الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

البقاء في بدر بعد المعركة:

أقام النَّبيُّ ﷺ في بدر ثلاثة أيَّام بعد المعركة؛ ليأخذ الجيش المقاتل المنتصر قدرًا من الرَّاحة بعد المجهود العظيم الذي بُذل منه في السَّعي والحضور والقتال الشَّديد الذي كان في أرض المعركة، ولتكون المدَّ كافية لجمع الغنائم التي تحقَّقت للمسلمين في هذه المعركة، ولدفن الشُّهداء من أصحابه رضي الله عنهم؛ فقد استُشهد 14 صحابيًّا ([1])، ولتأكيد النَّصر بالقضاء الفوريِّ على أيَّة محاولة يُمكن أن تصدر عن المشركين رغبة في الثَّأر أو الانتقام للنَّفس ممَّا لحق بهم من ذلِّ وعار الهزيمة السَّحيقة؛ فإنَّ للهزيمة مرارًا في الحلق وغصصًا في النَّفس لا يسكت عليه الرِّجال.

الغنائم والسَّلب من الغزوة:

ولم تكن الغنائم قد أحلَّت للمسلمين، فتوقَّف النَّبيُّ ﷺ عن حسمها أو الأخذ منها حتى ينزل فيها حكم الله تعالى؛ فعن سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه قال: "نزلت فيَّ أربع آيات، ‌أصبتُ ‌سيفًا فأتيت به النَّبيَّ ﷺ فقلت: "يا رسول الله، نفِّلنيه" فقال ﷺ: «ضعه» ثمَّ قمت فقال: «ضعه من حيث أخذته» ثمَّ قام فقال: "نفِّلينه يا رسول الله!" فقال ﷺ: «ضعه» فقمت فقلت: "يا رسول الله، نفِّلينه؛ أأُجعل كمن لا غناء له؟" فقال النَّبيُّ ﷺ: «ضعه من حيث أخذته» فنزلت هذه الآية الكريمة: {يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ} [الأنفال: 1]" [2]

وقبل الرَّحيل من أرض المعركة وقع اختلاف في أمر الغنائم بين الصَّحابة[3] بسبب اختلاف مواقعهم في أعقاب المعركة بين جامع لها، ومتعقِّب ذيول المشركين، ومرابط لحماية النَّبيِّ ﷺ خشية أن تطاله يد سوء بالأذى؛ فعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: "قال رسول الله ﷺ: «من أتى مكان كذا وكذا، أو فعل كذا وكذا فله كذا وكذا» فسارع إليه الشُّبَّان وثبت الشُّيوخ تحت الرَّايات، فلمَّا فتح الله لهم جاء الشَّباب يطلبون ما جُعل لهم، فقال الأشياخ: "لا تذهبوا به دوننا فإنَّما كنَّا ردءًا لكم؛ فأنزل الله عزَّ وجلَّ: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ} [الأنفال: 1]" [4] ويقول ابن إسحاق رحمه الله: "ثمَّ إنَّ رسول الله ﷺ أمر بما في العسكر، ممَّا جمع النَّاس فجُمع، فاختلف المسلمون فيه، فقال من جمعه: "هو لنا" وقال الذين كانوا يقاتلون العدوَّ ويطلبونه: "والله لولا نحن ما أصبتموه لنحن شَغلنا عنكم القوم حتى أصبتم ما أصبتم" وقال الذين كانوا يحرسون رسول الله ﷺ مخافة أن يُخالِف إليه العدوُّ: "والله ما أنتم بأحقَّ به منَّا، والله لقد رأينا أن نقتل العدوَّ إذ منحنا الله تعالى أكتافه، ولقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه، ولكنَّا خفنا على رسول الله ﷺ كرَّة العدوِّ، فقمنا دونه، فما أنتم بأحقَّ به منَّا" [5]

ولـمَّا نزل حكم الله تعالى في الغنائم قسَّمها النَّبيُّ ﷺ على أصحابه رضي الله عنهم بالتَّساوي بعد أخذ خُمسها؛ تطبيقًا لما نزل به الوحي: {وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا يَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} [الأنفال: 41] قال ابن كثير رحمه الله: "ساوى فيها بين الذين جمعوها، وبين الذين اتَّبعوا العدوَّ، وبين الذين ثبتوا تحت الرَّايات، لم يُخصِّص بها فريقًا منهم ممَّن ادَّعى التَّخصيص بها، ولا ينفي هذا تخميسها وصرف الخمس في مواضعه" [6]


(1) وشهداء بدر هم: (عبيدة بن الحارث بن المطَّلب بن عبد مناف، وعمير بن أبي وقَّاص بن أبي أهيب الزُّهريُّ، ذو الشِّمالين عمير بن عبد عمرو بن نضلة الخزاعيُّ، وعاقل بن البكير من بني سعد بن ليث بن عبد مناة بن كنانة، ومهجع بن صالح العكيُّ مولى عمر بن الخطَّاب من بني عكِّ بن عدنان، وصفوان بن وهب بن ربيعة الفهريُّ، وسعد بن خيثمة بن الحارث بن مالك الخزرجيُّ، ومبشر بن عبد المنذر بن علي زنبر الأنصاريُّ، ويزيد بن الحارث بن قيس بن مالك الأنصاريُّ الخزرجيُّ، ورافع بن المعلى بن لوذان بن حارثة الخزرجيُّ الأنصاريُّ، وعوف ابن الحارث بن رفاعة بن سواد، ومعوذ بن الحارث بن رفاعة بن سواد، وحارثة بن سراقة بن الحارث الأنصاريُّ الأوسيُّ النَّجاريُّ، وعمير بن الحمام بن الجموح بن زيد بن حرام الخزرجيُّ الأنصاريُّ رضي الله عنهم، وللأخيرين الكريمين مشهدان عظيمان:

أمَّا حارثة بن سراقة فقصَّته أنَّه كان بارًّا أمِّه؛ وتعلَّقت به تعلُّقًا كبيرًا، واستأذنها للخروج للقتال فألحَّ عليها حتى رضيت، ثمَّ قُتل قبل بدء المعركة على يد أحد من المسلمين ظنَّ أنَّه من جيش الكفر؛ قال ابن إسحاق رحمه الله: "وقد رُمي مهجع مولى عمر بن الخطَّاب بسهم فقُتل، فكان أوَّل قتيل من المسلمين، ثمَّ رُمي حارثة بن سُراقة - أحد بني عديِّ بن النَّجَّار - وهو يشرب من الحوض بسهم فأصاب نحره فقُتل" يُنظر: سيرة ابن هشام، (1/ 627).

فجاءت أمُّه إلى النَّبيِّ ﷺ لتعرف مصير ولدها وقد قُتل بالخطأ على يد مسلم قبل بدء المعركة؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: "أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمُّه إلى النَّبيِّ ﷺ فقالت: يا رسول الله، قد عرفت منزلة حارثة منِّي، فإن يكن في الجنَّة أصبر وأحتسب، وإن تك الأخرى ترى ما أصنع، فقال ﷺ: «ويحك، أوهبلت، أوجنَّة واحدة هي، إنَّها جنان كثيرة، وإنَّه في جنَّة الفردوس» صحيح: أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب: (المغازي) باب: (فضل من شهد بدرًا) برقم: (3982).

وأمَّا عمير بن الحُمام رضي الله عنه فقد بُشِّر بالجنَّة قبل خوض المعركة؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "قال رسول الله ﷺ: «قوموا إلى جنَّة عرضها السَّماوات والأرض» فقال عمير بن الحُمام الأنصاريُّ رضي الله عنه: "يا رسول الله، جنَّة عرضها السَّماوات والأرض؟!" قال: «نعم» قال: "‌بخٍ ‌بخٍ" فقال رسول الله ﷺ: «ما يحملك على قولك ‌بخ ‌بخ» قال: "لا والله يا رسول الله إلَّا رجائي أن أكون من أهلها" قال: «فإنَّك من أهلها» فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهنَّ، ثمَّ قال رضي الله عنه: "لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنَّها لحياة طويلة" فرمى بما كان معه من التَّمر ثمَّ قاتل حتى قُتل" صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (الإمارة) باب: (ثبوت الجنَّة للشَّهيد) برقم: (1901).

(2) صحيح: أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: (الجهاد والسِّير) باب: (الأنفال) برقم: (1748).

وفي رواية النَّسائيَّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعطى السَّيف له؛ قال سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه: "جئت يوم بدر بسيف إلى رسول الله ﷺ فقلت: "إنَّ الله قد شفا صدري اليوم من العدوِّ، فهب لي هذا السَّيف" فقال: «إنَّ هذا السَّيف ليس لي ولا لك» فذهبتُ وأنا أقول: "يُعطى اليوم من لم يبلُ بلائي" فبينما أنا إذ جاءني الرَّسول فقال: "أجب" فظننَّت أنَّه نزل فيَّ شيء لكلامي، فجئت فقال النَّبيُّ ﷺ له: «إنَّك سألتني هذا السَّيف، وليس هو لي ولا لك، وإنَّ الله قد جعله لي، وهو لك» ثمَّ قرأ {يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} [الأنفال: 1]" صحيح: أخرجه النَّسائيُّ في سننه الكبرى، كتاب: (التَّفسير) باب: (سورة الأنفال) برقم: (11132).

(3) ومن الجدير بالذِّكر أنَّ يُعلم أنَّ اختلاف الصَّحابة رضي الله عنهم لم يكن اختلاف طمع منهم في الحصول على ما ليس لهم؛ فقد ترك المهاجرون رضي الله عنهم أضعاف أضعاف ما كان في بدر، وبذل الأنصار للمهاجرين رضي الله عنهم أضعاف ذلك، ولكنَّه اختلاف الفهوم في إدراك مَن له الحقُّ في الغنائم على نحو ما تقدَّم - [وقد اختلفت الصَّحابة رضي الله عنهم يوم بدر في المغانم من المشركين يومئذ لمن تكون منهم، وكانوا ثلاثة أصناف حين ولَّى المشركون... فادَّعى كلُّ فريق من هؤلاء أنَّه أحقُّ بالمغنم من الآخرين، لما صنع من الأمر المهمِّ] البداية والنَّهاية، لابن كثير (5/ 177) - وحرصهم على الظَّفر بما يكون من وراء هذه الغزاة المباركة التي قاتلوا فيه بجوار النَّبيِّ ﷺ عصبة الكفر وهزموهم، فكان لهذا من الأثر على نفوسهم ما حملهم على هذا، فكان ما وقع منهم بمثابة درس عظيم تتعلَّم منه الأمَّة، وهو محسوب لهم لا عليهم لاستسلامهم لما أمر الله تعالى به ورضائهم التَّامِّ رضي الله عنهم بقسمة رسول الله ﷺ؛ فعن أبي أُمامة الباهليِّ رضي الله عنه قال: "سألتُ عُبادة بن الصَّامت رضي الله عنه عن الأنفال، فقال رضي الله عنه: "فينا - معشر أصحاب بدر - نزلت حين اختلفنا في النَّفل، وساءت فيه أخلاقُنا، فانتزعه الله من أيدينا، وجعله إلى رسول الله ﷺ، فقسَّمه رسول الله بين المسلمين عن بواء"= سواء. حسن: رواه أحمد في مسنده، (تتمَّة مسند الأنصار) مسند: (عبادة بن الصَّامت) برقم: (22747).

(4) صحيح: أخرجه النَّسائيُّ في سننه الكبرى، كتاب: (التَّفسير) باب: (سورة الأنفال) برقم: (11133)، وصحَّحه الحاكم بقوله: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه" برقم: (3260) ووافقه الذَّهبيُّ.

(5) سيرة ابن هشام، (1/ 641).

(6) البداية والنِّهاية، لابن كثير، (5/ 178).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله