَّة وقود للهمَّة والتَّحفيز؛ فاغتنامها في العبادة يُكسب القلب سعادة وانشراحًا، واطمئنانًا وارتياحًا، وإقبالًا وإفصاحًا؛ فقُبيل الحصاد في شهر رمضان تقع شهور البذر، والزِّرع، والسَّقي، والإنبات، والتَّقصير في شيء من ذلك يعود على الحصاد بضعف الثِّمار وموتها قبل أوان حصادها، فلا ينتفع الرَّجل بشيء من جهوده المبذولة في الطَّاعة في وقتها؛ لأنَّ المقدِّمات عليها اعتماد النِّهايات؛ فمن كانت له بداية مُحرقة، كانت له نهاية مُشرقة، والبدايات الصَّحيحة تصنع الفرق بين المتنافسين، فالاستعداد للشَّيء قبل أجله أنفع وأقنع وأروع وأمتع، فليحرص النَّاسك على اغتنام وقت السَّفر في التَّهيئة الإيمانيَّة.
إنَّ من أمارات التَّوفيق، وعلامات البركة أن يُوفَّق المرء لاغتنام الأوقات، بوضع العمل المناسب في الوقت المناسب، وبالمقدار المناسب، فيجمع بين الرَّحة المعينة على اليقظة، والعمل الصَّالح الموصِّل إلى التَّهيئة الإيمانيَّة، وهو على يقين بأنَّ كلَّ وقت يُصرف في موضعه المُناسب يوفِّر دُهورًا، ويُكسِب أُجورًا؛ فيسعى للجمع بين الخير، وحينها تُكلَّل مساعيه بالقبول والتَّوفيق.
الرَّاحة قبل النُّسك عون عليه
أيُّها العبَّاد، اقتنصوا الرَّاحة التي تُعينكم على النُّسك: فإنَّ السَّفر قطعة من العذاب، بل العذاب قطعة من السَّفر، ومهما تيسَّر الطَّريق فإنَّ المشقَّة فيه متحقِّقة بفراق الأوطان، ومواصلة المسير، وبُعد ما بين بلد الانطلاق، وبلاد القصد، ولـمَّا كانت الأنفاس في الحرمين محسوبة، والأوقات محدَّدة باللَّيالي والأيَّام، كان العاقل الرَّشيد مَن يُحسن اغتنام أفضل الأوقات في أفضل الأماكن؛ من أجل هذا أوصيكم حلل النُّسك أن تأخذ قدرًا من الرَّاحة في طريقكم قبل دخول الدِّيار المقدَّسة، من خلال النَّوم في وسائل النَّقل قدر الإمكان وبما يكفي لتحصيل أكبر قدر من الرَّاحة التي تُعين على اليقظة والإدراك والقوَّة وقت دخول حدود أحد الحرمين؛ فهذه حدود تكثير الأجر ومضاعفة الثَّواب؛ فالطَّاعات فيها مباركة وأجرها عظيم؛ فادَّخروا جهدكم هناك، فما قبلها سكَّة لها ومسير إليها، والوسيلة لا تُقارن بالغاية؛ فافهموا عنِّي وتأمَّلوا.