الجواب الشرعي

إجابة موثقة من العلماء المعتبرين

المبدأ السَّابع: اسمه:

اعلم - وفَّقني الله وإيَّاك - أنَّ كثرة الأسماء تدلُّ على شرف المسمَّى؛ ولقد كثرت أسماء علم التَّجويد وتنوَّعت؛ لتدلَّ على علوِّ قدره، وعظيم فضله؛ فمنها:

علم التَّجويد: علم يعمل على تحسين تلاوة التَّالي للقرآن الكريم.

علم الإتقان: علم يوصِّل السَّالك إلى درجة إتقان التِّلاوة حتى يتنافس في إتقانه مع الملائكة السَّفرة الكرام البررة.

علم التِّلاوة: علم يبحث في كيفيَّة التِّلاوة الصَّحيحة لآيات القرآن الكريم من حيث بيان التَّفاصيل الكلِّيَّة التي تمكِّن القارئ من الوصول إلى درجة الإتقان.

علم فنِّ الأداء: علم يوصِّل إلى درجة التَّفنُّن والبراعة في أداء آيات القرآن الكريم مع الإجادة والإتقان والمعرفة.

علم هندسة اللَّفظ العربيِّ: علم يبحث في تفاصيل الحروف والكلمات والتَّراكيب والجمل القرآنيَّة لبيان ما يختصُّ به كلُّ حرف من أحكام وكيفيَّة وأداء سليم.

علم رياضة اللِّسان: أي لا يتمكَّن القارئ من التِّلاوة الصَّحيحة الخالية من اللُّحون الجليَّة والخفيَّة حتى يأخذ بمجامع هذا العلم الشَّريف عن طريق ترويض وتعويد اللِّسان على النُّطق الصَّحيح للحروف مفردة، ثمَّ مركَّبة في كلمات، ثمَّ في جمل؛ قال أبو عمرو الدَّاني رحمه الله: "اعلموا - أيَّدكم الله بتوفيقه - أنَّ التَّجويد مصدر جوَّدت الشَّيء، ومعناه انتهاء الغاية في إتقانه، وبلوغ النَّهاية في تحسينه، ولذلك يُقال: جوَّد فلان في كذا، إذا فعل ذلك جيِّدًا، والاسم منه الجودة، فتجويد القرآن= هو إعطاء الحروف حقوقها وترتيبها مراتبها، وردُّ الحرف من حروف المعجم إلى مخرجه وأصله وإلحاقه بنظيره وشكله، وإشباع لفظه، وتمكين النُّطق به على حال صيغته وهيئته من غير إسرافٍ ولا تعسفٍ، ولا إفراطٍ ولا تكلفٍ، وليس بين التَّجويد وتركه إلَّا رياضة من تدبَّره ‌بفكِّه" [1]

ومن القواعد في التَّجويد: "إذا أردتَّ أن يسلم لك التَّجويد؛ فالتَّعويد التَّعويد، وإذا أردتَّ أن يسلم لك المدُّ؛ فالعدَّ العدَّ، وإذا أردتَّ أن تسلم لك الغنَّة؛ فعدَّ لها وتأنَّه، وإذا أردتَّ أن تسلم لك الحروف؛ فعليك بتكرار مألوف".

المبدأ الثَّامن: استمداده:

المراد بالاستمداد بيان كيفيَّة استنباط الأحكام التَّجويديَّة من آيات القرآنيَّة، وكيف تمَّ تقعيدها، وصياغتها في قوالب تقعيديَّة، فمن المتَّفق عليه أنَّ المسمَّيات العلميَّة للأحكام التَّجويديَّة لم يكن لها حضور ووجود في عهد النَّبيِّ ﷺ والصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين رحمهم الله، وإنَّما بدأت تنتشر المصطلحات العلميَّة التَّجويديَّة في بدايات القرن الثَّالث الهجريِّ؛ فلقد كان علم التَّجويد ضمن العلوم اللُّغويَّة المتعلِّقة باللُّغة العربيَّة حتى استقلَّ بعد ذلك، ومن المسلَّم به أنَّ القواعد النَّظريَّة لعلم التَّجويد قد استُمِدت من كيفيَّة قراءة النَّبيِّ ﷺ، وصحابته رضي الله عنهم والتَّابعين الكرام رحمهم الله، ومَن بعدهم حتى وصل القرآن الكريم إلينا غضًّا طريًّا كما أنزل متواترًا لفظًا وأداءً، وتناقلته الأجيال بطريقة الرِّواية بما يستحيل العقل تواطؤهم على الكذب مع اتفاق اللَّفظ والأداء، ولم يقع فيه شيء من التَّحريف والتَّصحيف.

المبدأ التَّاسع: حكمه:

قسَّم العلماء الكلام عن حكم التَّجويد إلى قسمين:

الأوَّل: التَّجويد من النَّاحية العلميَّة التَّأصيليَّة: وهو العلم بالقواعد والأصول الخاصَّة بهذا العلم الشَّريف؛ وبالنَّظر إليه يمكننا أنَّ نرى المشتغلين به على صورة من صورتين:

الأولى: المتخصِّصون من القرَّاء وطلَّاب القراءات؛ والعلم بالمسائل والتَّأصيل في حقِّ هؤلاء فرض عين؛ يلزمهم تعلُّمه ومدارسته؛ لتصدُّرهم مجال التَّعليم والإقراء، ولا ينبغي أن يكون معلِّم النَّاس جاهلًا بمادَّة التَّعليم، وفاقد الشَّيء لا يُعطيه.

الثَّانية: عامَّة المسلمين من غير المشتغلين بالعلم؛ وتعلُّم التَّجويد في حقِّ هؤلاء مندوب؛ ليتمكَّنوا من خلال العلم به من الإجادة والإتقان لتلاوة القرآن الكريم؛ فإنَّ المعرفة النَّظريَّة تنفع القارئ وتجعله متمكِّنًا ممَّا يقرأ، بخلاف العشوائيِّ فإنَّه يقع في الخلط والتَّردُّد.

وبعض الفقهاء يُفرقون بين ما اتَّفق القرَّاء عليه، وما اختلفوا فيه؛ فيرون في الأوَّل الوجوب الشَّرعيَّ، وفي الثَّاني الاستحباب الشَّرعيَّ؛ قال ابن حجر الهيتميُّ رحمه الله: "وبه إن تأمَّلته تعلم أنَّه لابدَّ من ذلك التَّفصيل، وهو أنَّه يجب وجوبًا شرعيًّا على القارئ أن يُراعي في قراءته الفاتحة وغيرها ما أجمع القرَّاء على وجوبه دون ما اختلفوا فيه، وذلك لأنَّ ما وقع الاتِّفاق عليه يُعلَم أنَّه  لم يقرأ بغيره ومدار القراءة إنَّما هو على الاتِّباع، إذ لا مجال للرَّأي فيها بوجه، فمن قرأ بخلاف ما وقع الإجماع عليه يكون مبتدعًا شيئًا في كلام الله تعالى، وابتداع ما لم يرد في القرآن لا يشكُّ من له أدنى مسكة أنَّه محرَّم شديد التَّحريم، بخلاف ما وقع الاختلاف فيه فإنَّه ليس كذلك" [2]

إنَّ المطالع لكتب التَّجويد يرى أنَّ العلماء يقرِّرون بأنَّ العلم به فرض كفاية؛ أي إن قام به ما يكفي سقط الإثم عن الباقين، وهذا لا يعارض ما سبق بيانه من كونه فرض عين على المتخصِّصين؛ لأنَّ تعلُّم مسائل علم التَّجويد فرض عين على عامَّة الأمَّة كمجموع دون أفرادها؛ لا يجوز الإهمال فيه من المجموع؛ فلما قام به العلماء أسقطوا الإثم عن البقيَّة؛ لكنَّه في حقِّ العلماء والمتخصِّصين يتحوَّل من الكفاية إلى اللُّزوم والتَّحتُّم؛ لقلَّة العلماء والمعتنين بالعلم، وبهم تكون الكفاية في حقِّ الأمَّة.

الثَّاني: التَّجويد من النَّاحية العمليَّة التَّطبيقيَّة: وهو التَّطبيق العمليُّ للأحكام؛ سواء كان ناتجًا عن علم بالمسائل، أم عن جهل بها مع التَّلقِّي الحسن، وهو من حيث القارئين على قسمين:

الأوَّل: المتخصِّصون: وهم علماء القراءات، وطلَّاب علم التَّجويد؛ والقراءة بالتَّجويد في حقِّهم فرض عين؛ فالحجَّة قائمة عليهم بما حصَّلوه من علم ووقع لهم من تصدُّر، فهم قدوة ميدانيَّة لجميع المسلمين، فالتزامهم بالأحكام والقراءة الصَّحيحة ينقل الأداء الصَّحيح عن طريق الاستماع، ويجعلهم يتذوَّقون القرآن الكريم، والالتزام بالأداء الصَّحيح الذي يحفظ للنَّصِّ الشَّريف قدسيَّته ورونقه وجماله.

الثَّانية: العامَّة: وهم عوامُّ النَّاس ممَّن لم يتخصَّصوا في هذا العلم؛ والالتزام الكامل بأحكام التَّجويد في حقِّهم مستحبٌّ؛ لأنَّ التَّكليف بالأفعال لا يخرج عن حدود وطاقة المكلَّف، وعدم تصدُّر العامَّة للعلم والتَّعليم يجعلهم غير مجيدين للقراءة الصَّحيحة الكاملة، مع أهمِّيَّة قراءتهم للقرآن الكريم بهدف التَّعبُّد وتحصيل الأجر، فكان إلزامهم بتعلُّم الأحكام من أجل القراءة من المشقَّة عليهم، وقد يكون سببًا في صدِّ النَّاس عن القراءة والتَّعبُّد بالتِّلاوة؛ لقلَّة الوقت للتَّعلُّم، أو ضعف الإدراك والاستيعاب، وهذه وإن كانت من الحجج والمبرِّرات إلَّا أنَّ واقع النَّاس ينطق بانصرافهم عن بذل المجهود في التَّعلُّم وإن كانوا قادرين عليه، ففتح الباب لهم للقراءة والتَّعلُّق بالقرآن الكريم من خلال القراءة أولى من إغلاق الباب في وجوههم.

فائدة: يرى علماء التَّجويد أنَّ التَّجويد العمليَّ فرض عين على كلِّ قارئ للقرآن الكريم؛ وفي هذا القول نظر من كثير من أهل العلم؛ لأنَّ الحكم على مسألة بالحكم الشَّرعيِّ لا يسلَم لعلماء التَّجويد؛ بل هو من تخصُّص الفقهاء المقرِّرين أنَّ علم التَّجويد مستحبٌّ؛ وجمعًا بين هذه المصطلحات يمكن أن نقسِّم الاصطلاحات العلميَّة المتضادَّة إلى قسمين:

الحكم الصِّناعيٌّ: وهو الحكم المراد عند علماء كلِّ تخصص؛ فالإثم الصِّناعيُّ: ما كان معيبًا وغير جائز عند أهل كلِّ فنٍّ، والواجب الصَّناعيُّ: ما وجب الإتيان به على وجهه عند علماء المجال، فيرون وجوبه وعدم تركه، سواء ترتَّب على تركه الإثم الشَّرعيُّ أو الصِّناعيُّ، وهو معيب عند أهل الصَّنعة فعلًا أو تركًا على المقرَّر في المسائل، وأهل الصَّنعة هم أهل القول فيه.

الحكم الشَّرعيُّ: وهو الحكم المراد عند العلماء الفقهاء في الشَّرع الحنيف؛ وفيه نصٌّ من القرآن الكريم أو الحديث أو إجماع العلماء، أو مصادر التَّشريع، ويترتَّب عليه ثواب بالفعل أو عقاب بالتَّرك، وجنَّة بالامتثال والاستجابة، ونار بالعناد والإعراض؛ كالإثم والوجوب الشّرعيِّين، والفقهاء وعلماء الشَّريعة هم أهل القول فيه.

المبدأ العاشر: مسائله:

المراد بها المسائل والقواعد العامَّة التي تندرج تحت أبواب هذا العلم الشَّريف؛ وهي: قواعده وقضاياه الكلِّيَّة التي يُتوصَّل بها إلى معرفة أحكامه الجزئيَّة؛ فكلُّ باب من أبواب التَّجويد يشتمل على قواعد كلِّيَّة تندرج تحت كلِّ قاعدة كثير من الأمثلة والمواضع التي يصدق عليها التَّوصيف العلميُّ للحكم التَّجويديِّ؛ كقولهم: "كلُّ نون أو ميم مُشدَّدتين فإنَّ حقَّهما الغنَّة بمقدار حركتين؛ ويُسمَّيان حرف أغنٌّ مشدَّد ظاهر" فهذه قاعدة خاصَّة في باب النُّون والميم المشدَّدتين، وكلِّيَّة في باب الغنَّة، ويندرج تحت هذه القاعدة كثير من الأمثلة في عموم القرآن الكريم، فكلُّ مثال يندرج تحت قاعدة كلِّيَّة، وهي محلُّ دراسة علم التَّجويد في الجانب النَّظريِّ، فيتعلَّم الطَّالب القاعدة في الباب، ثمَّ يفهم القائدة ويُدرك فلسفة الحكم، ثمَّ يُطبِّق القاعدة التي فهم مضمونها على الكلمات التي تنطبق عليه القاعدة، وعدم إدراك القاعدة يُؤدِّي إلى عدم التَّطبيق، والقصور في فهمها يؤدِّي إلى القصور في الأداء، فلزم الجمع بين المعرفة والفهم لحسن الأداء، وقد يقع التَّطبيق بالتَّقليد دون العلم، لكنَّ المقلَّد لا يسلم من الوقوع في الخطأ؛ لأنَّ العشوائيَّة قد تصل به إلى إسقاط مثيل للمثال.


(1) التَّحديد في الإتقان والتَّجويد، لأبي عمرو الدَّاني، تحق: د. غانم قدوري الحمد، مكتبة دار الأنَّبار بغداد، ط: (1/1407=1988م) ص: (70).

(2) الفتاوى الحديثيَّة، لأبي العبَّاس ابن حجر الهيتميِّ، دار الفكر، ص: (174).

نسأل الله أن ينفعكم بهذا العلم وأن يجعله في ميزان حسناتنا وحسناتكم

لديك سؤال شرعي؟

اطرح سؤالك وسنجيبك بإذن الله